بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
يكفي السوريون فخراً انهم لم يسلموا بلادهم للغرباء كما فعل غيرهم بل قا
  17/10/2014


خمسون جمعية تأسست في ساعة وأرسلت تهديداتها للجنرال غورو ....
اخبار وصحف ايام زمان

الجنرال غورو الحاقد الذي توفي بعد أشهر من استقلال سوريا ...

من الضابط الذي أصاب ببندقيته ذراع الجنرال غورو اليمنى فقضى حياته بذراع واحدة ...
قد يكون الإنسان قائداً شجاعاً من وجهة نظر الدولة التي ينتمي إليها، ويكون عدواً سفاحاً ومجرماً قاتلاً من وجهة نظر دولةٍ أخرى.
وخير مثال على ذلك هو الجنرال الفرنسي هنري غورو، الذي يعتبر بنظر الفرنسيين بطلاً وطنياً شجاعاً، استطاع أن يقود القوات الفرنسية في الحرب العالمية الأولى ضد القوات التركية، كما استطاع إخضاع سوريا ولبنان للانتداب الفرنسي وإعلان دولة لبنان الكبير عام 1920.
هذه النظرة المقدسة لشخص الجنرال غورو، يقابلها في الجانب الآخر في كل من سوريا ولبنان نظرة أخرى، هي نظرة الدولة التي عانت شعوبها ما عانته جراء ما قام به الجنرال غورو وقواته الفرنسية خلال استعمارهم لسوريا، ومن منا لاينسى معركة ميسلون وشهيدها وزير الحربية السورية يوسف العظمة.
وبمناسبة وفاة الجنرال غورو، نشرت مجلة الاثنين والدنيا مقال عن هذا الجنرال وعن قصة طريفة حدثت معه خلال احتفال الجالية الفرنسية به في القاهرة إبان دخوله لدمشق، جاء في هذا المقال:
" نعت أنباء باريس الجنرال غورو القائد الفرنسي الشهير، الذي لمع نجمه في الحرب العالمية الأولى، والذي كان مواطنوه يسمونه "أسد الأرجوان" نسبة إلى المعركة الكبرى التي ربحها.
فقد كان على رأس الحملة الفرنسية التي اشتركت في معارك الدردنيل، خلال الحرب فأصيب بشظية قنبلة أفقدته ذراعه اليمنى، فقضى حياته بذراع واحدة.
وقيل فيما بعد أن الذي كان يقود المدفعية التركية، التي أصابت إحدى قنابلها الجنرال غورو في ذراعه، هو القائد السوري يوسف بك العظمة.
مرت الأيام وعين غورو ممثلاً لبلاده في بيروت، وتوترت العلاقات بين فرنسا وسورية حيث كان الملك فيصل قد جلس على العرش فأرسل الجنرال غورو إنذارا إلى الحكومة السورية يحوي شروطاً قاسية.
ورأى الملك فيصل، حقناً للدماء، أن يقبل شروط الإنذار فأرسل رده عليه، ولكن غورو تحجج بأن الرد وصل بعد ساعتين من الموعد الذي حدده، فقال:" لقد فات الوقت !" وأصدر أمره إلى جيشه بالزحف على دمشق.
وكانت معركة ميسلون في 24 تموز 1920، التي استشهد فيها وزير الحربية يوسف بك العظمة.
وكان غورو شديد الحقد على الملك فيصل ومما قاله عنه، بعد انهيار العرش السوري، ورواه عن لسانه الصحفي الفرنسي ألبير لوندر: " لقد ظن هذا البدوي أن فرنسا سترتجف أمامه، ونسي أننا انتصرنا على ألمانيا، وأننا أرغمنا من قبله عبد القادر الجزائري على الخضوع ..."
زار غورو القاهرة، على إثر دخوله دمشق واحتلال الفرنسيين لسورية فأقامت له المفوضية الفرنسية حفلة استقبال فخمة دعت إليها الجالية الفرنسية، ووجهت أيضاً الدعوة إلى الجالية اللبنانية والسورية عن طريق صفحات الجرائد.
وذهب بعض اللبنانيين والسوريين إلى المفوضية لتحية القائد المنتصر مندوب فرنسا في القطرين، وكان لفيف من الشباب السوريين واللبنانيين قد أنشأوا في مصر جمعية باسم "لبنان الفتى" لمناهضة السياسة الفرنسية الاستعمارية في الشرق العربي، فهالهم أن يحضر الحفل فريق من مواطنيهم بعد مابدر من الفرنسيين في سورية فدفعتهم حماستهم ونزوة شبابهم على القيام بما يشعرون به القائد الفرنسي أن في مصر قوة هائلة تتربص به، فقر رأيهم على إرسال سيل من برقيات الاحتجاج إلى الجنرال غورو في أثناء حفلة الاستقبال.
ونفذوا قرارهم، فأرسلوا في ساعة واحدة أو أقل، أربعاً وأربعين برقية تحمل كلها أسماء جمعيات وهيئات لاوجود لها، بل اخترعوا هم أسماءها للتمويه والتهويل:
جمعية لبنان الفتى، جمعية اليد السوداء، جمعية الانتقام، جمعية الاستقلال، لجنة تحرير سورية ولبنان، لجنة الدفاع عن سورية، لجنة محاربة الاستعمار إلى غير ذلك من الأسماء.
وكانت البرقيات تصل إلى المفوضية بالتتابع، فتسلم إلى الجنرال وهو جالس في مقعده أو واقف بين مدعويه، فكان يقرأها الواحدة تلو الأخرى، ويدسها في جيبه بحركة عصبية ظاهرة ويتجهم وجهه ....
ثم أسرع فجأة إلى وزير فرنسا المسيو جايار، وقال له بلهجة متهدجة متأثرة: " قلت لي بالأمس ياسعادة الوزير، إن الجالية السورية اللبنانية ستشترك في استقبالي لأنها راضية بما حدث، ولكنني لا أرى من بين الحاضرين غير أفراد معدودين، في حين أن البرقيات تتوالى بمعدل واحدة كل خمس دقائق، فإذا كان هذا هو الرضا فكيف يكون الغضب ...؟؟؟
وقد عين غورو حاكماً عسكرياً لباريس عام 1923 وظل في منصبه إلى عام 1938.
ومن مهازل الأقدار أن الجنرال غورو لم يستطع تحمل خبر استقلال سورية عن فرنسا فجماح حقده على يوسف العظمة وأبطال ميسلون لم تنته بعد على الرغم من مرضه الشديد، فتوفي في أيلول 1946بعد أشهر قليلة من تاريخ إعلان استقلال سورية عن فرنسا، ليعلم أن إرادة الشعب هي التي ستنتصر أخيراً مهما طال بها الزمن".


الاثنين والدنيا – 7-10-1946
للأسف الشديد فإن هناك عدد من الكتاب والمؤرخين السوريين يحاولون بشكل أو بآخر تشويه هذه الحقبة من التاريخ السوري، فمنهم من اعتبر معركة ميسلون عملية انتحارية لعدم توازن القوى فيها، ومنهم من اعتبر أن استقلال سوريا جاء نتيجة لتصفية حسابات الحرب العالمية الثانية، ومنهم من قال أن السوريين استقبلوا الفرنسيين بالأحضان، ولكنهم تجاهلوا أن الأمور لو كانت كما يقولون لما كان هناك أي مبرر لخروج فرنسا من سوريا، ففرنسا خرجت من سورية مرغمة على ذلك وكانت لا تزال ترغب بالبقاء فيها إلى الأبد، كما تفعل إلى أيامنا هذه ببعض مستعمراتها الإفريقية، ولابد لنا بأن نختم هذا المقال بما ذكره أحد المؤرخين الفرنسيين عن سوريا عندما قال: " يكفي السوريون فخراً انهم لم يسلموا بلادهم للغرباء كما فعل غيرهم بل قاتلوا من أجلها حتى الموت .... "

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات