بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
القضاء بين زمن الجرأة وزمن الخوف ...
  12/08/2015

القضاء بين زمن الجرأة وزمن الخوف ...


اخبار وصحف ايام زمان




رئيس الجمهورية السورية يخسر دعوى قضائية في سورية ...!!!!!؟؟؟
القضاة يضربون لزيادة رواتبهم للترفيه عنهم ...
وقاضي يحكم بحبس خمسة من رجال الأمن انتصاراً للعلم والمواطن ...
تتوقف هموم المواطنين بشكل عام عند وجود قوة قانونية قادرة على الانتصار للمظلوم وردع الظالم، وهذه القوة لا تتوافر إلا في دولة تقوم سياستها على مبدأ هام جداً وهو (العدل أساس الملك).


وفي سوريا البلد التي تعيش في حالة لم تشهدها سابقاً من الاضطراب وعدم الاستقرار وانعدام الأمن والأمان منذ مايزيد عن أربع سنوات، نجد وإلى الآن تجاهلاً كبيراً من قبل المسؤولين لمؤسسة تعتبر من أهم المؤسسات في كل دول العالم المتحضر ألا وهي مؤسسة القضاء، فمع انعدام شبه تام للسلطة القضائية على الأراضي السورية، يمكننا القول أن شريعة الغاب هي القاعدة المطبقة في دولة كانت تعتبر في يوم من الأيام من أكثر الدول تقدماً وتحضراً على الصعيد القانوني وصعيد سيادة القضاء واستقلال القضاة وحيادهم، فكيف كان شكل القضاء في سوريا سابقاً ...؟؟؟

مع الكثير من الأحكام القضائية المأساوية التي لم تعد خافية على أحد سواءاً من رجال القانون أم من قبل المواطن المغلوب على أمره الذي ذهب للقضاء السوري لينصفه فوجد نفسه خاسراً لماله ويقف على أعتاب داره مودعاً ومؤنباً لذاته التي لجأت إلى القضاء ولم تلجأ للأمن في سبيل تحصيل حقوقها، وجدنا أنه لزاماً علينا أن نسلط ولو القليل من الضوء على المؤسسة القضائية السورية التي كانت نبراساً يحتذى به في العدل والجرأة وانحدرت بها الحال إلى ماوصلت إليه اليوم .....

يصعب بمقال صغير أن يجمع الصور المشرفة لقضائنا السوري في السابق، ولكن يكفي أن نسلط الضوء على النادر اليسير منه الذي تم طمسه بشكل متعمد أو غير متعمد لنزيح الغبار عنه وعن قلوب بعض القضاة الشرفاء الذين لايزالون يعملون اليوم ضمن المؤسسة المهددة بالانقراض إذا استمر الحال على ماهو عليه الآن ...

نبدأ من زمن الاحتلال الفرنسي، بقصة يرويها القاضي (حنا مالك) في مذكراته ربما تكون أقرب من الخيال إلى التصديق في أيامنا هذه، يقول القاضي مالك في مذكراته:

" عينت لأخدم في مهنة القضاء من العام 1925 إلى العام 1954، وعلى الرغم من أن الفرنسيين كانوا احتلالاً لسورية، إلا أنهم تجردوا من كل شيء إلا العدل في قضائهم، فقد نقلوا العدالة من المحاكم الفرنسية إلى المحاكم السورية ... وأضافوا ما أضافوه إلى القانون السوري ... وقد صدفت خلال عملي في المحاكم المختلطة والتي كان يرأسها القاضي الفرنسي السيد (إيتين ليك) رئيس المحكمة المختلطة الناظرة في قضايا الأجانب، أن كانت لدى المحكمة دعوى تركة المرحوم عزة باشا العابد باعتبار أن إحدى وريثاته أجنبية لزواجها من إنكليزي، وكان ولده عبد الرحمن بك هو الذي تقدم بالدعوى، وكانت العلاقات بينه وبين أخيه محمد علي بك، رئيس الجمهورية آنئذ، على غير مايرام ...
وقد فكر محمد علي بك وهو رئيس الجمهورية أن يتدخل في موضوع الدعوى لمصلحته طبعاً، فطلب من أحد وزرائه سليم بك جانبرت، وكان صديقاً حميماً للمرحوم والدي، أن يدعوني لزيارة قصر الرئاسة ، ففعل.

ولكنني اعتذرت في بادئ الأمر معللاً ذلك بأن زيارتي لفخامته، وله قضية في المحكمة المختلطة وأنا قاضٍ فيها، تفسر بأحد أمرين: إما أنني ذاهبٌ لزيارته زيارة تملق ونفاق ولعرض خدمة عليه، أو أنني مدعو لأتلقى التوجيهات اللازمة وفي الحالتين فإن نفسي تمجهما وتأباهما مزاجي وكرامتي.

ولكن فخامة الرئيس أصر على وزيره لدعوتي لمقابلته، وكان الوزير رجلاً طاعناً في السن، وصديقاً لوالدي كما أشرت، فخجلت منه ولم أجد بداً والحالة هذه من تلبية الدعوة مكرهاً وعلى مضض وتأثر.

وبالفعل قمت بزيارة القصر الجمهوري واجتمعت إلى فخامة الرئيس، وبعد المقدمات والمجاملات من قبل فخامته، أخذ يبحث معي في موضوع القضية ذاتها، تركة المرحوم والده عزة باشا العابد، وأظهر توجيهه بحذاقة ومهارة، بحجة عدم التحيز لأخيه عبد الرحمن بك، وهي براعة في الطلب من فخامته، ولكنها لم تخف علي، فقلت لفخامته متأثراً "يافخامة الرئيس، إن المحكمة التي لا تتأثر لمصلحة فخامة رئيس الجمهورية بالذات، فإنها من باب أولى لا تتأثر لمصلحة أخيه، وإنه لمن دواعي الفخر أن تكون في سورية محكمة لا تتأثر حتى لمصلحة فخامة رئيس الجمهورية"

قلت هذا، وشعرت بأن فخامة الرئيس لم يكن ليتوقع مثل هذا الجواب، فانزعج منه وكان بالطبع ينتظر العكس تماماً، فودعته وانصرفت.

ولم يقم رئيس الجمهورية على الرغم من كلامي هذا بأي عمل منتظراً انتهاء الدعوى، وعند الانتهاء من البت فيها، لم يعجبه الحكم فأصدر بعد بضعة أيام مرسوماً بنقلي من المحاكم المختلطة إلى المحاكم الأهلية".

ومن زمن الاحتلال الفرنسي، إلى عهد الجمهورية السورية الأولى في زمن الاستقلال، ففي قصة نشرتها جريدة المنار عام 1948، حملت عنوان "القضاء السوري ينتصر للحق والفضيلة" وفي تفاصيل القصة - أن عدداً من رجال الأمن اعتدوا على أستاذ مدرسة بعد أن حاولوا اعتقاله دون مذكرة رسمية بسبب جرأته السياسة وانتقاده المستمر لتصرفات رجال الأمن، وقد أخذت القضية أبعاداً داخلية كبيرة وتدخل بها وزير الداخلية بنفسه لايجاد تسوية بين المدرس ورجال الأمن إلا أن المدرس أصر على موقفه بمتابعة القضية إلى آخرها للنيل ممن اعتدوا عليه دون وجه حق.

وفي الجلسة الختامية التي حضرها مندوب جريدة المنار في قضية الأستاذ خالد الرفاعي في قاعة محكمة بداية الجزاء برئاسة الأستاذ وجيه الشرابي وعضوية السيدين خالد المرادي وناظم المؤيد، أصدرت المحكمة حكمها بتبرئة الأستاذ خالد الرفاعي من جميع التهم التي وجهها إليه رجال الشرطة تبريراً لموقفهم الذي وقفوه أثناء الاعتداء عليه ثم لفظت الحكم على المفوض خالد العجة ورجال الأمن الخمسة الذين سببوا هذا الحادث بالحبس شهراً كاملاً وبالاخراج من الوظيفة مدة تماثلها، وقد أسندت هيئة المحكمة بحكمها على رجال الأمن أولاً- باعتبارهم كانوا البادئين بالتحرش ولم يكن بحوزتهم مذكرة توقيف قضائية. ثانياً- بسبب ثبوت المعاملة الوحشية التي عاملوا بها الأستاذ المذكور والتي باهانتهم إليه أهانوا رجال التعليم.

وهكذا ضرب القضاء السوري مثلاً جديداً على نزاهته وأمانته وحرصه على احقاق الحق ... ونحن نشارك الأستاذ الرفاعي بهذه النتيجة التي وصلت إليها قضيته، ونشاركه في تحية القضاة السوريين، ونرجو أن يكون هذا الحادث رادعاً لكل من تسول له نفسه بالاعتداء على الأبرياء والتعرض لاهانة الشرفاء ".

جريدة المنار عام 1948

ومن هنا يتبين أن المواطن مهما علت رتبته ومقامه كان ينال الجزاء العادل إذا تجاوز حدوده، وبأن المواطن مهما كان وضعه ومقامه كان ينال حقه العادل إذا ما أراد اللجوء إلى مؤسسة القضاء.

ويكفينا هنا القول بالحديث عن مكانة القضاء والقضاة في سوريا أن البرلمان قد طلب من الحكومة السورية الاستقالة في حال لم تجد حلاً لوضع القضاة المضربين عن العمل والمطالبين بتسوية وضعهم وزيادة رواتبهم بنسبة 30% للترفيه عنهم.

واليوم لايجاوز راتب القاضي 40 ألف ليرة سورية أي مايعادل 130 دولار أمريكي، يطلب من القاضي أن يحكم بدعاوي تتجاوز قيمتها ملايين ومئات ملايين الليرات السورية، وإلى الآن لم يتنبه المسؤولون في الدولة إلى أن أي إصلاح في سورية يرتبط أولاً وأخيراً بإصلاح مؤسسة القضاء، وإعادة السلطة القضائية إلى وضعها ومسارها الطبيعيين، فينصف القضاء المواطن المظلوم الذي لم يعد يجد في أيامنا هذه منصفاً له غير رجال الأمن على الرغم من فسادهم ولكنه بات يعمل تحت شعار أن يقاسم رجال الأمن مايملك أفضل من أن يذهب كل ما يملك إذا ما لجأ للقضاء ....

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات