بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
ثورة 8- أذار نهاية السلطة الديمقراطية وبداية السلطة الفردية
  10/03/2014


ثورة" الثامن من آذار ....

اخبار وصحف ايام زمان
نهاية السلطة الديمقراطية وبداية السلطة الفردية


 


مضى واحدٌ وخمسون عاماً منذ قيام "ثورة" الثامن من آذار 1963 أو كما يسميه صانعوه.
قد لانهتم بالمسميات ثورة أم انقلاب ولكن مايهمنا حقاً هو سوريا التي عاشت ومازالت تعيش إلى يومنا هذا بين هلالي هذه الثورة ونتائجها الكارثية على مختلف الأصعدة.
لقد تذرع انقلابيو الثامن من آذار وهم ينفذون انقلابهم، بأنهم يحاولون حماية الشعب من الأنظمة الرأسمالية والرجعية الفاسدة، وبأنهم لا يطمحون للسلطة بقدر طموحهم وإيمانهم بوحدة الأمة العربية وحريتها وتطبيق الاشتراكية فيها، فهل هذا ما تحقق حقاً على يد انقلابيي الثامن من آذار ؟؟؟؟
لقد تحالف البعثيون في بداية انقلابهم مع القوى الناصرية ليوطدوا أركان حكمهم وفي سبيل ذلك قامت حكومة صلاح البيطار المنادية بالحرية والمنبثقة عن انقلاب الثامن من آذار بأول قمع للحريات ألا وهو إصدار مرسوم تشريعي قاضي بإغلاق أكثر من ثلاثين صحيفة سورية اتهمت بتأييدها للانفصاليين فصودرت ممتلكاتها وأغلقت مكاتبها بالشمع الأحمر ومن هذه الصحف:
في دمشق: الرأي العام لصاحبها احمد عسة، الايام لصاحبها نصوح بابيل، النصر لوديع صيداوي، صوت العرب لعبد القادر قواس، الأخبار لنسيم مراد، المنار لبشير العوف، العلم لعزت حصرية، الطليعة العربية لعدنان الملوحي، الصرخة لأحمد علوش، الشام لبكري المرادي.
في حمص: الفجر لأحمد نورس السواح، البيان لحسن الشامي.
في حماة: الحرية لبديع سالمة.
في حلب: الشباب لمحمد طلس، التربية لعبد السلام الكاملي، برق الشمال لانطوان حاتم.
ومن ثم جاء دور الجيش لتصفية الحسابات مع ضباطه وصف ضباطه وأفراده، الذين لاينتمون لأي حزب سياسي أو الذين ينتمون لفكر سياسي لا يتوافق مع الفكر السياسي لحزب البعث، فقد أصدر مجلس قيادة الثورة في اوائل شهر حزيران 1963 مرسوماً يحدد صلاحيات واختصاصات هذا المجلس، اعطى المجلس لنفسه عدا عن السلطات التأسيسية والتشريعية والتنفيذية حق تصفية الجيش وحله كما ورد في المادة الثامنة من هذا المرسوم:
"لمجلس قيادة الثورة مناقشة واقرار تسريح الجيش العامل والاحتياطي وتكوينه وتخفيضه وحله بناء على اقتراح مجلس الدفاع"
وعلى إثره تم تسريح أكثر من ثلاثة آلاف ضابط وصف ضابط من خيرة ضباط الجيش السوري ومنهم :
العميد جميل فياض قائد قوى الامن الداخلي، والعميد ممدوح حبال قائد احدى قطعات الجيش، والمقدم مأمون تحسين المرافق الخاص للرئيس عبد الناصر ايام الوحدة. وتم أيضا تسريح الضباط سالم قطيني وصديق عبد المسيح وعمر المصري، ورشاش تركاوي، وتركي تركاوي، وعدنان صافي، وسامي السباعي، ومحمد قوي، عبد الواحد مقداد، ونوري جسري ..الخ.
وبعد أن توطدت أركان الدولة نوعاً ما للانقلابين ظهرت على العلن رياح التفرد بالسلطة لأعضاء الحزب وبدأت الحرب الشعواء بين البعثيين والناصريين التابعين للرئيس المصري جمال عبد الناصر، وانتهت هذه الخلافات بقيام جمال عبد الناصر بدفع عدد من الضباط البعثيين يرأسهم جاسم علوان بتنفيذ انقلابهم على حكم البعث في 18 تموز 1963 إلا أن هذا الانقلاب مني بالفشل وتم تشكيل محاكمة عسكرية بحق الانقلابين ترئسها الضابط صلاح الضللي أعدم على إثرها أكثر من ثلاثين عسكرياً ومدنياً في ظل محاكمات صورية لم تستمر أطول محاكمة فيها لأكثر من خمس دقائق.
بعد هذه النهاية الدموية لأول انقلاب على حكم البعث، أصدر الرئيس المصري جمال عبد الناصر بياناً بتاريخ 22 تموز 1963 جاء فيه:
"إن الجمهورية العربية المتحدة لا تعتبر نفسها مرتبطة او ملزمة بأي اتفاق مع الحكومة السورية الحاضرة، لأن حكم البعث حكم فاشستي متسلط ودموي وهو حكم المشانق وحمامات الدم"
بعد الانتهاء من مزاحمة الناصريين لهم، بدأ البعثيون مرحلة أخرى من التنافس على السلطة ولكن هذه المرة فيما بينهم شخصياً، فتفجرت ضمن حزب البعث كل التناقضات العسكرية والمدنية وعندما جرت الانتخابات القطرية لهذا الحزب جاء ترتيب ميشيل عفلق في المرتبة السادسة وجاء ترتيب صلاح البيطار في المرتبة الثالثة عشرة ونال هلال رسلان أحد أشخاص الحزب المغمورين أكثرية اصوات المقترعين.
وقد نشئ عن هذا المؤتمر عدد من التكتلات ظهرت للعلن وهي:
1- تكتل القيادة القومية بقيادة ميشيل عفلق وصلاح البيطار. يؤازره التكتل العسكري لأمين الحافظ ومحمد عمران.
2- تكتل القيادة القطرية : يتزعمه الدكاترة الثلاثة نور الدين الأتاسي، ويوسف زعين وإبراهيم ماخوس وكانوا ضد حكم العفلق والبيطار ويؤازره التكتل العسكري لصلاح جديد وسليم حاطوم.
أدى انقسام البعث بين يمين ويسار إلى جعل الاقتصاد السوري ضحية للتناقضات والمزاودات فهلال رسلان لم ينل اكثرية اصوات المقترعين في انتخابات القيادة القطرية إلا لأنه أصدر قرارا بصفته محافظا لمدينة حلب، دون الرجوع إلى رأي الحكومة، بتأميم 374 مخبرا في تلك المحافظة، وهي أفران صغيرة شخصية او عائلية، وتكليف عمالها ومستخدميها بإدارتها بإشراف الدولة، كما أدت المزاودات اليسارية إلى تأميم جميع الشركات والمعامل في سورية فوجه حزب البعث بذلك ضربة قاصمة للاقتصاد السوري، لم يشف من جرائها حتى الآن.
وفي 23 شباط 1966 جاء دور الانقلاب الثاني الذي قاده اللواء صلاح جديد بمساعدة اللواء سليم حاطوم، والذي أزيحت من بعده القيادة القومية لحزب البعث عن الحكومة، واعتقل أمين الحافظ ومحمد عمران والقادة الموالون لهم ووضعوا في سجن المزة كما تم اعتقال ثلاثين قيادياً من قيادات حزب البعث القدامى بينهم صلاح البيطار وأودعوا في السجن.
وتم تشكيل حكومة جديدة بعد أن عين الدكتور نور الدين الأتاسي رئيساً للجمهورية، تشكلت الحكومة من الدكتور يوسف زعين رئيساً للحكومة، والدكتور إبراهيم ماخوس نائباً للرئيس وحافظ الأسد وزيراً للدفاع ولقب هذا العهد بعهد الدكاترة الثلاث.
إلا أن هذا الوضع لم يعد هادئاً فحليف الأمس اللواء سليم حاطوم الذي اعتبر نفسه العقل المدبر لانقلاب شباط 1966، لم يرقه الوضع السائد في البلاد وازدياد نفوذ اللواء صلاح جديد ووزير دفاعه حافظ الأسد فنفذ انقلاباً عسكرياً بتاريخ 8 أيلول 1966 ولكن هذا الانقلاب باء بالفشل واعتقل جزء من منفذيه بينما فر القسم الآخر إلى لبنان.


وبعد نكسة حزيران 1967 واحتلال العدو الإسرائيلي لمرتفعات الجولان، تمت إلقاء المسؤولية على وزير الدفاع حافظ الأسد أنه وراء هذه الهزيمة، وأنه لولا انسحابه من مرتفعات الجولان دون أن يأخذ امراً من القيادة لما كانت هذه المرتفعات قد وقعت بيد الاحتلال الإسرائيلي، وزيد على ذلك النكسة التي أصابت الوحدات المقاتلة السورية عند تدخلها بأزمة الأردن، وعدم موافقة وزير الدفاع حافظ الأسد على تغطية القوات السورية من قبل سلاح الجو ما أدى لخسارة كامل القوات السورية في المعركة، ونتيجة لذلك حسم صلاح جديد موقفه بإزاحة حافظ الأسد من القيادة القطرية، على أن يطرح ذلك خلال المؤتمر العام للحزب إلا أن حافظ الأسد كان على معرفة بما يخبئ له، ونفذ انقلاباً عسكرياً أو ما أسماه بالحركة التصحيحية ضد صديقه الحميم صلاح جديد في 12 تشرين الثاني 1970 وأودعه في السجن هو والرئيس نور الدين الأتاسي، وعين أحمد الخطيب رئيساً مؤقتاً للجمهورية إلى أن استتبت الأمور بشكل كامل لحافظ الأسد وتولى مقاليد الحكم بنفسه عام 1971.
هذا هو جزء من الواقع السياسي والعسكري لأعضاء حزب البعث، منذ استيلائهم على السلطة عام 1963 وحتى يومنا هذا، أما الواقع الاجتماعي المرير فليس هناك أفضل من الصحفي الكبير ورئيس تحرير مجلة المضحك المبكي الأستاذ حبيب كحالة الذي كتب كلمة صريحة بمناسبة الاحتفال بالسنة الأولى من انقلاب الثامن من آذار، كتبها نتيجة شعوره بالمرارة لإقصاء السوريين عن الحياة السياسية واحتكار حزب البعث للسلطة وللحياة السياسية فيها لنفسه، جاء في المقال:
" ترددت كثيراً قبل أن أكتب اليوم في عيد الثورة فقلت في نفسي لماذا أكتب اليوم في موضوع تحتكره فئة من الناس أنا لست منهم .... بل لماذا أتكلم عن أمر جعله البعض من نسجهم وحدهم ومن صفهم وحدهم ومنعوه على غيرهم ومنعوهم عنه ...
وفكرت وفكرت ثم عدت إلى القلم وأنا أقول بل لماذا لا أكتب؟ وأنا ابن هذا الوطن، وهذه الثورة حدثت على أرض هذا الوطن فإذا نجحت أصابني نجاحها وإذا فشلت لحق بي فشلها ....
في التاريخ أمثلة كثيرة عن ثورات فشلت، وأمثلة كثيرة عن ثورات نجحت ونمت، أما التي فشلت فشلت لأنها نمت على الحقد والضغينة وحب الأثرة والأنانية، وأما الثورات الناجحة فهي الثورات التي قامت على أسس العدالة والحرية والمساواة والتسامح.
وكم أتمنى ان تكون ثورة 8 آذار من هذا النوع، كم أتمنى في هذا العيد أن أسمع رجالاتها يعلنون ويقولون كما قال ابراهام لينكولن للذين جاؤوا إليه ليطالبوه بالقضاء على خصوم ثورتهم: ( أننا نريد أن نقضي على خصومنا بجعلهم أصدقاء لنا)
وكم أتمنى أن يقف أحد قادتهم مخاطباً السوريين كما خاطب جيفرسون الأمريكيين قائلاً:
( أيها الإخوة الأمريكيين إننا اليوم بمحنة فلنكن جمعينا جمهوريين وجميعنا لامركزيين ....)
أجل كم أتمنى ذلك فالثورات لايحميها الحكم، ولا تحرسها القوى، إنما تحميها وتحرسها قلوب الأمة إذا التفت حولها، وهذا ما يجب أن يتوخاه كل قائد مخلص وحكيم والله فوق كل ذي علم عليم "


المضحك المبكي – 8 آذار 1964

المراجع:

- مذكرات أكرم الحوراني الجزء السادس
- كتاب كسرة خبز لسامي الجندي
- جريدة الحياة العدد 5187 تاريخ 15/3/1963
- جريدة الحياة العدد 5190 تاريخ 19/3/1963
- جريدة المضحك المبكي العدد 1060 تاريخ 8/3/1964



 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات