بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
حزب البعث وانقلابات الاخوة الأعداء ...
  23/06/2014

سلسلة رؤساء سوريا ...(الحلقة الأخيرة)
اخبار وصحف ايام زمان


الحريري قائد انقلاب الثامن من آذار يطرد خارجاً ... وأمين الحافظ بدلاً عنه
حزب البعث وانقلابات الاخوة الأعداء ...
حافظ الأسد الرئيس الذي حكم أكثر من مجموع رؤساء سوريا ...


لم ترق حكومة خالد العظم للكثيرين، فالناصريين اعتبروها ترسيخاً للانفصال، والبعثيين والاشتراكيين من جناح صلاح البيطار لم يعجبهم ماتقوم به هذه الحكومة من نهضة اقتصادية ابتدأت بإلغاء القوانين الجائرة التي وضعت زمن الوحدة من قانون الإصلاح الزراعي إلى قانون التأميم إلى غيرها من القوانين التي عادت على سورية وشعبها بالخراب والدمار.
وكما هي العادة، بدأت المؤامرة تحاك من داخل الجيش، ووجد أطراف الصراع في العقيد زياد الحريري الشخصية الملائمة لتنفيذ انقلاب جديد على الحكم المدني، علهم يصلون إلى غاياتهم من خلال هذا الانقلاب، وفي صبيحة الثامن من آذار عام 1963 نفذ الحريري انقلابه وبدأ عهد جديد للحكم في سوريا، عهد استئثار البعث للسلطة ....

عهد استئثار البعث بالسلطة ... وتتوجيه الحزب القائد للدولة والمجتمع ......

تعددت الأطراف والمصالح التي كانت خلف انقلاب الثامن من آذار عام 1963، فعلى الرغم من أن زياد الحريري ظهر وكأنه هو قائد ومنفذ هذا الانقلاب، إلا أن الحقيقة تروي غير ذلك، فلقد تعددت القوى السياسية المناهضة لحكومة خالد العظم في سوريا، فظهر الناصريون المدفوعين من القاهرة والمطالبين بإعادة الوحدة مع مصر، كما ظهر حزب البعث العربي الاشتراكي التابع لصلاح البيطار المنادي بإعادة التأميم وقانون الإصلاح الزراعي والقوانين الاشتراكية وكذلك حزب القوميون العرب المنادين بوحدة مع مصر والعراق، بالإضافة إلى بعض القوى المسرحة من الجيش في عهد الانفصال والتي ينتمي معظمها لحزب البعث العربي الاشتراكي.
في هذا المناخ كان واجبٌ على قائد الانقلاب أن يرضي كل هذه الأطراف، كي يكسب ودها وبقاء تحالفها معه، وهذا ما كان، فلم يلبث على الانقلاب أكثر من يوم واحد حتى تم تشكيل المجلس الوطني لقيادة الثورة وتعيين الضابط لؤي الأتاسي الذي تم إخلاء سبيله من سجن المزة وترفيعه من رتبة عقيد إلى رتبة فريق وتسليمه رئاسة المجلس الوطني لقيادة الثورة، كما تم ترفيع العقيد زياد الحريري من رتبة عقيد إلى رتبة لواء وتسليمه رئيس أركان الجيش، وتم تسليم صلاح البيطار رئاسة الوزارة وتشكيل حكومته الأولى التي ضمت معظم الأطياف التي شاركت بالانقلاب.
ولإرضاء حاكم مصر جمال عبد الناصر، تم توقيع (ميثاق الوحدة) في 17 نيسان 1963 بين سوريا ومصر والعراق وقد بقي هذا الميثاق كغيره من المواثيق العربية مجرد حبر على ورق.
كما قامت حكومة صلاح البيطار المنادية بالحرية والمنبثقة عن انقلاب الثامن من آذار بأول قمع للحريات ألا وهو إصدار مرسوم تشريعي قاضي بإغلاق أكثر من ثلاثين صحيفة سورية اتهمت بتأييدها للانفصاليين فصودرت ممتلكاتها وأغلقت مكاتبها بالشمع الأحمر ومن هذه الصحف:
في دمشق: الرأي العام لصاحبها احمد عسة، الايام لصاحبها نصوح بابيل، النصر لوديع صيداوي، صوت العرب لعبد القادر قواس، الأخبار لنسيم مراد، المنار لبشير العوف، العلم لعزت حصرية، الطليعة العربية لعدنان الملوحي، الصرخة لأحمد علوش، الشام لبكري المرادي.
في حمص: الفجر لأحمد نورس السواح، البيان لحسن الشامي.
في حماة: الحرية لبديع سالمة.
في حلب: الشباب لمحمد طلس، التربية لعبد السلام الكاملي، برق الشمال لانطوان حاتم.
وفي أواخر نيسان 1963 أصدر مجلس قيادة الثورة المرسوم رقم 11 المتضمن قرار العزل المدني عن رجال العهد السابق أو ما أطلق عليه بعهد الانفصال اعتقل على إثره الرئيس ناظم القدسي وأودع بالمشفى العسكري في المزة كما صدرت مذكرة مماثلة بحق رئيس الحكومة خالد العظم إلا أنه كان قد التجئ إلى السفارة التركية قبل مغادرته البلاد.
وبعد الانتهاء من القيادات السياسية في البلاد جاء دور الجيش لتصفية الحسابات مع ضباطه وصف ضباطه وأفراده، الذين لاينتمون لأي حزب سياسي أو الذين ينتمون لفكر سياسي لا يتوافق مع الفكر السياسي لحزب البعث، فقد أصدر مجلس قيادة الثورة في اوائل شهر حزيران 1963 مرسوماً يحدد صلاحيات واختصاصات هذا المجلس، اعطى المجلس لنفسه عدا عن السلطات التأسيسية والتشريعية والتنفيذية حق تصفية الجيش وحله كما ورد في المادة الثامنة من هذا المرسوم:
"لمجلس قيادة الثورة مناقشة واقرار تسريح الجيش العامل والاحتياطي وتكوينه وتخفيضه وحله بناء على اقتراح مجلس الدفاع".
وعلى إثره تم إعادة كل الضباط البعثيين الذين تم تسريحهم وترفيع معظم الضباط البعثيين برتب عالية لايستحقونها، كما تم تسريح أكثر من ثلاثة آلاف ضابط وصف ضابط من خيرة ضباط الجيش السوري ومنهم :
العميد جميل فياض قائد قوى الامن الداخلي، والعميد ممدوح حبال قائد احدى قطعات الجيش، والمقدم مأمون تحسين المرافق الخاص للرئيس عبد الناصر ايام الوحدة. وتم أيضا تسريح الضباط سالم قطيني وصديق عبد المسيح وعمر المصري، ورشاش تركاوي، وتركي تركاوي، وعدنان صافي، وسامي السباعي، ومحمد قوي، عبد الواحد مقداد، ونوري جسري ..الخ.
وبعد أن توطدت أركان الدولة نوعاً ما للانقلابين ظهرت على العلن رياح التفرد بالسلطة لأعضاء الحزب وبدأت الحرب الشعواء بين البعثيين والناصريين التابعين للرئيس المصري جمال عبد الناصر، وانتهت هذه الخلافات بقيام جمال عبد الناصر بدفع عدد من الضباط يرأسهم جاسم علوان بتنفيذ انقلابهم على حكم البعث في 18 تموز 1963 إلا أن هذا الانقلاب مني بالفشل وتم تشكيل محاكمة عسكرية بحق الانقلابين ترئسها الضابط صلاح الضللي أعدم على إثرها أكثر من ثلاثين عسكرياً ومدنياً في ظل محاكمات صورية لم تستمر أطول محاكمة فيها لأكثر من خمس دقائق.

نتيجة لذلك بدأت أبواق القاهرة التي كانت مؤيدة وداعمة لانقلاب الثامن من آذار، بدأت حملتها الشعواء ضد المستأثرين بالانقلاب وخاصة حزب البعث الذي خرج منتصراً على أول حركة انقلابية ضده قادها ودعمها النظام المصري بكل مايملك من قوة، وبعد هذه النهاية الدموية لأول انقلاب على حكم البعث، أصدر الرئيس المصري جمال عبد الناصر بياناً بتاريخ 22 تموز 1963 جاء فيه:

"إن الجمهورية العربية المتحدة لا تعتبر نفسها مرتبطة او ملزمة بأي اتفاق مع الحكومة السورية الحاضرة، لأن حكم البعث حكم فاشستي متسلط ودموي وهو حكم المشانق وحمامات الدم"

بعد الانتهاء من مزاحمة الناصريين لهم، بدأ البعثيون مرحلة أخرى من الصراع، ألا وهو التخلص من قائد انقلاب الثامن من آذار وأعوانه، فتمت إبعاده خارج البلاد ليعمل سفيراً متجولاً، وعين اللواء أمين الحافظ رئيساً للأركان بدلاً عنه.

وبعد أن استتب الأمر لحزب البعث وتسلم مقاليد الأمور في البلاد بدأ الصراع بين رجالات البعث أنفسهم للتنافس على السلطة، فتفجرت ضمن حزب البعث كل التناقضات العسكرية والمدنية، وتم عزل الفريق لؤي الأتاسي من رئاسة مجلس قيادة الثورة وتعيين اللواء أمين الحافظ بدلاً عنه، وعندما جرت الانتخابات القطرية لحزب البعث جاء ترتيب المؤسس ميشيل عفلق في المرتبة السادسة وجاء ترتيب صلاح البيطار في المرتبة الثالثة عشرة ونال هلال رسلان أحد أشخاص الحزب المغمورين أكثرية اصوات المقترعين.

وقد نشئ عن هذا المؤتمر عدد من التكتلات ظهرت للعلن وهي:
1- تكتل القيادة القومية بقيادة ميشيل عفلق وصلاح البيطار. يؤازره التكتل العسكري لأمين الحافظ ومحمد عمران.
2- تكتل القيادة القطرية : يتزعمه الدكاترة الثلاثة نور الدين الأتاسي، ويوسف زعين وإبراهيم ماخوس وكانوا ضد حكم العفلق والبيطار ويؤازره التكتل العسكري لصلاح جديد وسليم حاطوم.

أدى انقسام البعث بين يمين ويسار إلى جعل الاقتصاد السوري ضحية للتناقضات والمزاودات فهلال رسلان لم ينل اكثرية اصوات المقترعين في انتخابات القيادة القطرية إلا لأنه أصدر قرارا بصفته محافظا لمدينة حلب، دون الرجوع إلى رأي الحكومة، بتأميم 374 مخبزاً في تلك المحافظة، وهي أفران صغيرة شخصية او عائلية، وتكليف عمالها ومستخدميها بإدارتها بإشراف الدولة، كما أدت المزاودات اليسارية إلى تأميم جميع الشركات والمعامل في سورية فوجه حزب البعث بذلك ضربة قاصمة للاقتصاد السوري، لم يشف من جرائها حتى الآن.

الانقلابات تضرب صفوف حزب البعث .....
وفي 23 شباط 1966 جاء دور الانقلاب الثاني الذي قاده اللواء صلاح جديد بمساعدة اللواء سليم حاطوم، والذي أزيحت من بعده القيادة القومية لحزب البعث عن الحكومة، واعتقل أمين الحافظ ومحمد عمران والقادة الموالون لهم ووضعوا في سجن المزة كما تم اعتقال ثلاثين قيادياً من قيادات حزب البعث القدامى بينهم صلاح البيطار وأودعوا في السجن.

وتم تشكيل حكومة جديدة بعد أن عين الدكتور نور الدين الأتاسي رئيساً للجمهورية، تشكلت الحكومة من الدكتور يوسف زعين رئيساً للحكومة، والدكتور إبراهيم ماخوس نائباً للرئيس وحافظ الأسد وزيراً للدفاع ولقب هذا العهد بعهد الدكاترة الثلاث.

إلا أن هذا الوضع لم يعد هادئاً فحليف الأمس اللواء سليم حاطوم الذي اعتبر نفسه العقل المدبر لانقلاب شباط 1966، لم يرقه الوضع السائد في البلاد وازدياد نفوذ اللواء صلاح جديد ووزير دفاعه حافظ الأسد فنفذ انقلاباً عسكرياً بتاريخ 8 أيلول 1966 ولكن هذا الانقلاب باء بالفشل واعتقل جزء من منفذيه بينما فر القسم الآخر إلى لبنان.

وبعد نكسة حزيران 1967 واحتلال العدو الإسرائيلي لمرتفعات الجولان، تمت إلقاء المسؤولية على وزير الدفاع حافظ الأسد أنه وراء هذه الهزيمة، وأنه لولا انسحابه من مرتفعات الجولان دون أن يأخذ امراً من القيادة لما كانت هذه المرتفعات قد وقعت بيد الاحتلال الإسرائيلي، وزيد على ذلك النكسة التي أصابت الوحدات المقاتلة السورية عند تدخلها بأزمة الأردن، وعدم موافقة وزير الدفاع حافظ الأسد على تغطية القوات السورية من قبل سلاح الجو ما أدى لخسارة كامل القوات السورية في المعركة، ونتيجة لذلك حسم صلاح جديد موقفه بإزاحة حافظ الأسد من القيادة القطرية، على أن يطرح ذلك خلال المؤتمر العام للحزب إلا أن حافظ الأسد كان على معرفة بما يخبئ له، ونفذ انقلاباً عسكرياً أو ما أسماه بالحركة التصحيحية ضد صديقه الحميم صلاح جديد في 12 تشرين الثاني 1970 وأودعه في السجن هو والرئيس نور الدين الأتاسي، وعين أحمد الخطيب رئيساً مؤقتاً للدولة إلى أن استتبت الأمور بشكل كامل لحافظ الأسد وتولى مقاليد الحكم بنفسه عام 1971.

النهاية ....
يعتبر استلام حافظ الأسد للسلطة نهاية لتاريخ سوريا السياسي المتنوع، فقد استمر حكمه قرابة الثلاثين عاماً انتهى في العام 2000 ليخلفه ولده بشار الأسد الذي لايزال يحكم سوريا حتى يومنا هذا ......


المراجع:
- مذكرات أكرم الحوراني الجزء السادس
- كتاب كسرة خبز لسامي الجندي
- مذكراتي عن فترة الإنفصال في سوريا .... عبد الكريم زهر الدين
- كتاب مرآة حياتي ... مصطفى طلاس الجزء الثاني
- كتاب الدبلوماسية السورية في عقدين ... عبد الله فكري الخاني
- جريدة الحياة العدد 5187 تاريخ 15/3/1963
- جريدة الحياة العدد 5190 تاريخ 19/3/1963
- جريدة المضحك المبكي العدد 1060 تاريخ 8/3/1964
- مجموعة من الصحف والمجلات المحفوظة في إرشيف سيريانيوز.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات