بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
هل يمكن العيش من دون تاريخ ؟
  02/05/2015

هل يمكن العيش من دون تاريخ ؟
اخبار وصحف ايام زمان


الدكتور عبد السلام العجيلي : من يريد أن يريح ويستريح فليرمي بكتب التاريخ إلى البحر ...
ما من أمةٍ تتغنى بتاريخها كما تفعل الأمة العربية، لقد اعتاد العرب بمعظمهم أن يستندوا على بطولات التاريخ ويتغنوا بها، ويتجاهلون أن حاضرهم بات أسوء حاضر قد تعانيه أمة في العالم على مر العصور .....
فهل التاريخ يشكل حجر عثرة بحق النهوض والتطور ؟؟؟
أم أنه يشكل حجة ودافع للأمم للنهوض اعتمادا على قراءة التاريخ قراءة صحيحة غير مغلوطة، بلا أي مبالغة، فنستفيد من ماض مجيد لنصنع حاضر أفضل ؟؟؟
كتب الأستاذ عبد السلام العجيلي مقالاً جميلاً عن التاريخ حمل عنوان (التاريخ ... ذلك الفضولي المزعج) ... والدكتور عبد السلام العجيلي هو طبيب وأديب وسياسي سوري من مواليد مدينة الرقة السورية درس في حلب ودمشق، وأصبح نائبا في البرلمان عن مدينة الرقة.
أثاره الحال التي وصل لها العرب بالتغني بأمجاد الماضي، دون الالتفات إلى صناعة حاضرهم، فكانوا كمن يحارب بسيف قديم أصابه الصدئ يحمله فارسٌ مكفن في قبره منذ مئات الأعوام ….
جاء في المقال التي كتبها المرحوم عبد السلام العجيلي بمجلة الأسبوع العربي عام ١٩٦٢ مايلي:

“ كنا نتحدث عن المناهج الدراسية واختلافها بين بلد وآخر، فقلت لصاحبي:
في فرنسا وفي نهاية العام الدراسي الفائت نال فتى عمره ثلاثة عشر عاماً وبضعة شهور شهادة البكالوريا بتفوق، لم يتابع هذا الفتى، دروسه في مدرسة عادية بل تلقاها في البيت، على يدي أمه، وتقول هذه الأم أن طفلها لا يتميز عن غيره من أقرانه الأطفال بمواهب عقلية خارقة، وإن ذكاءه لايتجاوز الحد المألوف.
ولكن أم هذا الطفل كانت تعمل مدرسة للفلسفة اتبعت في تدريس ابنها أسلوباً خاصاً، فقد حذفت كل فضول العلم وزيادات الدروس التي لا تدخل في صميم حاجته إلى المعرفة.
وبهذا وبدون جهد خارق أو دراسة فوق العادة، استطاعت أن تضمن لابنها نجاحاً متفوقاً في البكالوريا في هذا السن المبكر.
ولقد لفت نظري بأنها ألغت أول ما ألغت دروس التاريخ، فإن ذلك الصبي لم يتلق درساً واحداً في هذا العلم ولم يحل ذلك دون نجاحه الباهر.

حدثت صاحبي بكل هذا فهتف قائلاً:
ما أجمل هذا، إذا من الممكن أن نلقي التاريخ من دروسنا ومعارفنا، ومن ثقافتنا العامة دون أن يقف ذلك حجر عثرة في طريق النجاح، بل إنه بالعكس كما يتبين مما رويته لي، يبدو أن هذا الالغاء يخفف العبء عن مداركنا، فندرك النجاح بسرعة.
قبل أربعة أعوام أو خمسة من الموعد الذي ألفنا فيه أن نصل إلى غايتنا، إذا كانت هذه الغاية البكالوريا مثلاً.
وسكت صاحبي قليلاً ثم أضاف:
تلك فكرة رائعة. فماذا لو ناقشناها وبحثنا عن ميزان الخسارة والكسب في تعلم التاريخ أو تجاهله؟
ماذا نكسب؟
قلت: أنا لا أشك في أن أول مكاسبنا من إلغاء التاريخ من تعليمنا وثقافتنا هي المكاسب المكانية، تصور مثلاً عدد الرفوف التي تخلو من كل مكتبة من المكاتب العامة وفي مخازن بيع الكتب إذا ألقينا في المحرقة، أو في البحر كل ما كتبه المؤرخون وكل سير القادة والأبطال، وكل كتب المذكرات وكل مجلدات الأرشيف …
قال صاحبي: والقصص والروايات، أليست في حقيقتها تاريخاً لعوالم وهمية، وأنها تحتل مئات الألوف من الرفوف بغير حق؟
قال صاحبي:
أتدري أننا لو فعلنا كل هذا، أعني لو أننا ألقينا في البحر وفي المحرقة كل كتب التاريخ، والقصص والروايات وبالمؤرخين وبالأساتذة، فإن ذلك يجعلنا أكثر انسجاماً في ثقافتنا مع سير الفكر الانساني في تاريخه العصري، إن فكر اليوم يتطلع إلى المستقبل ليبني وليس لديه الوقت ليدير رأسه إلى الوراء ليتأمل ويتذكر ويجتر.
وهكذا مضينا، أنا وصاحبي نعدد المكاسب التي تجنى من اسقاط التاريخ من ثقافة الناس ومن حياتهم.
وقد اتفقنا على أن أخلاق المجتمع جديرة بأن تربح من هذا الاسقاط.
وضربنا لذلك مثلاً ظاهرة التقلب في الآراء والتذبذب بين الأحزاب والهتاف للزعماء في يوم ثم رجم هؤلاء الزعماء أنفسهم بالحجارة في اليوم التالي.
فإن هذه الظاهرة أصبحت خصلة بشرية مألوفة لكثرة اتصاف الناس بها مسوقين الروح النفعية وبدافع المصلحة الشخصية.
وكان يمكن لهذه الخصلة أن تكون أمراً طبيعياً لا انتقاد عليه لولا أن التاريخ، الذي يسجل المفارقات والتناقضات في سلوك الأفراد والجماعات، ينعت باللاأخلاقية ظواهر التقلب والتذبذب.
فلنلغ التاريخ ولنلغ منه هذه النقمة والتذبذبات والعقد ، وليتذبذب الناس كما يشاؤون، يعتنقون رأياً ثم يسفهونه غداً، يعبدون موسوليني بالأمس ثم يشنقونه من قدميه اليوم، يرفعون لستالين أضخم التماثيل ثم يحطمونها ليرفعون تماثيل الحرية التي خنقها الطاغية يوماً ….
ليفعل ما يشاؤون فليس ثمة تاريخ يسجل أو يثير النقاش أو التساؤل …
وتابعت أقول لصاحبي: لولا التاريخ لاستقر لدى المعتدي ما اغتصبه. ألست معي في ذلك.
فأجاب صاحبي:
نعم، لولا التاريخ لانتفت الحروب، أعني لنسي المظلومون حقهم …
لنسوا أرضهم المغتصبة ونسوا معها شرفهم ومثلهم العليا، ولقرت عيونهم بأنهم يعيشون في أمن ودعة.
وسكت صاحبي سكوت المفكر،
فقلت له ضاحكاً:
أراهن على أنك أخذت تتراجع عن تقديرك للمكاسب التي ستحصل عليها البشرية فيما إذا اسقطت التاريخ من مناهج دراسة أجيالها المقبلة.
قال: إن إسقاط التاريخ من ثقافة البشر يريحهم، ولكن راحة الموت.
الآن فطنت إلى السبب الذي من أجله تحاول بعض الفئات أن تطمس تاريخ شعبها أو تتنكر له، أو تنتقص من جهود أسلافها.
ولماذا تزور التاريخ أو تدير رؤوس الجماعات عن ماضيها بحجة أن الماضي لاقيمة له.
إن التخلص من التاريخ يعني التخلص من المسؤولية، من أعبائها ومشاقها. كما يعني تخلص المرء من مقارنته بأسلافه، فيتبع خطى المحسنين ويجتنب خطى المتعثرين.
فياله من فضولي مزعج هذا التاريخ.
ولكني مع ذلك لن أكون في صف صاحبتك مدرسة التاريخ، اني أفضل لابني أن يتعلم التاريخ وأن يتأخر خمسة أعوام لينال البكالوريا.
صحيح أن الحيوانات التي لاتعرف التاريخ تعيش في ودعة وراحة بال، ولكني لا أريد لابني أن يعي مثلها … أني اربد لابني أن يكون انساناً “

مجلة الأسبوع العربي 1962

بعد هذا المقال الذي أبحر به الدكتور العجيلي بمحاسن التاريخ ومناقبه، ليس لنا إلا أن نقول بأن التاريخ هو الهوية الحقيقية للإنسان، ومخطئٌ من يعتقد أنه إذا ما رمى بالتاريخ من خلف ظهره عاش مرتاحاً متطوراً ... فالحضارة التي يعيشها اليوم هي عبارة عن تراكم تجارب تاريخية تفادى الانسان أخطاءها وطور حسناتها حتى وصل إلى هذا العلم والتقدم الذي نحن عليه اليوم ...
والعرب للأسف لم يستفيدوا من التاريخ ولم يفيدوه، فهم قرأوا كتب التاريخ بالمقلوب، وحملوا تاريخهم أكثر من طاقته، حتى ملهم التاريخ ولعنهم، وإذا بقي العرب بفهمهم الخاطئ هذا للتاريخ، سنجد أن صفحات التاريخ العربي في المستقبل ستحذف من معجم الحضارة العالمية ....
فليكون للتاريخ بالنسبة لنا عبرة وموعظة نستفيد من أخطاءه ونطور إيجابياته، ولنترك الغناء لأهله يتغنوا بما يريدون، فالتاريخ لايريد منا أن نتغنى به بقدر ما يريد منا أن نستفيد منه.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات