بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
كيف يتم اختيار الحاكم: بالخبرة والحنكة أم بالوراثة ....؟؟؟
  11/08/2014

سوريا ... بين تنبؤات القدماء وواقع الأحياء


اخبار وصحف ايام زمان*/ سيريا نيوز


كيف يتم اختيار الحاكم: بالخبرة والحنكة أم بالوراثة ....؟؟؟
شعب بلا قضاء ولا صحافة هو شعبٌ لم يذق طعم الحياة


يتبادر إلى أذهاننا اليوم سؤال هام جداً بعد أن عاشت سوريا أسوء أربع سنوات في تاريخها منذ وجودها على خارطة العالم، هذا السؤال هو كيف يأتي الحاكم ولماذا تقوم الثورات ؟؟؟
وربما لو عرضنا هذا السؤال على مختلف أطياف السوريين اليوم لما استطاعوا الإجابة عليه كما أجاب عليه السياسيين والصحفيين السوريين قبل خمسة عقود مضت، فهؤلاء أحسوا بالمصيبة القادمة ونبهوا لها منذ تولي حزب البعث للسلطة في 8 آذار 1963 لما رأوه من تخبط في القرارات وعبثية في اختيار رجال الحكم، وبدل أن تقوم الدولة في ذلك الوقت بأخذ مخاوف هؤلاء على محمل الجد، نجدها على العكس تماماً قامت بإغلاق الصحف واعتقال الكاتبين من سياسيين وصحفيين بتهمة التحريض على أمن وسلامة الدولة، ولم يعلموا أنهم بفعلتهم هذه قاموا بإشعال الفتيل الأول لزعزعة أمن وسلامة الدولة ....
لقد انصب اهتمام معظم الصحف التي عرفت باستقلاليتها وحياديتها منذ العام 1963 وحتى تاريخ إغلاقها، في التنبيه والتأكيد على أهمية ثلاث عناصر لابد من توافرها حتى تستقر أركان الدولة وينعم شعبها بالرفاه، الأولى وهي كيف يتم اختيار الحاكم هل عن طريق الوراثة والتعيين أم عن طريق الصنعة والخبرة، والثانية حرية الصحافة واستقلاليتها ودور الدولة في حمايتها، وأما الثالثة فهي استقلالية القضاء وحياده وحصانة القضاة.

وفي مقال جميل كتب الأستاذ حبيب كحالة صاحب صحيفة المضحك المبكي أحد المقالات لما رأى ما رآه من تولي أشخاص غير مؤهلين لسدة الحكم في سورية بعد انقلاب 8 آذار 1963، فجاء في المقال المنشور بصحيفة المضحك المبكي بالعدد 1044 الصادر في 10 تشرين الثاني 1963 مايلي:
" كنت أطالع ما كتبته الصحف البريطانية عن اللورد هيوم بمناسبة استلامه رئاسة الوزارة فضحكت عندما قرأت أن هذا الرجل مع انه احتل مقعداً في مجلس العموم البريطاني مدة خمسة عشر عاماً، فإنه مازال يعتبر بالمقاييس السياسية البريطانية من المستجدين على السياسة، حتى أن المستر ماكميلان عندما اتخذه وزيراً للخارجية تعرض لحملة انتقاد عنيفة لاختياره رجلاً يعتبر غير مدرب لهذا المنصب الخطير الذي يتطلب خبرة واسعة، في مختلف جوانب الحياة ومن رأي خصومه اليوم، بعد ان استلم الرئاسة أن هذا الرجل سيقود معركة هزيمة حزب المحافظين بنجاح وذلك بسبب قلة خبرته في المشاكل الاجتماعية التي تعاني منها بريطانيا اليوم. وهذا رأسمال كبير لحزب العمال ...
فإذا ما قارن القارئ بيننا وبين الإنكليز في المقاييس المتخذة لاختيار الحكام، والوزراء عندنا وعندهم كان لابد له من أن يضحك طويلاً ....
فالحكم صنعة وخبرة وأن أهم ما يتطلبه الحاكم للنجاح هو الاختبار والتجارب حتى أن بعضهم قد آثر ذلك على العلم والمعرفة ....
إن بعد الحاكم عن الخبرة، سيبعده عن معرفة أحوال الشعب، وهذه الأقاويل وغيرها لا أتوقع أنها تغيب عن أذهان البعثيين دون شك، وإنما أحببت أن أرددها هنا على سبيل الذكرى، فكلما شاع خبر تشكيل وزارة جديدة قد تنفع هذه الذكرى ...."
وفي مقال آخر منشور بالعدد 1056 من صحيفة المضحك المبكي الصادر عام 1964 يتحدث الأستاذ حبيب كحالة، عن ركنٍ آخر من أركان الدولة، وهو حرية الصحافة، فجاء في هذا المقال:
" وقف نهرو يوم عيد استقلال الهند مؤخراً، في مؤتمر محرري الصحف، وخطب فيهم قائلاً: (.... وعلى من بيدهم زمام الأمر أن لا يتبرموا من انتقادات الصحف مهما قست وعنفت فحرية الصحافة سياج سمعة الحكم وهي وإن كانت تزعج الحكومات إلا أنه من الخطأ الفادح التفكيير في تقييدها، لأن التقييد ماهو إلا كبت للفكر، ولا يحول دون نشر الحقائق، لذلك، فإني أفضل صحافة حرة ولو أساءت الحرية على صحافة مكبلة بالقيود والأغلال ......)
وهذا الدرس الذي يلقيه نهرو، جدير بأن يتلقنه السياسيين بكل مكان وزمان، فواجب الصحافة الدفاع عن سمعة الحكم وتذكيتها والعمل على إبعاد كل مايسيء إليها أو ينال منها، والصحافة الحرة هي التي تغار على هذه السمعة وتعمل كي تكون سياجاً لها فلا تلوث ولا تتسخ والحقيقة أن كل من في الحكم مسؤول عن هذه السمعة من رأس السلطة حتى الآذن فبيدهم أن يرفعوها إلى السماء أو أن يخفضوها إلى الجحيم، فالقاضي الذي ينهر في وجه المواطن مثلاً إنما يسيء إلى سمعة الحكم والقاضي عندما يحكم ظلماً يسيء إلى سمعة الحكم، والوزير والرئيس عندما يتخبط بإصدار التشريعات إنما يسيء إلى سمعة الحكم.

هذه السمعة التي يرى نهرو وجوب وجود صحافة حرة جريئة لتعمل بلا خوف على المحافظة عليها أو الإشارة إلى مايشينها ويدنسها .... وسمعت الحكم إذا ساءت لا يستطيع أحد أن يعوض عنها، وعندما تشوه سمعة الحكم تقوم الاضطرابات وتعم الثورات، فعندما انتهت تلك الأحداث التي ارتكبتها الحكومة التركية في الاستانة عام 1956 وهدأت العاصفة، أعلن رئيسها وكان عدنان مندريس أن الحكومة مستعدة لأن تعوض كل من تضرر بهذه الأحداث، فردت عليه يومها كاتبة تركية معروفة اسمها ملك وقالت له: ( إنك ياسيدي الرئيس تستطيع أن تعوض كل المواطنين عن كل الأضرار التي لحقت بهم، ولكنك لن تستطيع أن تعوض عن سمعة الحكم الذي جعلته في التراب) .....
ليت هذا يدركه كل مسؤول عندما يحكم، وكل قاضي عندما يقضي بين الناس ...."
أما العنصر الثالث في سبيل بناء الدولة وتحصينها من الثورات الداخلية، فقد نبه له أديب الشام المرحوم محمد علي الطنطاوي الذي شغل منصب مستشار بمحكمة التمييز عندما نبه الحكومة القائمة والحكومات اللاحقة المتعاقبة على مبدأ استقلال القضاء، فجاء في رسالة وجهها بمقدمة كتاب لغة القانون الصادر في العام 1952 مايلي:

" ... لا يكون الحاكم عادلاً إلا بوجود العدل، والعدل لا يكون موجوداً إلا بنزاهة القضاء واستقلاليته وحياده، فإذا ما تعرض مواطنٌ منا للظلم وجد أمامه باباً كبيراً يدعى باب القضاء يسترد له حقه ويعاقب ظالمه، ولم يخطئ حكام بريطانيا عندما أعلنوا أن الدولة تبدأ من القضاء فلا رادع لتسلط الولاة والحكام إلا القضاء، فإذا ما قوض القضاء وأدخل في دهاليز السياسة وأبعد عن واجبه، عم الفساد واحتقنت الشعوب واشتعلت الثورات المطالبة بالعدالة، وإذا ما ترك القضاء مستقلاً نزيهاً بعيداً عن السياسة ومثالبها، ذاقت الشعوب طعم الحياة لأن لا حياة من دون حرية وعدالة ....."
هذه المقالات هي عبارة عن ثلاث مقالات مختارة من آلاف المقالات التي نبهت إلى الكارثة التي ستحدث إذ ما استلم الرئاسة من هو ليس أهلٌ لها، وإذ ما قوضت الصحافة، وفسد القضاء وليست هذه المقالات إلا استقراء واقعي لدولة تزعزعت أركان حكمها في ستينيات القرن الماضي فتسلم الحكم من هو ليس أهلٌ له، وحكم على الصحافة بالإعدام بعد أن كبلت بالأغلال والقيود، وذهبت عدالة القضاء فأصبح خصماً وحكماً .... وأصبح الشعب مغلوباً على أمره بلا حاكم يختاره بإرادته، وبلا قضاء ينصفه في مصيبته، وبلا صحافة تعرض مظلمته ....

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات