بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
سعد فنصة:عندما كان حافظ الأسد قائداً …كيف دخل كوهين الى مطار المزة (2-
  23/02/2016

سعد فنصة:عندما كان حافظ الأسد قائداً …كيف دخل كوهين الى مطار المزة (2-3)

واشنطن- سعد فنصة: كلنا شركاء
” يعتمد هذا النص على الوثائق والنصوص والشهادات التي جمعها الكاتب ووثقها من بعض شهودها الحقيقيين”.
… وقف قائد الجيش السوري آنذاك الزعيم حسني الزعيم قبل نهاية عام 1948 مفشيا السر الخطير لأول مرة أمام عديله نذير فنصة قائلا: (الإسرائيليون اتصلوا بي).



وفي حقيقة الأمر أن (بن غوريون ) رئيس الوزراء الإسرائيلي قد وجه رسالة سرية مباشرة بواسطة السفير الفرنسي لقائد الجيش حسني الزعيم ، بعد نجاح هذا الأخير في القضاء على الثورة الجماهيرية والتظاهرات التي هاجت في مختلف المدن والمحافظات السورية ، كان أعنفها في مدينتي حلب ودير الزور بالإضافة الى دمشق ردا على الهزيمة النكراء للجيوش العربية الجرارة في معركة فلسطين وقيام الدولة العبرية في الخامس عشر من أيار من ذات العام . و لا يمكن اليوم تأكيد حقيقة هذه الاتصالات إلا عبر الوثائق و الشهادات الإسرائيلية ، إذ أن ظروف الصراع الذي امتد لعقود ساهم في تغييب الحقائق من الجانب السوري … وليس أمامي هنا سوى شهادة نذير فنصة كما أسربها الزعيم اليه .. حينها .. و مذكرات بن غوريون عن لقاءات موفديه برياض الصلح و ما قاله الزعيم بالحرف: (بن غوريون أرسل الي رسالة عبر السفير الفرنسي يقول فيها أنه سيدعم أي تحول للسلطة في سورية .. فيما لو قمت بخطوة انقلابية على الرئيس القوتلي ..) .

هذه الرسالة أكدتها ثلاثة أمور أولها نجاح الانقلاب كما كان مخططا له ، والدور الذي لعبه فيه الوزير الأمريكي المفوض في دمشق الكولونيل ميد ، بعد أن أصبح الزعيم رئيسا للجمهورية تم ترتيب اتفاقية الهدنة مع إسرائيل و كان هو الأمر الثالث و الأهم في ذلك الحين ، ففي الساعة الرابعة بعد ظهير يوم العشرين من تموز يوليو 1949 و بعد أقل من أربعة اشهر على انقلاب الزعيم توجه أعضاء الوفد السوري في مفاوضات الهدنة برئاسة الزعيم (عميد) فوزي سلو – أصبح رئيسا للدولة في عهد الشيشكلي – و عضوية العقيد الطيار محمد ناصر – اغتيل فيما بعد – و الرئيس (نقيب) عفيف البزرة – أصبح رئيسا لهيئة الأركان – و الدكتور الحقوقي المستشار صلاح الطرزي – عين فيما بعد سفيرا لسورية في مصر و من ثم موسكو – الى خيمة الأمم المتحدة بحضور المسيو فيجة و الجنرال رايلي مع الوفد الإسرائيلي الذي كان حاضرا ، و تم تبادل الخطب بين الطرفين و التوقيع على اتفاقية الهدنة بين سورية و إسرائيل .. و كان حسني الزعيم قد اقترح سلما منفردا مع إسرائيل في السادس من نيسان عام 1949 مقابل نصف بحيرة طبريا كما تنص عليها مذكرات بن غوريون في وثائق الخارجية الأمريكية ص 990 ، وتثبت أنها ضغطت على بن غوريون كي يجتمع مع حسني الزعيم بشهادة المبعوث الأمريكي الى إسرائيل جيمس ماكدونالد . في الثالث عشر من أيار كتب المفتي الحاج أمين الحسيني الى عادل أرسلان وزير الخارجية في الحكومة التي ترأسها الزعيم يرجوه فيها بأن لا تعترف سورية بإسرائيل.

و يروي رئيس مفرزة الأمن سامي جمعة في كتابه (أوراق من دفتر الوطن) و الذي قدمه له العماد مصطفى طلاس ، و جمعة كان المكلف بحراسة فندق بلودان الكبير و هو المقر الذي يجتمع به الزعيم مع كبار الشخصيات السياسة وأنه شاهد شخصية غريبة ترتدي لباس الجيش السوري استقبلها حسني الزعيم خلال صيف عام 1949 ، و عند تحريه عن هذه الشخصية الغامضة ، تبين له أنها كانت لموشيه شاريت و زير خارجية إسرائيل ، و يؤكد هذه الرواية في مذكراته الأمير عادل أرسلان ، لكن في وثائق الخارجية الإسرائيلية و في أكثرها سرية لم يرد أن وزير خارجية إسرائيل قد زار سورية سرا و بالخفية و أن هذه الرواية حسب شخوص تلك المرحلة و شهادات ضباط استخبارات سوريون يعرفون جمعة .. نفوا هذه الرواية باعتبارها عملا غير مقبول لكي يصمت عنه الساسة و كبار ضباط الجيش أو ادعوا عدم معرفتهم به فقط سامي جمعة كان الشاهد الوحيد عليه و هذا ما قاله لي شخصيا واحدا من كبار شهود تلك المرحلة بأن شهادة جمعة لم تكن ذات مصداقية كما نفاها نذير فنصة في وثيقة أمتلك نسختها الاصلية بعد صدور كتاب سامي جمعة عام 2000..!!

وجوهر الحقيقة تعود الى ما قبل عام وأكثر، عندما التقى رياض الصلح رئيس وزراء لبنان برئيس الدائرة العربية في الوكالة اليهودية ، المولود في دمشق إلياهو ساسون في فندق البريستول بباريس صيف عام 1948، و يبدو جليا من سير الأحداث أن الصلح نقل رسالة ساسون الى حسني الزعيم بواسطة عديله بالمصاهرة أمين عام رئاسة الجمهورية الدكتور محسن البرازي ونقلها البرازي الى حسني الزعيم قائد الجيش أنذاك بحكم صداقته القوية به وقد اختاره بعد توليه رئاسة البلاد كآخر رئيس للوزارة حيث أعدم الاثنان في انقلاب سامي الحناوي.

لقد أراد إلياهو ساسون الذي كان مندوب الجالية اليهودية لسورية في المؤتمر القومي السوري الذي استقبل الأمير فيصل بن الشريف حسين وملكه على سورية قبيل هجرته الى فلسطين وانضمامه الى القسم السياسي للمنظمة الصهيونية اختراق الزعماء والنخب السياسية والقيادية في العالم العربي ، بحكم معرفته الأسبق لغالبيتهم ، وكانت له علاقات طيبة وودية مع أكثرهم ، وفي سابق اللقاءات في تلك المرحلة كان قد تم لقاء بين جميل مردم بك مع إلياهو ساسون عام 1936 في باريس ، ألحقه باجتماع موسع في العام الذي يليه 1937 ضم اليه وزير الدفاع أنداك شكري القوتلي وفخري البارودي الذي كان يرأس التنظيم الشبابي شبه العسكري (القمصان الحديدية).

وفي الخمسينات كانت المعركة في سورية استخباراتية بامتياز لعبت خلالها شركات النفط و الأسلحة دورا بارزا في تأجيج الصراع ، تدخلت فيها بنوك أوربية في تلك المرحلة التاريخية بقيت أسرارها الى اليوم في الظلال ، لتبدأ ملامح المرحلة الجديدة بالتقدم، بعد التأميم و صعود نجم جمال عبد الناصر لحين استلامه مقدرات سورية ,و تنتهي أحلام الوحدة النهاية المعروفة و المتوقعة لعهد المباحث ، باعتبار إسرائيل العدو رقم واحد للشعب العربي ، و كان أي اتصال عبر القنوات السرية بهذا العدو يعد خيانة بلغت فيها تصورات الكراهية للدولة المعتدية أبعادا أكثر عنفية للتهيئة لرسم حدود جديدة أحدث كما تحدث عنها الصحفي الهندي كارنيجا في كتابه الشهير( خنجر إسرائيل ) بأن الدولة العبرية ستعمد الى احتلال أراض جديدة للعرب و تفاوض عليها و كانت تلك هي الطريقة الأسلم لقبول إسرائيل في المحيط العربي ..كما ستضح الصور اللاحقة و الكاملة للصراع ، و في وثيقة بالغة الأهمية كتبت بخط العقيد إبراهيم الحسيني رئيس الشعبة الثانية للجيش السوري – المخابرات – ( اغتيل العقيد الحسيني بعد بضع سنوات في ظروف غامضة في المملكة العربية السعودية ) ، وجهها الى الرئيس جمال عبد الناصر عام 1957 ( كان حينها ملحقا عسكريا في السفارة السورية بروما ) من أربعة عشر صفحة من القطع الكبير .. قدر لي الاطلاع عليها و دراسة تفاصيلها عن التصعيد الاستخباراتي الإسرائيلي الواسع في سورية و توجه إسرائيل ليس للاتصال بعدد من الشخصيات السورية السياسية و العسكرية فحسب ، بل و تهيئتهم لاتخاذ أدوار مستقبلية ، و يتابع أن بعضهم قد تم تجنيده فعلا من قبل الموساد الإسرائيلي ، وبعد مرور بضعة سنوات على قراءة عبد الناصر لهذه الوثيقة ‘ و في الرابع من كانون الثاني عام 1965 يعلن نظام البعث الحاكم في سورية الكشف عن الجاسوس الإسرائيلي .. إيلي كوهين الذي بقي يعمل ثلاث سنوات بحرية مع كبار الضباط و صغارهم و الساسة البعثيين ، اخترق خلالها الجبهة السورية أكثر من مرة ‘ و استخدمت قضية اكتشافه لإيقاد الصراع القائم آنذاك بين رفاق و فرقاء الحزب و تكتلاته ، و كان بينهم شخصيات قوية تم القضاء عليها فيما بعد كسليم حاطوم و بدر جمعة – أعدما فيما بعد – أو منهم أقيل و ثم سجن .. كاللواء سويداني و منهم من غدا رئيسا للاستخبارات السورية و كان حينها ملازم كاللواء محمد ناصيف والرائد حافظ الأسد الذي رفع الى رتبة لواء في العام 1964 ومنهم من صار وزيرا لأكثر من مرة في عهد الأسد الأب , بالرغم من أن كوهين كان تدريبه متعجلا في إسرائيل فلم يكن ذلك الجاسوس الأسطورة كما حاولت الروايات أن تصوره الا أن شهادة عدد من شهود قضية كوهين تؤكد أن حافظ الأسد كان من بين المترددين على كوهين ‘ و لكن لم يجرؤ أحد من الضباط المقالين أو المتقاعدين على تأكيد هذه الشهادة ‘ و لا زالت هناك إشارات استفهام عالقة حول قضية المحيطين بكوهين الذين حقق معهم اللواء صلاح الضلي

‘ و قال شهادته الخطيرة قبل رحيله في أركان الحكم البعثي ، الذي كان هو واحدا من أبرز نجومه ، وفي شهادة أحد المقربين من تلك الواقعة يؤكد فيها أن كوهين قدر له بواسطة أحدهم من اختراق المحرم من المطار، و هو برج المراقبة للمطار المدني و العسكري القائم آنذاك في المزة حيث كان في زيارة لأحد أصدقاءه من العاملين في البرج أسمه إيلي الماظ ، مكنته إطلالته تلك الاطلاع على حجم القوة الجوية الرابضة في المطار العسكري ، وتؤكد مجريات التحقيقات أن الضلي قد أغفل تتبع خيوط هذه الزيارة ، و التي ماكانت لتتم دون موافقة من حافظ الأسد الذي كان وقتها قائدا للقوى الجوية .

اقرأ:

سعد فنصة: سورية وإسرائيل.. الاتصالات السرية في عهد حسني الزعيم (1-3)

كوهين الحقيقة المنقوصة -

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات