بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
قصة المبشر الذي أصبح جاسوساً لإسرائيل ..... الحلقة الثانية
  24/10/2015

قصة المبشر الذي أصبح جاسوساً لإسرائيل ..... الحلقة الثانية
اخبار وصحف ايام زمان



كيف يتعرف العملاء الإسرائيليون إلى بعضهم ...؟؟؟؟
الحلقة تتوسع وتمتد لتشمل أكبر قدر ممكن من المتجسسين على الوطن
كنا قد ذكرنا في الجزء الأول كيف تم تجنيد المبشر (جميل القرح) ليعمل ضمن شبكة جاسوسية تقدم المعلومات الهامة لإسرائيل عن مكامن الضعف والقوة في سوريا.

وبعد أن نجح جميل القرح في الاختبار وأصبح جاسوساً قوياً يحسب له ألف حساب، بدأ هو بصنع شبكته الجاسوسية الخاصة، فأصبح يجند ما أمكن من الأشخاص لإثبات ولائه للعدو الإسرائيلي.
أين بيت العرس

وكانت أساليب تعرف العملاء على بعضهم في غاية الطرافة، كان يأتي إلى العميل أمرٌ بأن يذهب إلى الشاطئ الجنوبي، ويحدد له لباسه، مثلاً يقول له: البس معطفاً أبيض وعقالاً، واحمل بيدك علبة حلوى وفي نقطةٍ على ساحل البحر، تلتقي برجل يحمل بيده جردل ماء فتسأل: أين بيت العرس في عدلون (اسم قرية) فيقول لك: تفضل، فتتبعه...
وجميل القرح يذكر أنّ أول عميل التقى به كان في مقهى كراج صور في بيروت. قالت له التعليمات: ادخل إلى المقهى تجد شخصاً يلبس بنطالاً أزرق، وقميصاً أبيض بدون ربطة عنق يجلس وحيداً على منضدة،

ويضع على المنضدة مجلة ((آخر ساعة)) وفوقها علبة لاكي ستريك، تقدم منه واسأله: هل أنت أبو محمد... فيجيبك: هل أنت أبو علي...

وسافر الحداد إلى إسرائيل، نقله قارب صيد، وبقي هناك ثلاثة أشهر، تدرّب فيها على الأجهزة وتعلّم استعمال الشيفرات، وعاد.

وقيل له سيصلك جهاز في أقرب وقت، وحددوا له يوماً يذهب إلى مقهى الكمال الشتوي في دمشق، فيجلس على منضدةٍ وحيداً، ويضع على المنضدة علبة دخان وفوق العلبة علبة كبريت، وفوق الكبريت سيجارة قبل إشعالها...

وبهذه الطريقة تعرف العميل على العميل، وسلمه ((كالون بنزين)) كان جهاز اللاسلكي في أسفل الكالون، وفي منتصف الكالون زر إذا ضغط عليه عمل الجهاز.

وأخد الحداد يعمل، وحقّق بعض النجاحات، ونال عليها الجوائز وكان يذهب إلى إسرائيل في كلّ مرة تقرر المخابرات الإسرائيلية تغيير الأجهزة أو تغيير الشيفرات، حتى بلغت دوراته في إسرائيل خمس دورات.
وكان على الحداد أن يزود المخابرات الإسرائيلية بكثيرٍ من المعلومات العسكرية.

وكانت المعلومات المستعجلة تبثّ بالأجهزة في أوقات معلومة، أو ترسل إن لم تكن مستعجلة، بعد أن تكتب بالحبر السري، إلى بيروت، حيث يقوم القرح بمراجعتها، وإيصالها إلى إسرائيل.

وطريقة الإيصال لا تثير أيّة شبهة، يضع القرح التقارير في زجاجة فارغة مكسورة من رأسها ويضعها بين الحشائش أو في التراب حول تمثال فؤاد أرسلان على طريق الشويفات.
ومن هناك كان يأتي عملاء جدد يتركون تعليمات جديدة أو أموالاً ويأخذون التقارير.

ضحية جديدة
وانضمّ لشبكة القرح ضحيةٌ جديدة وهو وليم بستولي. ووليم لم ينضم في بادئ الأمر لمكاسب مادية بل في سبيل غرامه الملتهب ((بجوجو)) ابنة جميل القرح.
كان يحبّ جوجو لدرجة العبادة، وكانت هي تبادله الحب، ولكنّ الأب كان يرفض تزويجه إيّاها...
وهذا الرفض لم يمنع جوجو من استقبال وليم في منزل والدها في حال غيابه...
ومع كثرة تردده على منزل المبشر، اكتشف سره، فلقد قال له يوماً أخو جوجو الصغير إنّ (( بابا عنده آلة بتضوي وبيدق عليها)) وقاده الطفل إلى المخبأ...
وصارح وليم عمه العتيد بما اكتشفه، وجرت بين الاثنين محاورة ومشاورة وهدده جميل القرح بأنّه سينسف منزله إذا هو تجرأ بالإخبار، وكانت مساومة بين الأب والعشيق بتزويج ابنته بشرط أن ينضمّ وليم إلى الشبكة.
وانضمّ وليم للشبكة، وتزوّج بجوجو وأرسل إلى المانيا الغربية لقضاء شهر العسل، وهناك وحسب التعليمات، التقى بالمدعو روبير طوطح الذي قام بإرساله إلى تل أبيب للتدرب على الأجهزة والشيفرات.
وروبير طوطح هو يهودي لبناني، يرعى شؤون التجسس في الشرق الأوسط، وهو برتبة ضابط كبير في الجيش الإسرائيلي.

رئيس شبكة كبيرة
واستطاع جميل القرح أن يوقع بكثيرين فيجعلهم عملاء لإسرائيل في شبكته، ففي شبكته من المعتقلين الآن عقل أنطون وحنا سعد ويوسف لقطينة ويوسف كعدي.

وكانت هذه العصابة تخضع في بيروت ودمشق لتوجيه وإدارة القرح، الذي كان يزور إسرائيل شهرياً إمّا عن طريق البر أو البحر.
والتقت ((الجندي)) بزعيم الشبكة في السجن العسكري وتحدثت إليه.
المبشر القديم الرزين، الهادئ الذي يزن كلامه بمثقال، فيلقيه ممثلاً منغماً، لا يزال كما كان، لم تفقده المحنة أعصابه، ولا قطعت أمله بالنجاة يحدثك فلا ينكر فعلته، يعترف بها، لا لأجل التحقيق، بقدر ما يحاول تمثيل الندامة، وطلب المغفرة، واستدرار الرحمة.

يتأثر من يقابله للوهلة الأولى بحديثه، ويغشّ بلباقته، ولكن وما أن يتوغل معه بالحديث حتى يكتشف فيه عبقريةً فذة بالتمثيل والتمويه، ومكراً لا يطاله مكر.
ومهما حاول المتحدث إليه إيقاعه، فلا يفوز بطائل أعصابٌ كالفولاذ، ومرانٌ على الحديث واللفّ والدوران بنعومةٍ وحذقٍ لا مثيل لهما.

وتنتهي المقابلة، ولكنّه هو لا يريد أن تنتهي، إنّه يتحدث ولا يملّ الحديث، فإذا ما أحسّ بأنّ المقابلة قد انتهت عاد يرجو المسؤول أن يسمح له برؤية زوجه وبشوقه لرؤيتها لأنّها حاولت طيلة عمله في التجسس ردعه ولكنّها لم تنجح. وهنا يظهر ذكاؤه الفذ... شوقه واعترافه طريق كما يعتقد لإنقاذ زوجه وتبرئتها.
ويذهب لتحضر زوجه فيكتوريا، امرأةٌ في العقد الرابع أو تجاوزته قليلاً، فقدت أعصابها فلا تستطيع الكلام إلّا بصعوبة.

وهي لا تحاول الإنكار ولكنّها لا تخفي بعض نقمتها على زوجها، وعندما سئلت: يدعي زوجك أنّه عمل تحت ضغط الحاجة إلى المال وأنّه لم يكن ليستطيع أن يجد عملاً يعتاش منه، فتجيب على الفور: لا... لا... كان بإمكانه أن يعمل وأن يحصل على قوت عياله... ولكنّه استجاب للشيطان ... وتسكت فلا تتكلم بعد ذلك... وترجو أن تترك لشأنها.

مع الحداد
ويأتي دور جميل الحداد ... ويدخل إلى الغرفة فيدرك كل من يراه داخلاً أنّه يمثّل الغباوة أو البساطة أو أي شيء آخر من هذه المسميات.وتتوالى عليه الأسئلة، ويكرر إنكاره، إنّه لا يعترف بأكثر من أنّه كان موظفاً عند القرح على الأجهزة اللاسلكية، وأنّ الشيطان أغراه وأنّه نادم، وعندما قيل له أنّ الشيطان الذي يدعي أنّه أغراه لم يقبل أن يعمل بعد لحساب إسرائيل، يبتسم خفيةً ابتسامةً فيها كلّ معاني المكر والذكاء.
ويدور الحديث معه ويحاول الاستمرار في تمثيل الدور مع أنّه كان اليد اليمنى لجميل القرح في سورية وقد سافر إلى إسرائيل خمس مرات حيث قضى في كلّ مرةٍ شهوراً عديدةً يتدرب في المخابرات الإسرائيلية على التجسس واستعمال الأجهزة اللاسلكية والشيفرات.

بقية أعضاء الشبكة
ويدوم الحديث مع بقية أفراد الشبكة مقدار ساعةٍ من الزمن، وكلّ واحدٍ يحاول أن ينكر.
فعقل أنطون يدّعي أنّه كان يعتقد أنّه كان يتعامل مع صحافيين، أمّا حنّا مسعد فيدّعي أنّه لا علاقة له بالعصابة مطلقاً، وهكذا بقية الأعضاء.

النهاية
ولقد استمرت هذه العصابة تعمل مدةً طويلة، تزوّد إسرائيل بكلّ ما تستطيع الحصول عليه من معلومات.
وجاء اليوم الذي طلبت فيه المخابرات الإسرائيلية معلومات عسكرية، ووضعت لهذه المعلومات جوائز ضخمة لا سيما إذا استطاع جميل القرح إيجاد عنصر عسكري يمدّهم بهذه المعلومات.

وبدأ العمل الجدي وأخبرهم القرح بأنّه قد وجد العنصر الذي يريدونه، واتفق معهم على المبالغ الطائلة التي طلبها، واستجابت المخابرات الإسرائيلية لكلّ الطلبات، وقبلت بكلّ الشروط، حتى أنّها وضعت خطة تهريب هذا العنصر إلى خارج سورية عند الحاجة.

وبدأت الأجهزة تتلقّى من مخابرات إسرائيل الأسئلة، وكانت تصل بالتسلسل إلى المصدر العسكري، لم ترد الأجوبة.

واطمأنت المخابرات في إسرائيل إلى المصدر، ووجهت الأسئلة المهمة وكان الاتفاق أن يسلم التقرير الجوابي في منزل أحد العملاء في دمشق.

وفي الوقت المحدد حضر جميل وزوجه ثمّ حضر المصدر العسكري واستلم جميل القرح التقرير وفيما هو يهمّ بوضعه في جيوبه، شعر بأنّه قد وقع في فخٍ قد نصب لهم، فأسرع فأعطى لزوجه التقرير، حيث أسرعت فاختبأت في الحمام وخبأته بين ثيابها الداخلية، واعتقل الجميع ولدى تفتيش الزوجة فيكتوريا عثروا على التقرير.

وفي أوائل أيلول سيواجه رئيس الشبكة وأعضاؤها محكمة أمن الدولة، وسينال كلّ فردٍ منهم جزائه، على ما اقترف ضدّ بلاده وعروبته من خيانةٍ وإجرام".

مهما طال عمر الخيانة، لابد أن تجلي، ولابد للخائن أن تظهر خيانته، لتسجل في التاريخ، ولكن هذه المرة ليس في سجل الشرف، بل في سجل العار المطبق.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات