بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
السوريون يتوجون ثورتهم بالميثاق الوطني ..
  12/05/2015

السوريون يتوجون ثورتهم بالميثاق الوطني ...
اخبار وصحف ايام زمان

المصالحة بين الجيش والسياسيين تعلن من نادي ضباط حامية دمشق
عهد الولاية الناصرية على مقدرات الشعب السوري قد ولى ... وجاء عهد الحرية
القوتلي يعزف عن الترشح للرئاسة ويقول: سأكتب مذكراتي وأموت ....

 


بعد ثلاثِ سنواتٍ عجاف من الدكتاتورية العسكرية الأمنية التي مرت على سوريا خلال عهد الجمهورية العربية المتحدة، التي ترأسها الرئيس جمال عبد الناصر، عادت فكرة الانقلاب لتراود ضباط الجيش السوري، بعد أن تم تهميشهم من قبل قيادات العهد الوحدوي الجديد.
والحقيقة أن فكرة الانقلاب على الجمهورية العربية المتحدة كانت مؤيدة وبشكل كبير من أبناء الشعب السوري، الذي وجد نفسه تائهاً في نهم المصريين حكومة وجيشاً الطامعين بمقدرات وثروات سورية، ووجد اقتصاده يتراجع من اقتصاد عالمي إلى اقتصاد وطني ضيق لا يلبي متطلبات سكانه.
وفي 28 أيلول 1961 أعلن عدد من الضباط عن قيامهم بثورة ضد الدكتاتورية المصرية متمثلة بالرئيس جمال عبد الناصر وإعلان انفصال سورية عن الجمهورية العربية المتحدة، وقيام مجلس عسكري يدير دفة البلاد ريثما يتم تشكيل حكومة مدنية تجهز لانتخابات نيابية ورئاسية.
أيد الكثيرون هذا الانقلاب وعلى رأسهم رئيس الجمهورية السابق شكري القوتلي، والسياسي المعروف فارس الخوري، وغيرهم من السياسيين الذين خدعوا بظاهر الوحدة وبعدها القومي وفوجئوا بمضمونها وحقيقتها وتحولها إلى سيف مسلط على رقاب السوريين وأرزاقهم، وخاصة أن زمن الوحدة هذا لاقى هدوءاً كبيراً على الحدود مع العدو الإسرائيلي لم يشهد له مثيلاً في الأزمنة السابقة.
وبتاريخ 29 أيلول 1961 صدر البلاغ رقم 17 عن المجلس العسكري بتعيين مأمون الكزبري رئيساً لأول حكومة بعد الانفصال، انيطت بها مهمة التمهيد لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية يعود من خلالها الحكم المدني لبلد عانت الأمرين من تسلط الجيش والاستخبارات عليه.
عملية التحول من نظام لنظام، ليست بالمهمة اليسيرة بعد أن أصبح هناك فساد إداري كبير لحق بسوريا جراء وحدتها مع مصر، فلقد تهجن الكثير من السوريين ليصبحوا على نمط أشقائهم المصريين، فتفشى الفساد والخوف والمحاباة الأمر الذي لم يكن معروفاً سابقاً لدى السوريين طيلة فترة حكمهم بعد الاستقلال عن فرنسا.
وكان على الحكومة الجديدة أن تراعي كل ذلك، وتعمل على إعادة الحياة المدنية الديمقراطية إلى ما كانت عليه سابقاً.
في البداية تم اجتماع عدد كبير من النخب السياسية في 2/10/1961 في منزل الوزير السابق أحمد الشراباتي، واتفقوا على المضي قدماً باتجاه الانتخابات وفتح باب المدنية والديمقراطية على مصراعيه، حتى تعود سوريا لسابق أوجها وعصرها.
قررت حكومة الكزبري اجراء انتخابات نيابية واستفتاء على دستور جديد للجمهورية العربية السورية على أن يكون ذلك في الأول من كانون الأول 1961، ويتم الترشح للانتخابات اعتباراً من تاريخ 15/11/1961 ولغاية 21/11/1961.
وتتحدث مجلة الأسبوع العربي عن هذه المرحلة الهامة من تاريخ سوريا بما يلي:
" على الرغم من التأييد الذي لاقته الحركة الثورية وشعاراتها من قبل الشعب والعاملين في الحقل السياسي، فقد كان لابد من أن يدخل التأييد في مرحلة جديدة، تجلت بقيام تجمع وطني مستند إلى ميثاق وطني وهو الميثاق الذي أعلن عنه بتاريخ 10 تشرين الثاني 1961.
تم توقيع الميثاق الوطني من قبل 61 شخصاً يمثلون مختلف الأحزاب السياسية العاملة في سورية، من الحزب الوطني والحزب الشيوعي وحزب الاخوان المسلمين وحزب الشعب وحزب البعث الاشتراكي وغيرها من الأحزاب السياسية.
تعود أهمية هذا الميثاق إلى الاتفاق على إلغاء المهاترات بين المتنافسين، وتوطيد روح التنافس الشريف بين المنتخبين والابتعاد عن الدسائس والشتائم، وتوطيد العلاقات مع الجيش السوري.
وفي نادي ضباط حامية دمشق كان هناك لقاء صريح بين السياسيين والعسكريين، فقد دخل رجال السياسة وعددهم يزيد عن الستين على شكل حلقات حلقات، وكانت تلك الحلقة تدل على روح التعاون وإسدال الستائر على الماضي بكل مآسيه.

ولقد عبر عن هذا الجو أصدق تعبير الأستاذ جلال السيد عندما قال:
هذا عهد المصالحة الوطنية، فمن أسأت إليه أرجو أن يسامحني، ومن أساء إلي سامحه الله.
وطالت ساعات النقاش بين السياسيين والعسكريين، وخاصة أن رجال السياسة أمضوا طيلة الوقت الماضي في عزلة مؤلمة.

وانتهى الاجتماع إلى ضرورة عدم تدخل رجال الجيش بالسياسة، وعدم تدخل رجال السياسة بالجيش.
وعرف السياسيون أثر المناقشات التي اشترك فيها قادة الجيش ورجال الحكومة، أنه ليس للجيش مرشحون، وأعضاء الحكومة أو بعضهم سيخوضون الانتخابات بصفتهم الشخصية بعد أن يقدموا استقالتهم من مناصبهم، وأكدوا على موضوع حرية الصحافة وإعطاء الضمانات الكفيلة بحرية الصحافة..
وبعد أن فرغ رجال العهد من الميثاق الوطني بدأت طلائع المعركة الانتخابية على الصعيدين الرسمي والشعبي، فعلى الصعيد الرسمي أصدرت الحكومة مرسوماً يقضي بانتخاب ممثلي الشعب في المجلس التأسيسي والاستفتاء على الدستور المؤقت في يوم 1 كانون الأول 1961.
وعلى الصعيد الشعبي سافر رجال السياسة إلى مناطقهم ليمارسوا نشاطهم، وفي دمشق الاجتماعات بين كبار المرشحين لاختصار العدد ما امكن وللابقاء على الأقوياء شعبياً بالمعركة، وكل الدلائل تشير إلى أن دمشق ستشهد معركة يتنافس بها عدد لابأس به من المرشحين، وقد عرف أن أول قائمة سستتألف في غضون الأسبوع القادم وسيشترك فيها صبري العسلي ومأمون الكزبري.
ويمضي السيد شكري القوتلي أيامه في منزله، وقد أعلن أنه عازف عن السياسة عزوفاً نهائياً وانه سينصرف إلى كتابة مذكراته، وان جميع ماقيل عن عودته إلى مسرح السياسة لا أساس له من الصحة ".
الأسبوع العربي العدد 128 – تشرين الثاني 1961
على أثر هذه الانتخابات، تم انتخاب الرئيس ناظم القدسي رئيساً للجمهورية، ومعروف الدواليبي رئيساً للحكومة، وعلى الرغم من أن الاستقرار السياسي لم يكتمل للدرجة التي كان عليها قبل عهد الوحدة مع مصر بسبب التدخلات المستمرة لجمال عبد الناصر بالأوضاع الداخلية السورية، إلا ان السوريين استطاعوا من خلال انتخاباتهم أن يثبتوا للجميع أنهم قادرين على المضي قدماً في سبيل التطور والنجاح، وأنهم اسياد من استطاعوا قيادة دفة السلطة في أصعب الأوقات السياسية، أوقات الانتقال من سلطة دكتاتورية استبدادية إلى سلطة مدنية ديمقراطية.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات