بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
امبراطورية الصحافة السورية من النشوء حتى الاندثار ... الحلقة الثانية
  16/11/2015

امبراطورية الصحافة السورية من النشوء حتى الاندثار ... الحلقة الثانية
اخبار وصحف ايام زمان


الصحافة السورية من عام 1920 وحتى العام 1958
الإمبراطورية التي هزمت الفرنسيين ....

" إلى أرباب الصحف أبلغتنا مديرية المطبوعات عطفاً على إشعار وزارة الداخلية أنه على أصحاب الجرائد أن يرسلوا كل يوم نسخة من جرائدهم إلى دائرة الاستخبارات الفرنسية في النادي العربي "

بهذا القرار استهل الفرنسيون حكمهم لسوريا، كانت النهضة الصحافية السورية التي شهدتها سورية في عهد الملك فيصل خاصة تزعج الفرنسيين، وخاصة أن الصحفيين السوريين كانوا معروفين بثقافتهم العالية، ومقالاتهم التي كان لها كبير الأثر بإشعال الحماس القومي ضد الدولة العثمانية في أواخر عهداها.

فقد دخل الفرنسيون سوريا، بعد معركة دامية في 24 تموز 1920 استشهد فيها وزير الحربية يوسف العظمة، وبدأ (الجنرال غورو) المفوض السامي الفرنسي، بتننفيذ المخطط الاستعماري الذي جاء من أجله في سوريا، وقام بالفعل بتقسيم سوريا إلى دويلات صغيرة قائمة على أساس مناطقي وطائفي ومذهبي، فكانت دولة دمشق ودولة حلب ودولة العلويين ودولة جبل الدروز، كانت الصحافة الحرة المستقلة عبئاً على فرنسا، فاتخذت جميع التدابير والإجراءات اللازمة للحد من حرية الصحافة، ومنها القرار المذكور في بداية هذا المقال.

ولم يكتف الفرنسيون ببداية عهدهم في سوريا، بتعطيل الصحف ومنع صدورها، بل تعدوا ذلك إلى تعذيب وسجن الصحفيين ما اضطر عدد كبير من الصحفيين السوريين إلى الهرب من الاستعمار الفرنسي، واللجوء إلى الدول العربية المجاورة، ومنهم الصحفي محب الدين الخطيب مدير الصحيفة الرسمية في العاصمة، الذي اضطر مع عدد من أصدقائه الصحفيين إلى الهرب من مقصلة الرقيب الفرنسي واللجوء إلى القطر المصري.

حدت السلطات الفرنسية في ذلك الوقت من إصدار صحف ومجلات جديدة بكافة الدويلات السورية، باستثناء دولة العلويين التي كانت تحظى بعناية خاصة من الفرنسيين، حيث أنها تشكل النواة الأساسية في مخططهم بتقسيم سوريا على أساس مذهبي وطائفي، ففي حين لم تصدر في دمشق إلا صحيفة واحدة باسم "أبو النواس العصري" لصاحبها أمين سعيد، وفي دولة حلب صحيفة "سوريا الشمالية" لصاحبها أنطون يوسف الشعرواي، صدرت في دولة العلويين أربعة صحف وهي صحيفة "اللاذقية" لعبد الحميد مراد، وصحيفة "الصدى العلوي" لصالحبها عابد جمال الدين، وصحيفة "الزمر" لمنير المجدلي، و"المنار" للمطران أرسانيوس مراد.

ومن النهفات الصحفية في ذلك الزمن، أن الصحف السورية التي كانت تعاني من الرقابة، تترك مكان المقال المحذوف أبضاً فارغاً وتدون عبارة "حذف بمعرفة الرقابة" والقصد من ذلك تنبيه الجمهور إلى الرقابة الكبيرة التي كانت تمارس على الصحافة والصحفيين في ذلك الزمن، ما يسبب هياجاً شعبياً عند صدور كل عدد من الصحف معظمه أبيض مدون عليه "حذف بمعرفة الرقابة"، وقد تنبه غورو إلى تلك الحيلة فوجه لوزارة الداخلية بأن تمنع الصحف من اللجوء إلى تلك الحيلة، فجاء في بيانه:

"إن بعض جرائد دمشق كثيراً ماتنشر أخباراً ترمي إلى غايات خفية مايجبر المراقب على حذفها فيؤدي إلى وجود بياض كثير في الجريدة، ولما كان ذلك يفسح مجالاً للأوهام والريب، طلب أن تمنع الجرائد التي يكون فيها بياض كثير من الظهور أو تجبر أصحابها على إملاء ذلك البياض".

ازدادت النقمة الشعبية على حكم غورو، فاستبدلته الحكومة الفرنسية بالمفوض السامي (ويغاند) في العام 1923، وقد حاول ويغاند التخفيف عن العبء الملقى على الصحافة فأعاد العمل بقانون المطبوعات العثماني ريثما يتم استبداله بقانون آخر.

وبالفعل صدر في 30 حزيران 1924 قانون الصحافة الجديد الذي أعطى متنفساً للصحافة في سورية، وقد خضعت له جميع الدويلات السورية، باستثناء دولة العلويين، فقد كانت تحت الإدارة الفرنسية المباشرة، وقد صدر قانون خاص بها بناءاً على رغبة أهلها الذين أحبوا أسلوب تعامل الفرنسيين معهم من جهة، وعلى رغبة من الاحتلال الفرنسي باستقلال دولة العلويين عن سورية من جهة أخرى.

وقد صدر في ذلك الوقت عدد من الصحف منها صحيفة "الترقي السوري" لبهاء الدين الكاتب وصحيفة "الحق" لمحمد صبحي عقدة وصحيفة "الفيحاء" لقاسم الهيماني وشفيق شبيب.

ولكن زمن الحرية الصحفية لم يستمر طويلاً، فبعهد الوحدة بين دولتي دمشق وحلب ما سمي بدولة سورية كان الجنرال سراي المفوض السامي الجديد قد ضاق ذرعاً بمطالب السوريين التي لاتنتهي، فعاد من جديد إلى تعطيل الصحافة وملاحقة الصحفيين.

استمر الوضع هكذا حتى تاريخ 21 كانون الأول عام 1936، مع بدأ العهد الوطني بانتخاب الرئيس هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية، حينها بدات الصحافة تشهد عصراً جديداً من الانفتاح والحرية، الأمر الذي لم يرق للفرنسيين الذين كانوا عرضة أكثر من غيرهم للانتقاد اللاذع من الصحف الوطنية، ولما كانوا قد وعدوا السوريين بعهد جديد من الانفتاح، لجأوا إلى خطة جديدة لتعطيل الصحف، وهي إيجاد صحافة موالية للاستعمار الفرنسي مناهضة للحكم الوطني كصحيفة "الجبل" في السويداء وصحيفة "لوماتان" الصادرة بالفرنسية في دمشق وصحيفة "التوفيق" الهزلية الصادرة في حلب ومجلة "الأحد" .... وغيرها من الصحف والمجلات التي ساندت الاستعمار الفرنسي بوجه الحكومة الوطنية، وقد لعبت هذه الصحافة دوراً كبيراً في الإساءة للعهد الوطني ولرجالات الحكومة الوطنية، ما دفع الدولة إلى تعطيل بعض الصحف، والتضييق على حريات الصحافة.

ومع بداية الحرب العالمية الثانية في العام 1939 بدأ عهد الصحافة يأخذ منحاً آخر، وذلك من خلال الحد من الصحافة الوطنية التي من الممكن أن تقف مع ألمانيا النازية وتروج لها بغرض محاربة فرنسا، ومن جهة أخرى لخلق صحافة مأجورة للترويج الإعلامي للفرنسيين ودول الحلفاء وقوتهم في الحرب مع ألمانيا ودول المحور.

استمر الوضع كذلك حتى انتخاب الرئيس شكري القوتلي رئيساً للجمهورية عام 1943، والذي أعطى وعداً بالوقوف مع قوات فرنسا الحرة ضد فرنسا فيشي، مقابل نيل سورية استقلالها التام دون أي تواجد لقوات أجنبية على أرضها، وبالفعل نالت سورية استقلالها في 17 نيسان 1946، لتعيش الصحافة عهداً جديداً من الحريات لم تعشه سابقاً إلا في أيام الحكم الفيصلي لسوريا، فازدادت أعداد الصحف والمجلات والمطبوعات، وتجاوز عددها عشرات الصحف وذلك في مختلف المدن والمناطق السورية، وعاشت سورية نهضة صحافية حقيقية، لم يعكر صفوها في ذلك الوقت إلا حالة الانقلابات التي شهدها العام 1949، ومن ثم قانون "دمج الصحف" الذي قضى كل صحيفتين في صحيفة واحدة في عهد الرئيس الشيشكلي، والذي أثر على كم الصحف المنتشرة، وعدد كتابها، إلا أنه وعلى الرغم من ذلك صدر عدد كبير من الصحف والتي كانت تنتقد حكم الشيشكلي نفسه دون أن تعطل، ومنها صحيفة المضحك المبكي الذي لم يخلوا عدد من اعدادها عن كاريكاتور ناقد للرئيس الشيشكلي وحكمه.

إلا أن الصحافة بشكلها السابق من الحرية المطلقة لم تعود إلى سورية، إلا بعيد عودة الرئيس هاشم الاتاسي للسلطة في العام 1954 وانتخاب الرئيس شكري القوتلي رئيساً للجمهورية مرة أخرى في العام 1955 حيث انتشرت الصحف بشكل كبير، وتمتعت بحرية شبه مطلقة بالتعبير عن أفكارها وآرائها، وباتت سياسة النقد البناء هي ما تميز الصحف في تلك الأيام، واستمر الوضع على هذا الحال، حتى دخول سورية في العهد الناصري الاستبدادي، الذي كانت حرية الصحافة ترعبه أكثر من رعبه بوجود الاحتلال الإسرائيلي على الحدود السورية الجنوبية، فعطل الصحف ومنع الصحافة الحرة، الأمر الذي سنشرحه مفصلاً بالحلقة القادمة من هذه السلسلة.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات