بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
شهادات تنشر للمرة الأولى عن أحوال شهداء أيار قبل إعدامهم
  23/01/2016

مذكرات سجين في ديوان عرفي عاليه ... الجزء الأول


اخبار وصحف ايام زمان

شهادات تنشر للمرة الأولى عن أحوال شهداء أيار قبل إعدامهم


الصحفي مراد غريب ينبش القبور للبحث عن الحقيقة المدعومة بالوثائق ...


منذ بداية الصحفي اللامع في سيريانيوز (مراد غريب) برحلته المثيرة في الحقبات التاريخية السورية المختلفة، ليدونها في سلسلته التاريخية المثيرة للجدل (نبش القبور)، قمنا في إرشيف سيريانيوز، بالبحث والبحث عن الوثائق والأوراق التي تعود للحقبة العثمانية والثورة العربية الكبرى التي يتم الحديث عنها حالياً، في السلسلة التاريخية المشوقة التي يسطرها الصحفي مراد غريب.

وبالعودة إلى السلسلة آنفة الذكر، نجد أن هناك انقساماً حقيقياً بالنظرة للثوار الذين أعدموا في عهد جمال باشا (السفاح) فالغالبية الوطنية أطلقت عليهم لقب الشهداء، أما القسم الآخر الموالي للدولة الإسلامية العثمانية، فقد أطلق عليهم لقب المتآمرين الخونة عن الدولة الإسلامية.
وبعيداً عن ذلك الالتباس بالتسميات، ننشر لكم رواية كتبها أحد الذين عاصروا السجن مع شهداء أيار، وذكر تفاصيل حياتهم داخل السجن، وعقيدتهم وأفكارهم.

القصة تبدأ عندما طلب بشارة الخوري صاحب جريدة " البرق " من فائز الخوري وهو سياسي وقانوني سوري معروف وكان سفير سوريا في واشنطن، أن يروي له تفاصيل اعتقاله وأصدقائه في سجن عاليه من قبل جمال باشا السفاح، فروى فائز الخوري بمقابلة حصرية قصة شهداء السادس من أيار وآخر الكلمات التي نطقوا بها قبل ساعات من إعدامهم.

ونشر هذا اللقاء الحصري في جريدة " البرق " بتاريخ 15 كانون الثاني 1919 وحمل عنوان " مذكرات سجين في ديوان عرفي عاليه " بدرجة عالية من التشويق، لاتشد القارئ فحسب، بل تشعر كل سوري بالفخر لانتمائه لوطن نال حريته بنضال أبنائه وكفاحهم فكان شعارهم " الحرية تؤخذ ولا تعطى" شعار طبق على واقع الأرض قولاً وفعلاً ليس كشعارات أحزاب أيامنا هذه.

يقول فائز الخوري بـ "مذكرات سجين في ديوان عاليه" مايلي:


عاليه ... هي زهرة جميلة على صدر لبنان ، كانت قبل الحرب مسرح الأنس ، فصارت في عهد جمال وديوانه العرفي وكر الأفعى ومأوى الذئاب وسجن الأبرياء لم يذكر اسم عاليه بخير ولا ابتسامة في مدة الحرب .

وشاء القدر أن أكون أنا في عداد المسجونين في هذا السجن بعد أن تم القبض علي في مدينة حلب كما تم القبض كذلك على كل من صالح عبد الغني العريسي ورفاقه الأمير عارف شهابي وتوفيق البساط وعمر حمد ، وكلنا قد جمعتنا عاليه في سجنها وكان قد حكم على معظمنا خلال فراره بالاعدام غيابياً.

عند دخولي لسجن عاليه اصطحبوني إلى غرفة التحقيق وكان هناك ضابط يدعى حسن بك وهذا الحسن بك هو ضابط من مدينة حلب ولكنه تركي أكثر من الأتراك أنفسهم وفي آخر حديثه معي قال لي : " اعلموا أيها الأغرار الخونة ... إن الأتراك سيعيشون رغماً عن أنوفكم ... وسيحكمونكم للأبد "

ثم أمر بإعادتي إلى السجن ، ذهبت إلى السجن وأنا مرتعد الأطراف واثق من أن مصيري هو الإعدام فكلام حسن بك لايريح أبداً ، ولدى دخولي السجن كنت أرتجف من البرد فنظر لي شاب لايتجاوز الخامسة والعشرين من العمر ، أسمر اللون حالك الشعر ، وعندما رآني على هذه الحالة من البرد فنادى الحارس وقال له : خذ كانون النار من هنا وأعطه لهذا الشاب.

ولم يكن يعرفني ولم أكن أعرفهُ ، وجاءني الجندي بكانون النار فسألته عن الشاب فأخبرني أنه الشاعر عمر حمد فالتفت إليه وشكرته بنظرة .

قضيت أربع أشهر في سجن عاليه ، وكنت أجلس مع الرفاق في السجن نتسامر ونروي قصصنا في دواوين التحقيق وأقبية التعذيب ، وكنا ننتظر بين يوم وآخر أن يتلوا علينا أحكامهم العرفية ، وينتظر كل منا حكم إعدامه أو خلاصه من هذا السجن المقيت ، إلى أن زارنا آمر السجن وقال لنا أن الأحكام ستتلى علينا يوم غد ، عندها قضينا ليلتنا دون أن نستطيع النوم .

وخلال مسيري في السجن في المساء كنا نجلس مع رفاقنا فانسحب من بيننا المرحوم توفيق البساط فلحقت به فوجدته راكعاً يصلي ولما انتهى من صلاته سألته:
- علام صلاتك الساعة يا صاح ؟
فأجابني بأنه لامناص من القضاء يا أخي ، ونفسي تحدثني أنني ذاهبٌ غداً إلى الإعدام ، فأحببت أن أشجع نفسي بالصلاة حتى لاتجبن.

وجاء اليوم الموعود ، ودقت الساعة التاسعة صباحاً ، فالتفتنا لنرى من يطرق الباب وإذا به نذير الشؤم ورسول الموت ، حارس كريه المظهر ، من عمالقة الأتراك وأحلافهم ، وقف بالباب ونادى بصوتٍ عال : سعيد عقل .. ألبس ثيابك واخرج .
فقام سعيد عقل وهو ثابت الخطى وخرج إلى قدره المحتوم ، وهو الإعدام على حبال مشانقهم العفنة .

أغلق الباب بعد ذلك ومضت ربع ساعة ، كأنها عمر كامل مر علينا يعجز قلمي عن وصفها من بشاعة الانتظار فيها ، وعندما فتح الباب مرة أخرى طلب من الشيخ أحمد طبارة أن يلبس ثيابه ويخرج ولم يكن الشيخ أحمد يتوقع أن يكون من بين قائمة الأشخاص الذين سيعدمون ، فبغت بالخبر وقال لنا : أولادي ... أوصيكم بأولادي .

وخرج الشيخ طبارة وأغلق الباب من خلفه ، ليفتح ثانية ويطلب من عبد الغني العريسي أن يلبس ثيابه ويحضر ، وبعد مضي ربع ساعة أخرى عاد نذير الشؤم وطلب من عمر حمد شادوا مجداً وعلا
وظل الباب يفتح كل ربع ساعة ، إلى أن نادى نذير الشؤم على آخر أسماء قافلة الشهداء وهو رفيق رزق سلوم ... فارتمينا على المقاعد لا نشكر الله على الخلاص بقدر ما نبكي الرفاق ونترحم عليهم

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات