بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
الجمهورية العربية المتحدة .. وحدة اندماجية غير مدروسة وبداية للدكتاتور
  04/09/2014

الجمهورية العربية المتحدة .. وحدة اندماجية غير مدروسة وبداية للدكتاتورية.. (الجزء الأول)
اخبار وصحف ايام زمان


عبد الناصر رفض الاتحاد وأصر على الوحدة الاندماجية
طائرة عسكرية اتجهت من دمشق إلى مصر غيرت مجرى التاريخ السوري !!!
شعبٌ طيبٌ وطني ومؤمن بالقومية العربية، وقيادة سياسية منتخبة ديمقراطياً تعاني من ازدواج في السلطة بينها وبين الجيش،
وجيشٌ متحزبٌ بمعظمهِ نصب نفسه حاكماً على الحاكم وعلى الشعب ضارباً بعرض الحائط كل البروتوكولات السياسية المدنية يعاني هو نفسهُ من انقسام بين ضباطه بين حيادي بعيد عن السياسة وبين متحزب طامع بالسلطة، وأحزابٌ تتسابق بحرية للوصول إلى السلطة أو إلى الاستيلاء عليها عن طريق انقلاب عسكري.
هذه هي الفئات التي كانت تعيش في سوريا، قبل أن تدخل سورية بوحدة (كارثية) مع مصر أو ما يسمى بالجمهورية العربية المتحدة بإقليميها الشمالي (السوري) والجنوبي (المصري).
فكيفَ حدثت هذه الوحدة، ومن يتحمل مسؤوليتها ....؟؟؟؟؟
لم يتم إعلان الوحدة بين ليلة وضحاها كما يعتقد الكثيرون، ولم يتم بموافقة ومباركة من شكري القوتلي رئيس الجمهورية السورية آنذاك والذي حمله العديد من الناس أخطاء الوحدة بسبب قبوله بها.
إن التخطيط للوحدة يعود لقبل 22 شباط 1958 تاريخ إعلان الجمهورية العربية المتحدة على الملأ، فمنذ استيلائه على الحكم في مصر بعد أن ضرب كل منافسيه وخصومه، أراد الرئيس جمال عبد الناصر لعب دور القائد الأوحد للأمة العربية، ساعدته بذلك شخصيته الأخاذة وخطاباته الرنانة التي ألهبت الشعوب العربية وخاصة في سورية، تلك الشعوب التي كانت تعيش في ظل هزيمة 1948 مع إسرائيل، وتبحث عن نصر يعيد لهذه الأمة أمجادها القديمة، فوجدت بالرئيس جمال عبد الناصر ذلك القائد الفذ القادر على صنع مالم يستطع غيره على فعله.
في سوريا كانت الأمور تسير على مايرام بعد أن تنحى الرئيس أديب الشيشكلي عن منصبه، وجرت انتخابات ديمقراطية في العام 1955 توج من خلالها الرجل الوطني شكري القوتلي رئيساً للجمهورية السورية، كانت سورية في هذه الفترة تعيش في أوج تطورها وتقدمها العمراني والاقتصادي، مع اقتصاد زراعي وصناعي يعتبر الأول في منطقة الشرق الأوسط.
أما الشعب في سوريا فكان يتغنى بانتصارات عبد الناصر، وخاصة بعد تأميمه لقناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر، وخروج مصر من هذا العدوان بمظهر الدولة المنتصرة، وكانت السفارة المصرية في سوريا، بقيادة السفير المصري (محمود رياض) تلعب دوراً كبيراً لتلميع صورة الرئيس جمال عبد الناصر بعيون السوريين، وخاصة داخل الجيش السوري الذي أدخلته مطامع أكرم الحوراني وحزبه الاشتراكي في لعبة السياسة، فبات جيشاً متحزباً مسيساً، لايمتثل لأوامر قيادته السياسة بقدر امتثاله لأفكار ومعتقدات زعماء وأمناء الأحزاب التي ينتمي إليها.
في ظل هذا الجو، برزت فكرة (الاتحاد) مع جمهورية مصر العربية، فهذه الفكرة ستقي سوريا برأي العديد من الشخصيات العسكرية والسياسية، العيش في ظل انقلاب عسكري جديد، وستحقق آمال الشعب السوري بالوحدة العربية التي لطالما حلم بها السوريون ونادوا بها، إلا أن التخطيط لهذا الاتحاد كان فاشلاً ومتسرعاً، ومغموساً بخبث السياسيين المصريين الذين رفضوا أي شكل من أشكال التقارب السوري المصري إلا على شكل وحدة اندماجية تامة لا اتحاد فديرالي.
ففي أواخر كانون الثاني 1958، وبعد اجتماعهم بالملحق العسكري المصري عبد المحسن أبو النور، قررت مجموعة من ضباط وقيادات الجيش السوري وعلى رأسهم عفيف البزري رئيس أركان الجيش السوري التوجه إلى جمهورية مصر والاجتماع بالرئيس جمال عبد الناصر لعرض فكرة الاتحاد بين سوريا ومصر
وفي منتصف الليل تم تجهيز طائرة خاصة من المطار العسكري بدمشق، من أجل نقل الضباط إلى مصر، وهؤلاء الضباط هم:
عفيف البزرة – أمين الحافظ – مصطفى حمدون – أحمد حميدي – عبد الغني القنوت – طعمة العودة الله – أكرم ديري – ياسين فرجاني – حسين حدة – جمال الصوفي – بشير صادق – محمد النسر.

وقد ذهب هؤلاء الضباط دون إعلام القيادات السياسية في سوريا، وحتى دون اعلام وزير الدفاع خالد العظم، وبقيت هذه الرحلة سرية إلا على عدد من رؤساء الأحزاب أمثال أكرم الحوراني و صلاح البيطار.
لدى وصولهم إلى مصر اجتمع هؤلاء الضباط أولاً بالمشير عبد الحكيم عامر، وبعد ثلاثة أيام رتب لهم اجتماع مع الرئيس جمال عبد الناصر، الذي أبدى استعداده على العمل مع الضباط وذلك بعد تحقيق شروطه المتمثلة بـ:
1- أن تكون العلاقة بين سوريا ومصر هي وحدة اندماجية تامة، لا اتحاد فيدرالي كما طرحه اللواء عفيف البزري.
2- أن تحل كل الأحزاب السورية نفسها.
3- أن يضمن الضباط حياد الجيش وعدم تدخله بالسياسة.
4- أن يتم عرض الوحدة على الشعب السوري للاستفتاء عليها.

وبالطبع كان الرئيس جمال عبد الناصر من خلال السفارة المصرية في سورية، يعلم علم اليقين أن الشعب السوري هو شعب قومي، محب للوحدة العربية، وإذا ما طرحت فكرة الوحدة عليه باستفتاء شعبي، سيقبل بها مباشرة دون تردد، كما أن الرئيس عبد الناصر يعلم علم اليقين أن سورية دولة استقلت لتنعم بحريتها، وأن الأحزاب السياسية عصب هذه الحرية فكان لابد من إغلاق أفواه هذه الأحزاب السياسية من خلال طلبه أن تحل هذه الأحزاب نفسها واتهام من يرفض حل نفسه، بالرجعية ورفض الوحدة والعداء للقومية العربية، ولذلك كانت الأحزاب السياسية مجبرة أمام هذا التصعيد على أن تحل نفسها تلبية لرغبة الشعب الطامح لتحقيق وحدة عربية يترأسها الزعيم جمال عبد الناصر.
أثار سفر الضباط إلى مصر ضجة كبيرة في الأوساط السياسية، وخاصة أنهم ذهبوا ووقعوا الاتفاقية مع المسؤولين في مصر دون إعلام القيادة السياسية في سورية.
كما أثارت اتفاقية الوحدة التي اتفق عليها الضباط السوريين مع جمال عبد الناصر استياء الكثيرين ممن كانوا يعلمون علم اليقين بموضوع سفر الضباط، وذلك لأن الأمور لاتسير بهذا الشكل المتسرع والغير عقلاني، فيجب أولاً أن يكون هناك اتحاد فيدرالي فيما بين هاتين الدولتين ويفضي هذا الاتحاد إلى الوحدة، إلا أن تعنت القيادة في مصر على فكرة قيام وحدة اندماجية بين سورية ومصر، ومغالاة بعض رجال السياسة والجيش في طلبهم للوحدة الاندماجية، أجبرت الجميع على الرضوخ لها، وخاصة أمام الزخم الشعبي الذي استطاعت السفارة المصرية بدمشق أن تروج له.

أمام هذا الضغط كان أمام الرئيس القوتلي إما رفض الوحدة الاندماجية وتأجيج الموقف وإما الرضوخ لمطالب ضباط الجيش وحاكم مصر بإجراء وحدة اندماجية مع مصر وتجنيب البلاد الدماء التي ستسقط جراء تعنت القوتلي بمنصبه، فما كان من القوتلي إلا الموافقة على الوحدة مع مصر والدخول في مفاوضات من أجل صناعة دستور هذه الوحدة، على الرغم من أن القوتلي كان مصراً هو ورئيس وزرائه صبري العسلي ورئيس مجلس النواب أكرم الحوراني على أن يكون شكل الاتفاق هو اتحاد فيدرالي لا وحدة اندماجية، نظراً للاختلافات الكبيرة بين الدولتين، إلا أن الرئيس جمال عبد الناصر بقي مصراً على وحدة اندماجية بدولة واحدة وعلم واحد واقتصاد واحد.

وهذا ماتم، ففي 22 شباط 1958 تم التوقيع على اتفاقية الوحدة فيما بين الرئيسين شكري القوتلي وجمال عبد الناصر خلال توقيع هذه الاتفاقية همس الرئيس القوتلي بأذن الرئيس عبد الناصر وقال له: "عليك أن تكون حريصاً في تعاملك مع السوريين، فأنا أسلمك دولة تعدادها خمسة ملايين مواطن نصفهم يظن نفسه رؤساء وهؤلاء لامشكلة بالتعامل معهم أما المشكلة الحقيقية ستظهر بتعاملك مع النصف الثاني الذين يعتبرون أنفسهم أنبياء".

ربما لم يفهم الرئيس جمال عبد الناصر حينها ما قاله له الرئيس القوتلي بل تلقى هذه النصيحة بابتسامة خفيفة دون أن يعلق بأي كلمة، وانتهى التوقيع على ميثاق الوحدة لتبدأ مرحلة تعتبر من أخطر وأسوء المراحل التي عاشتها سوريا في تاريخها المعاصر، مرحلة الجمهورية العربية المتحدة برئاسة جمال عبد الناصر ...

المراجع:
- مذكرات أكرم الحوراني – الجزء الخامس – دار بيروت 2001.
- كتاب فجر الاستقلال في سوريا – محمد سهيل العشي – دار النفائس 2005.
- كتاب وطن وعسكر – مطيع السمان – دار بيسان.
- كتاب ماذا يجري في سوريا – المحامي نزار عرابي – دار طلاس.
- كتاب جهاد شكري القوتلي – عبد الله الخاني – دار النفائس.
- مجموعة من الوثائق والمقالات المأخوذة من صحف ومجلات سورية صادرة في تلك الحقبة والمحفوظة في إرشيف سيريانيوز .
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات