بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
سوريا ..انتخابات عام 1954 التي شهد العالم أجمع بنزاهتها ....
  04/06/2014

سلسلة رؤساء سوريا ... (الحلقة الخامسة )
اخبار وصحف ايام زمان


انتخابات عام 1954 التي شهد العالم أجمع بنزاهتها ....
جمال عبد الناصر رئيساً لسوريا وبداية عهد الانحطاط ....
بعد استقالة الشيشكلي من منصبه في 26 شباط 1954، طلب من الرئيس هاشم الأتاسي العودة إلى سدة رئاسة الجمهورية لإتمام فترة ولايته على أن يمارس مهامه ابتداءاً من 1 آذار 1954 ويتم خلال هذه الفترة تنظيم انتخابات نيابية جديدة، ينتخب على إثرها رئيس جديد للبلاد،
وفي أيلول من العام 1954 جرت الانتخابات النيابية السورية والتي اعتبرت من أكثر الانتخابات شفافية وديمقراطية في الشرق الأوسط والبلاد العربية، وذلك للمنافسة الكبيرة التي كانت تشتد بين الأحزاب المختلفة التوجهات، من الحزب الوطني ذو التوجه الرأسمالي إلى الحزب الاشتراكي وحزب البعث إلى الحزب الشيوعي إلى حزب الإخوان المسلمين وغيرها من الأحزاب السورية، هذه الانتخابات شاركت بها مختلف أطياف المجتمع السوري من نساء ورجال، كما ساهم الوعي الانتخابي لدى طلاب الجامعات بأن يشكلوا قائمة خاصة بهم باسم "قائمة طلاب الجامعة السورية" ضمت هذه القائمة خالد بكداش الشيوعي وسعيد الغزي رئيس الوزراء وخالد العظم وأكرم الحوراني وصلاح البيطار، وانتهت الانتخابات بنجاح قائمتهم بشكل شبه كامل، وفي نهاية الانتخابات تليت أسماء المرشحين الفائزين، وتمت الدعوة لانعقاد الاجتماع الأول للمجلس النيابي ....

سوريا ... لقاء مع الديمقراطية والتطور والمنافسة العالمية:
كانت انتخابات رئاسة الجمهورية هي من أكبر المهام صعوبة التي ستقع على عاتق المجلس النيابي السوري المنتخب حديثاً، وخاصةً أن المجلس الحالي يضم تيارات وكتل متنوعة إسلامية وشيوعية ورأسمالية واشتراكية وغيرها، وكانت الأحزاب الاشتراكية والشيوعية توالي ترشيح خالد العظم لرئاسة الجمهورية، بينما اتجهت باقي الأنظار لترشيح الرئيس العائد حديثاُ من مصر شكري القوتلي رئيساً للجمهورية، جرت الانتخابات في 18 آب 1955 وقد ترشح للانتخابات كل من شكري القوتلي – خالد العظم – لطفي الحفار، إلا أن لطفي الحفار سحب اسمه من الترشح، لتنحصر المنافسة بين السيدين خالد العظم وشكري القوتلي، كان عدد النواب في المجلس النيابي السوري 142 نائباً، وفي يوم الانتخابات حضر 139 نائباً وبدأت عملية الاقتراع، وكانت النتيجة 4 بطاقات بيضاء و3 بطاقات باطلة و41 صوتاً للسيد خالد العظم و91 صوتاً للرئيس شكري القوتلي، وبذلك أصبح الرئيس القوتلي رئيساً للجمهورية السورية مرةً أخرى بعد أن خرج بانقلاب حسني الزعيم من السلطة عام 1949.

في 6 أيلول 1955 تمت مراسم انتقال السلطة في القصر الجمهوري بشكل راقٍ وحضاري، من الرئيس السابق هاشم الأتاسي إلى الرئيس المنتخب شكري القوتلي.

حاول الرئيس القوتلي تشكيل حكومة وطنية تضم جميع الأطياف في سورية، وحاول التقرب من حزب البعث الذي رفض المشاركة بهذه الحكومة وأعلن معارضته لها قبل أن تبدأ بأعمالها.
كان عهد الرئيس القوتلي الجديد عهد نهضة وتقدم وتطور على جميع الميادين، التفت الرئيس القوتلي إلى واقع البلاد الاجتماعي والاقتصادي، فقد انتعشت الليرة السورية بشكل كبير وتم تأسيس مئات الشركات المساهمة وتطورت الصناعة والزراعة، وأصبحت المنتوجات السورية تنافس المنتوجات العالمية وقد ارتفعت أسهم البورصة السورية (التي كان مكانها بسوق الحميدية بدمشق بشارع يدعى شارع البورصة) لتحقق أعلى النقاط في المنطقة وليتعدى التداول ملايين الليرات السورية، كما ارتفع عدد المصارف العاملة في سوريا ليبلغ حده الأقصى وذلك لتوفر المناخ الاقتصادي الملائم لتكاثر هذه المصارف.
أما من ناحية الحريات، فقد كانت هذه الفترة هي فترة نهضة سياسية حقيقية، تأسست فيها أكثر من مئة صحيفة ومجلة وكانت الصحافة تمارس دورها بكل حرية وشفافية، وكانت الأحزاب المعارضة للقوتلي تتمتع بكل حرية لانتقاد الحكم السياسي، دون أن يلاحق أحد من أعضائها أو يعتقل.

كما كان القوتلي يدعوا دائماً لحياد الجيش والتأكيد على مهمته الوطنية وابتعاده عن السياسة كي لا تتكرر مأساة الانقلابات مرةً أخرى، كان القوتلي يدعم الجيش دون أن يتدخل بتنظيمه وقياداته بشكل مباشر، وهذا كان خطأه الكبير، عندما أفسح المجال لحزب البعث ولأفكار أكرم الحوراني الاشتراكية المعارض للقوتلي وحكومته بالتغلل ضمن أوساط الجيش ومحاولة تسييسه ضارباً بعرض الحائط مبدأ حياد الجيش وابتعاده عن السياسة، هذا الجو الذي خلقه البعثيين والاشتراكيين ضمن الجيش أوصل البلد إلى أكبر كارثة عرفتها في تاريخها، وهي كارثة الوحدة السورية المصرية .....

كيف تحققت الوحدة السورية مع مصر ......
بعد رحيل الشيشكلي عن سوريا، بدأ النفوذ البعثي الاشتراكي داخل ألوية الجيش ووحداته يزداد بكل ملحوظ، وقد عمل أكرم الحوراني مؤسس الحزب الاشتراكي مع عدد من أصدقائه البعثيين أمثال صلاح الدين البيطار، على تسييس الجيش وتحزيبه، وإبعاده عن مهامه القومية والوطنية التي أُسس لأجلها.

ويعتبر تاريخ 22 نيسان 1955 أي تاريخ اغتيال العقيد عدنان المالكي خلال حضوره لمباراة بكرة القدم، نقطة تحول حقيقية في تاريخ الجيش السوري، فقد أصبحت الفوضى تعم الجيش من خلال الفئات المسيسة فيه من الضباط الاشتراكيين الحورانيين والضباط البعثيين والضباط المستقلين الموالين للاشتراكية وبين بعض الضباط الموالين لابتعاد الجيش عن السياسة وهم يؤيدون دستورية حزب الشعب والحزب الوطني وبين الضباط المدعومين من عبد الحميد السراج الذي كان مدعوماً من القيادة المصرية كونه قد استلم القيادة المشتركة العربية بين مصر وسوريا وكان على ارتباط دائم بالسفارة المصرية ....

في مصر كان نجم جمال عبد الناصر في أوجه وخاصةً بعد أن صُنع منهُ بطلاً عربياً انتصر في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، عبد الناصر هذا كان محباً للسلطة وكان يطمح بشكل أو بآخر للسيطرة على سورية القوية اقتصادياً والمتطورة سياسياً ووجد أنهُ لايمكن إخضاع دولة مثل سورية إلا إذا استطاع تخريب وحدة الجيش السوري الوطنية، وامتطاء صهوته ليظهر بمظهر المنقذ والبطل القومي، كانت السفارة المصرية بسوريا تحاول العبث بأمن الجيش من خلال قائد القوات المشتركة عبد الحميد السراج، وترجح معظم المراجع الصادرة في تلك الحقبة على احتمال تورط السفير المصري محمود رياض باغتيال العقيد عدنان المالكي لأن المالكي كان يمثل بالنسبة للجميع الحماية الوطنية للجيش السوري، وهو إن كان من دعاة القومية العربية إلا أنه كان يرفض قيام وحدة اندماجية كاملة مع مصر.

في ظل هذه الأجواء كان وزير الخارجية السوري صلاح الدين البيطار قد اجتمع سراً مع الرئيس جمال عبد الناصر وطلب منه القيام بإعلان وحدة اندماجية تامة مع سورية، وفي 11 كانون الثاني 1958 ذهب عدد من الضباط المعروفين بانتماءاتهم البعثية والاشتراكية بطائرة خاصة إلى مصر أعدها لهم سراً السفير المصري بدمشق، وقد كان من بين هؤلاء الضباط: اللواء عفيف البزرة رئيس أركان الجيش، العقيد بشير صادق، المقدم مصطفى حمدون، المقدم جادو عز الدين، المقدم أمين الحافظ وغيرهم ....

اجتمع هؤلاء أولاً بالمشير عبد الحكيم عامر، ومن ثم بالرئيس جمال عبد الناصر، الذي رأى في قدومه فرجاً مبيناً انتظره منذ زمن للاستيلاء على الدولة السورية الغنية، إلا أنه بعد أن أظهر موافقته الشديدة على الوحدة، قال للضباط بأن عليهم أن يأتوه بموافقة القيادة السياسية متمثلة برئيس الجمهورية شكري القوتلي ورئيس حكومته، وعند عودة الضباط لسوريا عرضوا الموضوع على القيادة السياسية التي كانت مجبرة على القبول بالوحدة الاندماجية مع مصر حفاظاً على أمن الجيش السوري والوحدة الوطنية بين أبناء الشعب ....

الجمهورية العربية المتحدة .... وبداية عهد الانحطاط:
كان الرئيس القوتلي من دعاة الوحدة والقومية العربية، وكان يسعى دائماً لتشكيل اتحاد فيدرالي بين الدول العربية وخاصة بين سوريا ومصر لمواجهة الأحلاف والتكتلات الخارجية التي كان يجد بها خطراً على سوريا، وقد أوضح لعبد الناصر في الكثير من اللقاءات أنه يؤيد الاتحاد الفيدرالي بين سوريا ومصر ويصر على معارضة الوحدة الاندماجية التامية لما لها من اخطار على البلدين السوري والمصري بسسبب اختلاف العادات والثروات بينهما، إلا أن عبد الناصر الطامع بسوريا ومقدراتها كان يسعى نحو الوحدة التامة، وكان ذلك جلياً من خلال النشاط المشبوه للسفارة المصرية في سورية، وكذلك من خلال موافقة عبد الناصر لمقابلة الضباط السوريين المطالبين بالوحدة على الرغم من معرفته المسبقة أنهم جاؤوا من دون إذن السلطات السياسية ومن دون علمها أساساً.

وفي 22 شباط 1958 تم التوقيع على ميثاق الوحدة بين الرئيس شكري القوتلي والرئيس جمال عبد الناصر وإعلان قيام (الجمهورية العربية المتحدة) التي تشكلت من وحدة الاقليمين الشمالي السوري والجنوبي المصري، وبعد أن وضع جمال عبد الناصر عدد من الشروط المسبقة لقبوله القيام بالوحدة مع سوريا أهمها أن تحل جميع الأحزاب السورية وإغلاق صحفها .....
دخل السوريون عهد الوحدة التي لطالما حلموا بها، وجدوا بعبد الناصر قائداً عربياً سيمكنهم من الانتصار على العدو الصهيوني القابع في فلسطين، إلا أن أحلامهم مالبثت أن تلاشت، بعد الأعمال التي قام بها عبد الناصر، فعلى صعيد الجيش كان عبد الناصر قد عزل اللواء عفيف البزرة رئيس الأركان ووضعه تحت الإقامة الجبرية على الرغم من كونه من دعاة الوحدة، كما سرح عشرات الضباط السوريين الأكفاء أو نقلهم إلى أماكن بعيدة عن اختصاصهم، وقد أرسل مئات الضباط المصريين الغير أكفاء إلى سورية وسلطهم على الضباط السوريين فعاملوا ضباط سوريا بفوقية وتكبر وإهانة أزعجت الكثيرين حتى المنادين بالوحدة، كما اعتمد عبد الناصر على صغار الضباط وقام بترفيعهم بشكل مخالف للقانون ثم أناط بهم العديد من المناصب الحساسة في الدولة على الرغم من عدم كفائتهم.
أما على الصعيد السياسي فقد حل عبد الناصر جميع الأحزاب السورية وأوقع البلاد في طغيان الدكتاتورية وتسلط المخابرات وخاصة بعد أن فعل عبد الناصر المكتب الاستخباراتي الثاني برئاسة عبد الحميد السراج وسلطه على الشعب فامتلأت السجون بالمعتقلين، وصودرت الحريات وكمت الأفواه وتحولت سوريا من مرتع للصحافة الحرة تصدر فيها أكثر من مئة صحيفة ومجلة إلى مرتع للصحافة المنافقة المتملقة لشخص عبد الناصر والتي لا يزيد عددها عن عدد أصابع اليد، حتى أن الرسائل البريدية لم تسلم من أذى المخابرات وكان يتم فتح كل الرسائل وقارئتها من قبل أجهزة الرقابة الداخلية بشكل علني مستهتر بخصوصيات الشعب وحرياته، ومن ثم قام عبد الناصر بوضع المشير عبد الحكيم عامر على الإقليم السوري على الرغم من فساده وسوء أخلاقه، وأغدق المناصب السياسية على المصريين، بينما اكتفى بإعطاء منصب نائب الرئيس لكل من أكرم الحوراني وصبري العسلي وكان هذا المنصب صورياً فقط ما دعى العسلي للاستقال من منصبه.

وعلى الصعيد الاقتصادي فقد تحول الإقليم الشمالي السوري إلى مخزن لتصدير الأموال والغذاء للإقليم الجنوبي المصري الفقير، وقد انتهج عبد الناصر سياسة التأميم العشوائي فأضر بالاقتصاد الوطني وأضر بصاحب العمل والعامل على حدٍ سواء، وتراجعت الصادرات السورية وأغلقت المعامل والمصانع، وتراجع الدخل تراجعاً ملحوظاً، وتصحرت الأراضي بعد أن صدر قانون الاستصلاح الزراعي، وكانت سورية تعاني من كارثة زراعية حقيقية بسبب هذا القانون.

في هذا الجو الذي خلقه طغيان عبد الناصر واستبداده تم إجهاض أول حركة وحدوية عربية بعد أن ضاق ضباط الجيش من تسلط الضباط المصريين عليهم، وبعد أن سئم الشعب من القوانين الجائرة المستهترة بقوت يومه، كان الإنفصال في 28 أيلول 1961 لتنتهي حقبة مريرة عانى منها الشعب السوري ومازال يعاني منها إلى اليوم، وليبدأ عهد جديد هو عهد الانفصال في سورية .....
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات