بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
قيادي بعثي يكشف-:كيف واجه حافظ الأسد"القيادة"بعد سقوط الجولان؟
  25/01/2015

قيادي بعثي يكشف-:كيف واجه حافظ الأسد"القيادة"بعد سقوط الجولان؟
أورينت نت – إياد عيسى


كان "البعث". ما قبل انقلاب الأسد الأب. يغص بالشخصيات، المثيرة للجدل، والتي لا تنقصها "الكاريزما". والطموح. خصوصاَ في اللجنة العسكرية الثانية، التي أعاد تشكيلها محمد عمران في القاهرة، وضمت إليه. صلاح جديد، عثمان كنعان، عبد الكريم الجندي، أحمد المير، منير الجيرودي، حافظ الأسد.
ما يجمع معظم الرفاق "العسكرتاريا"، أنهم. تحولوا فيما بعد، إلى ضحايا وأهداف مباشرة" للرفيق" حافظ. قضى غالبيتهم، إما اغتيالاً، أو سجناَ، أو قهراً.

عبد الكريم الجندي المثير للجدل!
لم يكن العقيد البعثي "عبد الكريم الجندي"، أقل إثارة للجدل، من عمران، وجديد، والأسد. بل ربما، يفوقهم في ذلك. ليس لإقدامه على الانتحار فقط. إنما لتخوف الكثيرون حتى من رفاقه، الخوض بالحديث عنه، تجنباً "لاحراج" الدفاع عن شخصية "أمنية لا ترحم". ذهبت بعيداً في استخدام القوة، حفاظاً على سلطة سياسية لحزب آمنت به حتى الموت.
لا يتردد عضو قيادة البعث القطرية، الدكتور محمد أحمد الزعبي، في الكشف عن اعتقاده، بأن رفيقه الراحل عبد الكريم. كان الأكثر صدقاً، ونقاءً ثورياً، وتفانياً لأفكار البعث. دون أن يعني هذا بأنه يوافق على أداء الجندي (كعضو قيادة قطرية – رئيس مكتب الأمن القومي، حينذاك).

من حمى الأسد من الإقالة؟!
للجندي مع الأسد، حكاية جديرة من أن تروى. نبدأها بدور، وموقف الأول "الضحية"، في حماية الثاني "الجاني"، خلال التصويت على عزل الأخير من منصب وزير الدفاع.
يستذكر، د. الزعبي، أن قيادة الحزب. عقدت منتصف شهر حزيران، إثر هزيمة 67 اجتماعاً، في مبنى القصر الجمهوري (القديم)، لتقييم نتائج الحرب التي انتهت بخسارة سورية للجولان وسقوطه بيد الاحتلال الإسرائيلي. وكان "حافظ" يومها بأسوأ حالاته.
كانت النقاشات حادة، وعاصفة، ووصلت إلى حد التلاسن، ما بين بعض الأعضاء من جهة، وبين وزير الدفاع حافظ الأسد، ورئيس هيئة الأركان اللواء أحمد سويداني آنذاك، من جهة ثانية.
أدت المناقشات، إلى طرح تغيير قيادة الجيش، في جلسة خاصة. شارك فيها جميع أعضاء القيادة، وبرز خلالها ثلاثة اتجاهات، اثنان منها، يؤيدان استبدال القيادة، بينما دافع الاتجاه الثالث، وأحد أبرز رموزه عبد الكريم الجندي، عن بقاء قيادة الجيش، من مبدأ عدم جواز تحميل مسؤولية الهزيمة "للرفيقين الأسد – سويداني" وحدهما.
اخُتتمت الجلسة بالتصويت. الذي حُسمت نتيجته لصالح بقاء قيادة الجيش، بفارق صوت واحد.
الزعبي نفسه، كان ممن صوتوا لصالح احتفاظ الأسد بمنصبه. وتبريره، أن البدائل التي كانت مطروحة. اعتمدت مبدأ المحاصصة الطائفية المتبع ذاته "علوي بعلوي – سني بسني" عزت جديد للدفاع، ومصطفى طلاس لرئاسة الأركان. في حين أن المطلوب من وجهة نظره، يتعدى الأشخاص، إلى الغاء المُحاصصة نهائياً.

حافظ يغدر بحُماته!
لا نعرف، ما إذا أثبتت التطورات، أن عنصر "الشخص" جاء حاسماً في المعادلة هذه المرة، إذ يبدو أن سوريا بالكامل. دفعت، ولا تزال ثمناً كارثياً، لنتائج تصويت اجتماع حزيران 1967. وصولاً إلى تدميرها بالكامل على يد "الوريث".
مهّد بقاء حافظ في منصب وزير الدفاع، الطريق إلى استيلائه على السلطة، بالتآمر، وشراء الزمام لتغيير مراكز القوى، مع التركيز على مفاصلها العسكرية، وإزاحة خصومه، ومنافسيه، وكل صاحب شخصية مستقلة.
في سعيه للسلطة، لم يستثنِ، أويرحم حافظ أحداً. ولم يفرق، بين من دعوا إلى اقصائه عن وزارة الدفاع، مثل صلاح جديد. وبين من صوتوا لبقائه، وبالتالي حموه من السقوط السياسي المُبكر. وأبرزهم الدكتور نور الدين الأتاسي، يوسف زعين، عبد الكريم الجندي.

رفعت الأسد يضيق الخناق على الجندي!
المعروف، أن الجندي، كان مؤمناً بالبعث وسلطته. لذا اصطف إلى جانب "جديد" في النزاع الذي نشب مع الأسد، بشأن القضايا التي نوقشت، في المؤتمر القومي العاشر للبعث أواخر عام 1968، حيث اعترض الأسد، على اعتماد مبدأ التغيير الشامل في المسؤوليات الحزبية والحكومية، لاسيما لمن أمضى عامين، بمنصب واحد. الأمر الذي يعني مغادرة حافظ لمكتبه في وزارة الدفاع.
بلغت الأزمة ذروتها خلال شهر شباط 1969، وخمدت إلى حد كبير، بانتحار عبد الكريم الجندي في الأول من آذار، بطلقة من مسدسه، في مكتبه بالقيادة القطرية.
ما بين اندلاع الأزمة، ووقوع مأساة الجندي. تعمد حافظ الأسد المُنتشي بقوته. تضييق الخناق على الجندي، موكلاً المهمة إلى شقيقه الملازم أول رفعت الأسد، الذي حرص على ملاحقة ضحيته ليلاً نهاراً، في كل مكان. إضافة إلى اعتقال عناصره، ومصادرة السيارات التابعة له. دون أن تستطيع المؤسسة الحزبية، حماية أحد قياديها من تشبيح قيادي آخر.

الجندي يتهم الأسد بالعمالة في وصيته!
واضح، أن الجندي. أيقن بحتمية انقلاب الأسد على رفاقه. ولعل الكبرياء الشخصي. جعله يفضل الموت بالرصاص، على "التموت" قهراً، في سجن أو منفى.
ويبدو أن الرجل، أصر على تسديد السهم الأخير إلى خصمه "نيرون"، قبل رفضه الاستسلام أو الوقوع أسيراً، مستلهماً العقيدة القتالية للساموراي على ما يبدو، حين كتب في وصيته:
(إن التحرك الأخير لرفيقنا وزير الدفاع، وزمرته. يُهدد كيان الشعب، ويهدم منجزاته، وينسف أسسه. فهو "كنيرون" سيدمر القضية، ويدمر نفسه. لأنه مغرور ومرتبط مشبوه. يُنفذ بدقة مخططات الأعداء، من كل الأصناف، وبشكل خاص في الظروف الراهنة التي تهدد كيان الأمة. وبعد تصاعد العمل الفدائي، وتصميم الشعب العربي على استرداد كرامته).
كانت الوصية آخر ما تركه عبد الكريم الجندي، لكنها لم تكن آخر ما فعله.

رسالة هاتفية من الجندي للأسد!

في "مخطوط كتابه" عن تاريخ البعث، والصراع بين أجنحته المختلفة. يروي عضو القيادة القطرية مروان حبش، أن الجندي مرَ ظهر يوم السبت 1 آذار على مكتب حبش. حيث تبادلا حديثاً مقتضباً حول أزمة الحزب والحكم، ثم اتفقا على تناول الغداء معاَ، بعد خروج الجندي، من مكتب اللواء صلاح جديد.
اعتذر الجندي، الذي طال حديثه مع جديد، عن موعد الغداء، بحسب حبش. وتوجه بدلاً من ذلك إلى منزله، ليجتمع إلى زوجته، التي لحقت به منتحرة بعد أشهر.
عاد الجندي من منزله إلى مكتبه. أدار قرص "هاتفه الأخير". على الطرف الآخر. استمع رئيس شعبة المخابرات العسكرية العقيد علي ظاظا "لرغبة ما قبل الرحيل الأبدي":(بلغ الفريق حافظ بأنني سأترك له البلد) وقع الجندي رسالته برصاصة. تلقى العميد ظاظا صداها عبر سماعة الهاتف.
اختار حافظ احتواء الضربة، لاستحالة الرد عليها. لم يجد لحفظ ماء الوجه، أفضل من القيام شخصياً، وباسم قيادة الجيش، وجميع الضباط بنعي (العقيد الركن المناضل الصلب عبد الكريم الجندي).

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات