بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
تاريخ نقابة المحامين في سوريا
  26/01/2015

تاريخ نقابة المحامين في سوريا
اخبار وصحف ايام زمان


محامو سورية من منظمي أول مؤتمر للمحامين العرب ...إلى مصارعين لحساب الأنظمة في المؤتمر الثالث والعشرون منه ...
كيف امتنع المحامون بدمشق عن المرافعة احتجاجاً على مجازر حماة ... وما هو بيانهم في ذلك
لم يكن أشد المتشائمين من الحقوقيين والقانونيين ليتوقع أن تتحول نقابة المحامين العريقة في سورية من مركزٍ لتخريج المحامين المدافعين عن الحريات والعدالة والقانون، إلى مكان لتخريج قتلة متمسكين بثوب أنظمة أفضل ما يقال عنها أنها أنظمة خارجة عن القانون بعيدة عن العدالة والمساواة.
فكيف تحول معظم محامي سورية من حالٍ إلى حال ...!!!!؟؟؟
الحديث عن نقابة المحامين في سوريا، حديث طويل، حديث عريق بعراقة هذه النقابة التي تحملت معظم المسؤوليات الوطنية منذ نشأتها الأولى فخرجت العديد من السياسيين الوطنيين الذين عرفوا ألا سيادة لدولة من دون سيادة القانون فيها، فكانت أولى الخطوات باتجاه تخريج جيل حقوقي متعلم قادر على الإمساك بدفة العدالة وتطبيق القانون في العهد الفيصلي بسوريا حيث افتتح (معهد الحقوق العربي) بتاريخ 15 تشرين الثاني 1919 وتخرج منه معظم السياسيين الوطنيين ومنهم معروف الدواليبي وخالد العظم وعلي الطنطاوي وغيرهم الكثيرون ...
وانتهى العهد الفيصلي بقدوم الاستعمار الفرنسي عام 1920، والحقيقة أن الفرنسيون كانوا على إدراك أنهم قادرين على تشويه كل شيء إلا تشويه فكرة القانون والعدالة لأنها من الأساسات التي قامت عليها الثورة الفرنسية، لذلك وجدوا أنفسهم مضطرين بالموافقة على طلب وزارة العدل بدمشق على تشكيل هيئة إدارة مؤقتة يعهد إليها بتأليف نقابة للمحامين وبالفعل تأسست هذه الهيئة في العام 1921 برئاسة فارس بك الخوري وعضوية السادة عزة الأستاذ – كامل الحكيم – نقولا الشاغوري – حامد الجوخدار – رؤوف الجابي – خير الدين القضماني – جلال الدين زهدي – الياس نمور ....
وقامت هذه الهيئة بالفعل بإتمام المهمة الموكولة لها على أفضل وجه، لتتأسس أول نقابة للمحامين بدمشق في العام 1921 وانتخاب السيد فارس الخوري نقيباً لها .....
ونتيجة لذلك صدر أول قانون لنقابة المحامين بتاريخ 14 أيار 1921 ونشر في جريدة العاصمة الرسمية، وجاء بأسبابه الموجبة أنه تم تشكيل نقابة للمحاميين من أجل متابعة حسن سير العدالة على أحسن وجه، والوقوف عند أي تجاوزات قد يقوم بها المحامون بما تتنافى مع مهمة مهنة المحاماة السامية.
وقد صادفت النقابة منذ تأسيسها العديد من المشاكل والتدخلات من قبل سلطات الاحتلال الفرنسي، إلا أن هذه المشاكل كان يتم حلها بسلاح القلم والعلم، والأسلحة القانونية المتنوعة التي تتملكها دولة القانون في أي بلد ديمقراطي من الإضراب والاحتجاج والامتناع عن المرافعة في المحاكم وغيرها من الوسائل السلمية التي تدل على رقي المحامين وتربيتهم الأخلاقية التي تؤهلهم ليكونوا أحد جناحي العدالة في دولة من الدول ....
والشواهد على ذلك كثيرة جداً، أهمها المضايقات التي كان يتعرض لها محامو سوريا في قاعات المحكمة عند دفاعهم عن إحدى الشخصيات الوطنية، وكان المحامون يكتفون جراء ذلك بالاحتكام إلى المرافعات والقانون لنيل مايردون، بعيداً عن التورط بمشاجرة صبيانية قد تفقدهم قضيتهم وحقوق موكليهم، ومن أهم هذه المرافعات مرافعة المحامي الحلبي الشهير فتح الله الصقال دفاعاً عن البطل إبراهيم هنانو، وماتحمله هذا المحامي من مضايقات من جانب أزلام الادعاء الفرنسي ولكنه استطاع بحنكته أن يحصل لموكله على البراءة ويبعده عن حبال المشنقة الفرنسية ...
وعند انتخاب الرئيس شكري القوتلي رئيساً للجمهورية السورية عام 1943، كانت من أولى أولوياته دعم نقابة المحامين، لمعرفته التامة بالمهمة التي ستقع على عاتقهم عند نيل بلادهم استقلالها من المستعمر الفرنسي، ولذلك قام الرئيس شكري القوتلي بالتنسيق مع نقابة المحامين بسوريا من أجل تنظيم أول مؤتمر للمحامين على مستوى الوطن العربي، وبالفعل انعقد في دمشق أول مؤتمر للمحامين العرب في آب 1944، برعاية شخصية من الرئيس القوتلي وحضور عدد كبير من الرؤساء والمسؤولين العرب ومنهم رئيس لبنان بشارة الخوري ورئيس الوزراء اللبناني رياض الصلح وعدد من الشخصيات السياسية العربية الأخرى، وجميعهم أفادوا بحسن تنظيم هذا المؤتمر، ورقي وحضارة المحامين السوريين في التعاطي مع الوفود واللجان الأخرى ...
ولم تكتف نقابة المحامين بسوريا بإنشاء وتنظيم أول مؤتمر للمحامين العرب، بل قامت بتنظيم المؤتمر الثالث للمحامين العرب في أيلول 1957 عندما عجزت معظم الدول العربية عن تنظميه على أراضيها ....

كان لنقابة المحامين على مدى تاريخها منذ التأسيس وحتى قيام انقلاب 1970 في سوريا، دوراً ريادياً بناءاً، وشخصية مستقلة عن شخصية الأنظمة التي تقود البلاد، ومن هنا كان يشعر المواطن بأن هناك سنداً حقيقياً له من رجال القانون، إذا ما ظلم على يد مسؤول من المسؤولين ....

وخير دليل على ذلك الموقف المشرف الذي اتخذته نقابة المحامين بدمشق، عندما وقفت بوجه العدوان الوحشي على أهالي حماة من قبل جماعة مجلس قيادة ثورة الثامن من آذار، وإصدار الأحكام الجائرة والأوامر العرفية جراء إضراب تجار دمشق تضامناً مع أهالي حماة، واحتجاجاً على الأمر العرفي الذي أصدره المجلس الأعلى لقيادة الثورة بقيادة اللواء أمين الحافظ بتاريخ 30/4/1964 والذي دفع به الجيش السوري للنزول إلى المحال التجارية ونهب كل محل تجاري مغلق دون سبب، الأمر الذي دفع المحامون إلى الامتناع عن المرافعة في المحاكم، احتجاجاً على هذا الخرق القانوني الخطير، وإذاعة البيان التالي:
"
إن المحامين الذين حملوا في مختلف العهود عبء الدفاع عن حقوق الشعب وحرياته الأساسية، يرون لزاما عليهم في هذا الظرف العصيب الذي تمر به البلاد ان يعلنوا:
إن هذا الشعب في مختلف العهود أثبت انه لا يمكن ان يحكم إلا بالأسلوب الديمقراطي الصحيح الحكم فيه فعلاً من الشعب.
وان المجلس الوطني لقيادة الثورة كان قد أعلن في الثامن من اذار 1963 حين أكد في سلسلة من بياناته، ومنها بلاغه المنشور في الصفحة 34 من كتاب التوجيه المعنوي أنه إنما جاء ليعيد حكم الشعب للشعب وبالشعب إيمانا منه ومن كل مواطن في هذا البلد أن كل حكم خارج عن هذا البلد مصيره الزوال.

ولقد مرت بالبلاد منذ ذلك الحين مآس كثيرة ودخلت في تجارب عديدة باعدت بين الشعب والحاكمين.
وإذا كنا لا نريد أن نسهب في تعداد صور تباعد وأسباب المآسي الكثيرة، فإن في الاحداث الاخيرة التي وقعت في بعض المدن السورية كحماه. وما أعقبها من إعلان للإضراب الشامل تعبيرا عن استياء الشعب لدليلاً واضحا على فقدان الثقة بين الحكم والشعب، وانعدام التجاوب بينهما، خصوصا وأن المبادئ الاساسية لحقوق الإنسان كما أقرتها الشرعة الدولية قد انتهكت وهدرت بشكل مفضوح فاعتقل عدد من المحامين ورجال القانون الى جانب مئات المواطنين، وعذبوا وأهينوا بصورة هدرت فيها كرامة الانسان وعلى وجه ادى الى عزل الحكم عن الشعب وإلى تعريض امن البلاد الداخلي والخارجي الى الاخطار.
لذلك فإن المحامين يطالبون :
1- بإطلاق الحريات العامة.
2- إلغاء حالة الطوارئ.
3- إعادة الحياة الديمقراطية للبلاد فورا دون ابطاء وتشكيل حكومة انتقالية محايدة تشرف على انتخابات حرة نزيهة.
ولا يسع المحامون، وهم يقدمون هذا البيان إلا أن يعلنوا وقوفهم الى جانب الشعب في إضرابه الشامل الذي أعلنه مؤخراً حتى تجاب مطالب الشعب ".
هكذا كانت أخلاق المحامون، منذ تأسيس أول نقابة لهم، وحتى بداية أول انقلاب عسكري بعثي عام 1963، حيث بدأ الحد من صلاحيتهم، وإطباق أفواههم إما بالإعتقال، وإما بالإغتيال، وتجلى عهد الانحدار في نقابة المحامين السورية بأبهى حلله بعد قيام انقلاب عام 1970 وتسلم الرئيس حافظ الأسد البلاد بشكل رسمي عام 1971، حيث اعتبرت نقابة المحامين جزء من نقابات الدولة البعثية، وتحول انتخاباتها من أكثر الانتخابات ديمقراطية، إلى أكبر تمثيلية سيئة السمعة، قائمة الجبهة الوطني التقدمية بقيادة حزب البعث فيها ناجحة سلفاً، مادفع العديد من المحامين المتملقين إلى إعلان ولائهم للأنظمة وليس للقانون، للوصول إلى المناصب الرفيعة في هذه النقابة، ومع آخر انتخابات لنقابة المحامين التي جرت في العام 2014 وعلى الرغم من صدور قانون الأحزاب، وحذف مادة حزب البعث الحزب القائد من الدستور، إلا أننا لازلنا نجد قوائم حزبية مطبوعة لحزب البعث وزبانيته من باقي الأحزاب، لإرغام المحامين الذين عانوا ما عانوه من اعتقالات وشطب من المهنة في هذه الفترة على انتخاب تلك القائمة الحزبية ووضعها مرغمين في صناديق الاقتراع.
ولعل ماحدث في مؤتمر المحامين العرب الثالث والعشرون المنعقد في القاهرة خلال الأسبوع الماضي، من اعتداء المحامين السوريين بالضرب على زملائهم اللبنانيين لخير دليل على التربية الأخلاقية التي تخرج منها هؤلاء المحامون في زمن حكم دولة البعث.
وبقي أن نشير إلى أن نقابة المحامين في سوريا وبمختلف فروعها، لم تقم حتى بأي دور خلال هذه الأزمة العصيبة التي تمر بها البلاد، بل كان دورها مقتصراً على لعب دور ضابط الأمن بمراقبة تحركات المحامين ومعاقبة أي محامي خولت له نفسه بأن يقول كلمة حق في هذه الأزمة، وذلك إما من خلال شطبهم من جدول المحامين، أو من خلال تسليمهم باليد لأفرع الأمن المختلفة، لتحقق الأنظمة الدكتاتورية في زماننا هذا غايتها، بتخريب سير العدالة من خلال تخريب الجهة الأهم فيها .... ألا وهي نقابة المحامين.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات