بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
48 عاماً على (النكسة).. هكذا باع حافظ الأسد الجولان
  07/06/2015

48 عاماً على (النكسة).. هكذا باع حافظ الأسد الجولان

عماد كركص

فيما سماها العرب "نكسة"، والتي انتهت حربها ذات الأيام الست بهذه التسمية، كان يومها الثاني ( 6 حزيران) يشهد دخول الحرب إلى سوريا بمواجهة برية بعد مصر التي بدأت الحرب في 5 حزيران.
ستة أيام من الحرب، انقلب التحرير الذي كان يُأُمِّلُ به القادة شعوبهم ، احتلالا إضافياً، ودخلت اسرائيل التي لم يكن يمضى على تأسيها سوى 20 عاماً ، إلى الضفة الغربية وقطاع غزة في فلسطين وشبه جزيرة سيناء في مصر وهضبة الجولان في سوريا.
وربما يكون لسقوط الأخيرة بيد الإسرائيليين قصة من المتاجرة لفها الغموض، الذي سرعان ما انكشف بعد وصول القائد الذي كان سبب في سقوطها لسدة الحكم في سوريا، بدل أن يُرمى في مزابل التاريخ منذ ذلك الوقت.
منذ اليوم الأول للحرب كانت نوايا حافظ الأسد (وزير الدفاع وقائد سلاح الجو السوري) والذي قاد المعركة بالنسبة لسوريا التي دخلت الحرب بصحبة الأردن ومصر من جهة ، في مواجهة إسرائيل من جهة أخرى، واضحة بالإقدام على فعل شائن، لم يكن يُتوقع أن ذلك الفعل سيكون تسليم الجولان، وإن كان ما سبقه من مقدمات تشير إلا أن حافظ كان وبالاً على الحلف الثلاثي لا معيناً له.
ففي الساعة التاسعة من صباح ( 5 حزيران) أي اليوم الأول للحرب، طلب الملك حسين من القيادة السورية أن يقوموا بهجوم جوي مشترك (سوري عراقي أردني ) على مطارات العدو، عندما كانت جميع طائراته منشغلة بتدمير السلاح الجوي المصري، ولكن القيادة السورية وسلاح جوها ( الذي يقوده حافظ الأسد بحكم أنه وزير دفاع وقائد سلاح الجو آنذاك ) كانت تقول : لقد فوجئت بالحرب!، وأن مطاراتهم في يوم تدريب عادي!؟ ،وريثما يوقف البرنامج التدريبي، وتجهز المطارات للهجوم تحتاج إلى ساعة . ثم قبل العاشرة طلبت تمديد المهلة إلى نصف ساعة أخرى، ثم نصف ساعة أخرى أيضاً وكل ذلك بحسب (الملك حسين) في كتابه (حربنا مع إسرائيل). و يقول الملك أيضا: في الحادية عشرة يئسنا من السوريين وقمنا بالهجوم وحدنا بإمكاناتنا المتواضعة، إلا أن الطيران الصهيوني في الحادية عشرة أنهى معركته بعد تدمير السلاح الجوي المصري، وكانت أول غارة يقوم بها الطيران السوري في الثانية عشرة ظهراً على مصفاة حيفا . وبنفس الوقت تقريباً كانت الطائرات الصهيونية تدمر مدرج مطار المزة في دمشق. وفي نهاية اليوم الأول كانت مدارج المطارات السورية مدمرة كلها.
كان الملك حسين حينها متحمساً لكسر شوكة إسرائيل في حرب كبيرة و" قابض القصة جد " كما وصف أحد المؤرخين موقفه وتصرفاته خلال الحرب، ولعل ذلك الموقف الذي كان مستغرباً على الملك، يخفي بداخله ما يلي: إما أن نكسر إسرائيل في حرب واحدة وندير المنطقة كما يحلو لنا، وإما أن نطبع معها وننهي الصراع الكلامي والورقي الذي لا يسمن ولا يغني. ولعل الأسد بخذلانه وتواطئه أجبره على اتخاذ الخيار الثاني ، فيما بعد .
العلويون على الجبهة
أبقى حافظ الأسد الحالم في ذلك الوقت باعتلاء رأس النظام على الوحدات القوية الفعالة لحماية أركان النظام في دمشق، وجمع لواءين من الاحتياط على عجل، وطلب من الألوية المدافعة على الخط الأول الانسحاب ، في الوقت الذي زج فيه بألوية الاحتياط المهاجمة، لكن تلك المواجهة تحولت إلى هروب، لأن معظم الضباط الأكفاء سرحوا من الجيش واستبدلوا بضباط احتياط علويين (معلمي مدارس) لا خبرة لهم في القتال، واختلط الحابل بالنابل ، قوات منسحبة وأخرى تدخل مكانها ، في حين انشغلت كثير من آليات الجيش بترحيل أسر العسكريين العلويين من القنيطرة والجولان ومن ثم العسكريين العلويين أنفسهم ، الذين لاذوا كلهم للهرب .
وكان الأسد وبعد ( انقلاب 23 شباط 1966) قد هم بتفريغ الجيش من الضباط السنة الأكفاء، وكان آخر فوج من المسرحين في الشهر الخامس من عام 1967 – أي قبل شهر واحد من الحرب !!- وبلغ مجموع المسرحين أكثر من ألفي ضابط ، وهذا العدد كاف لشل قدرات أكبر جيش في العالم، فما بالك الجيش السوري، الذي أنهكه البعث وضباطه في حروب الانقلابات، والسيطرة على الحكم في ذلك الوقت.
وفي شهادة ضابط لبناني كان يؤدي خدمته خلال الحرب في مرصد مشترك مع السوريين قال : في الساعة العاشرة من صباح اليوم الخامس ، تحرك لواء مدرع اسرائيلي بعد التمهيد من الطيران والمدفعية بدأ بالتحرك ومعه جرافات بالجنازير وبرج لحماية السدنة إلى (تل قاضي) المنطقة الأقل تحصيناً، لأنه لا يخطر في بال سوري أو لبناني أو عربي دخول القوات منها لوعورتها وارتفاعها الحاد ، وكان المفروض أن يتصل الضابط ( العلوي ) السوري بقيادته ليعين لها زوايا وجود اللواء المدرع الصهيوني بواسطة المنظار المكبر، لكن سرعان ما تبين أن ذلك الضابط لا يجيد استعمال هذا المنظار !!. لقد كان من أشد المتحمسين للنظام ، ولكنه كان معلم مدرسة لم تمض عليه في الخدمة أكثر من ستة شهور في الجيش. وعندما وصلت الدبابات الإسرائيلية سفح ( تل قاضي ) منهكة وفي منتهى الإرهاق ، توقعت أن يخرج لها اللواء السوري المدرع الموجود بالقرب منها في تحصيناته - التي لم يؤثر عليها التمهيد المدفعي ولا الطيران- توقعت أن يقوم بهجوم معاكس عليها كما تعلمنا في الكلية العسكرية ، وفعلاً رأينا الدبابات السورية تخرج من مخابئها ، وبدأت أرقص فرحاً وحمية، ولكن المفاجأة أذهلتني ، عندما رأيت الدبابات السورية تخرج من تحصيناتها لتتجه نحو القنيطرة هاربة، لا لتقوم بهجوم معاكس . .
ويضيف: شاء الله أن تتعطل إحدى الدبابات في آخر الرتل ، فاضطر قائدها للقتال ، ووجه مدفعه نحو العدو وبدأ بالاشتباك، فدمر ست دبابات ، وأوقف الهجوم الإسرائيلي حتى وصل الطيران الصهيوني فدمر هذه الدبابة بصاروخ ( جو - أرض) .
وتابع الضابط اللبناني : إن كثيراً من الضباط السوريين من رتبة ملازم إلى رتبة نقيب، يتمتعون بمزايا حزبية عالية ، ولكنهم لا يتمتعون بمزايا عسكرية مماثلة !!. كونهم استقدموا من جبال الساحل بعد وصول ابن طائفتهم لوزارة الدفاع ليكون أعمدة نظامه، لا ليدافعوا عن وطنهم في حربٍ لم تكن في حسبانهم .
البلاغ رقم 66 – سقوط الجولان قبل سقوطه
في صباح اليوم الأخير من الحرب ( 10 حزيران ) بثت إذاعة دمشق البيان ( رقم 66 ) الشهير ، بسقوط الجولان في قبضة إسرائيل ، وكان حينها عبد الرحمن الأكتع وزير الصحة في ذلك الوقت يقوم بجولة ميدانية جنوب القنيطرة ، حيث يقول : " سمعت نبأ سقوط القنيطرة يذاع من الراديو، وعرفت أنه غير صحيح لأننا جنوب القنيطرة ولم نر جيش العدو ، فاتصلت هاتفياُ بحافظ الأسد وزير الدفاع وقلت له : المعلومات التي وصلتكم غير دقيقة ، نحن جنوب القنيطرة ولم نر جيش العدو ، فشتمني بأقذع الألفاظ ومما قاله لي : لا تتدخل في عمل غيرك يا ... ، فعرفت أن في الأمر شيئاً !!؟ " .
ذلك الشيء الذي عرفه الوزير ( عبد الرحمن الأكتع )، والذي لم يكن واضح المعالم حينها، تفسر بالنسبة للوزير وغيره الكثير من السوريين والعرب، بعد ثلاث سنوات فقط من سقوط الجولان وغيره في تلك الحرب، حين قبض البائع للجولان ثمنه ( رئاسة ) سوريا لثلاثين عاماً، مع اعطائه صلاحية التوريث لابنه السائر على نهج أبيه .
48 عام عاماً مرت على تلك النكسة، وعلى فقدان السوريين لجزء غالٍ من أرضهم، بالإضافة للأجزاء الأخرى التي احتلت من أرض العرب في فلسطين والأردن ومصر، والتي قبض ثمنها " بائع الجولان " حكماً أراده أبدياً ؛ ولأن الأبد في حياة الناس له انقضاء، مات "البائع " وجاء المتاجر بقضايا فلسطين ولبنان وغيرها ليسير على نهج أبيه بذات العقلية القمعية والانتهازية التي لا تعرف طريقاً للتعاطي مع السياسية إلا ذلك المار من تحت الطاولات ، لكن الشعب الذي كان يخزن هزائمه في ذاكرة للنسيان ، ويفر إلى ماضيه – ما قبل الأسد - ليتعزى به، نظراً للقبضة التي طوقت عنقه طيلة 48 عاماً، استطاع أن يقطع اليد التي كمت فمه طوال تلك السنوات، ليقول : " الشعب يريد اسقاط النظام " . نظامٌ ، باع أبوه ومؤسسه جولاناً دون أن يبكي عليه، ويستعد ابنه ليبيع سوريا بكاملها من أجل البقاء على رأس النظام، ولو على رقعة جغرافية لا تتعدى الخمسة أمتار . وهذا ما لن يسمح به السوريون .

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات