بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
التاريخ يليق بالجديرين به.
  06/02/2009

 التاريخ يليق بالجديرين به.

أثار غضب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في مواجهة شيمون بيريز في "منتدى دافوس" الاسبوع الماضي حماسا منقطع النظير في العالم العربي وذلك إلى حد اعتقاد إحدى الصحف التركية ان ما فعله يذكر الرأي العام العربي بمواقف الرئيس الراحل جمال عبدالناصر. والراجح أن الزعيم التركي ما كان يريد الذهاب الى هذا الحد في المقارنة فهو يدرك ان بلاده تقيم علاقات اساسية مع اسرائيل وان الجنرالات الاتراك الذي يتمتعون بوزن حاسم في تركيا لايريدون لرئيس وزرائهم لعب هذا الدور الذي يعني في ما يعنيه السير في اتجاه يفضي عاجلا ام اجلا الى قطيعة مع الدولة العبرية ليست في مصلحة الطرفين بحسب تصريحات صادرة في انقرة وتل ابيب معا.
واذا كان تعطش الرأي العربي مفهوما لمثل هذه الغضبة التي جاءت من موقع غير معروف بمثل هذه المواقف ولم يصدر عنه من قبل ما ينبيء بها واذا كان صوت اردوغان المرتفع ضد الكيان الصهيوني قد تردد لاكثر من ثلاث مرات خلال حرب غزة ناهيك عن مقاطعة الرئيس عبدالله غل لحفل العشاء الاوروبي مع ايهود اولمرت عشية وقف النار الاسرائيلي من جانب واحد اذا كان ذلك كله مفاجئا للوهلة الاولى فان "العجب" قد ينحسر اذا ما عرف "السبب" ومع انحساره قد يتضح أن الرأي العام العربي اسقط مشاعره الحارة على أردوغان في غمرة الحماس والانفعال والاشمئزاز والسخط ازاء المواقف المتخاذلة لمرجعيات عربية اساسية فضلا عن جرائم الابادة التي ارتكبها "الكيان" في القطاع الفلسطيني المحاصر من جميع معابره.
ما من شك ان اردوغان تصرف كالمايسترو الماهر في هذه القضية لانه يعرف عن كثب حقيقة ما يدور في بلاد العرب ولانه يدرك ان دور الوسيط المرشح ان تلعبه بلاده في القضية الاهم في الشرق الاوسط يستدعي تعاطفا من النوع الذي شهدنا مظاهره. إذ من غير المتوقع ان تنجح انقرة في لعب هذا الدور بالاستناد الى السلطة الوطنية الفلسطينية حصرا طالما ان ادارة الرئيس محمود عباس تفضل مصر والمعتدلين العرب وليست بحاجة ماسة للدور التركي وعليه كان لا بد من الاقتراب خطوات الى الامام من "حماس" وجمهورها المتنوع الحساسيات ناهيك عن سوريا والممانعين العرب الذين باركوا التحرك التركي وخصصوا مكانا مهما للاتراك في قمة الدوحة.
ثمة من يقول ان اردوغان ما كان مجبرا على التعبير عن موقف بلاده في هذه القضية باللغة السياسية الغاضبة التي استخدمها إذ كان بوسعه النطق بما قاله بلغة دبلوماسية تؤدي الغرض بل تجنبه سؤ التفاهم مع جنرالات الجيش في بلاده ومع السلطات العبرية في آن واحد. ما يعني ان دوافع اخرى حملته على الخطابة الحادة ضد الحرب الهمجية على غزة. ولربما امكن حصر هذه الدوافع في الخطوط التالية:
اولا: شعر اردوغان بانه تعرض لخدعة كبيرة من طرف ايهود اولمرت الذي ذهب الى تركيا قبل ايام من شن الحرب على غزة في محاولة مكشوفة للتغطية على ساعة الصفر وبالتالي استخدام عنصر المفاجأة في ضرب المقاومة الفلسطينية وقياداتها. ولعل الخداع الاسرائيلي لتركيا لم يكن الاول من نوعه فالشائع ان قصف الموقع السوري في دير الزور تم من الاراضي التركية وبعد مداولات تركية اسرائيلية وسورية تركية حول الجولان عشية الغارة على الموقع المذكور.
ولم يتردد الزعيم التركي بالتعبير عن احساسه بالاهانة تجاه هذا النوع من المناورات الرخيصة فقد أكد في تصريح علني ان الرعاية التركية للمفاوضات السورية ـ الاسرائيلية كانت قاب قوسين او ادنى من الختام" ... لان الامر كان يحتاج فقط الى بضع كلمات فاذا باولمرت يشن الحرب" على حد تعبيره.
ثانيا: تعرض اردوغان لمعاملة مهينة على احد الحواجز الاسرائيلية في الضفة الغربية حيث اوقف موكبه لاكثر من نصف ساعة خلال زيارة مبرمجة قبل الحرب الى مقر المقاطعة في رام الله وقد اشار الى هذه الواقعة في كلمته الشهيرة امام البرلمان التركي.
ثالثا: من غير المستبعد أن يكون اردوغان قد اصيب بجرح شخصي ازاء الاستخفاف الاسرائيلي بموقعه كرئيس للحكومة التركية تماما كما شعر الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك خلال زيارته الشهيرة للقدس ومن غير المستبعد ان يكون غضب اردوغان من نفس طينة غضب شيراك العلني ضد الاستخفاف الاسرائيلي.
رابعا: الراجح ان غضبة اردوغان مرتبطة جزئيا بحسابات انتخابية خصوصا انها جاءت مغلفة بلهجة قومية افتخارية ولعل هذا مايفسر مخاطبته بيريز بالقول".. انت لا تتحدث الى زعيم قبيلة. صحيح انني رئيس حزب لكنني رئيسا للحكومة التركية" واضاف في تصريح لاحق انه لايقبل بان تهان بلاده بهذه الطريقة وان كان ذلك قد حصل من قبل فهو " لن يحصل بعد اليوم." والواضح ان اللغة القومية التركية التي ميزت كلامه من شانها ليس فقط ان تعزز موقع حزبه الانتخابي وانما ايضا يمكن ان تكبل ردود فعل الجيش والمعارضة العلمانية وهو ما وقع بالفعل.
خامسا:لقد وفر منتدى دافوس فرصة ذهبية لاردوغان لاطلاق غضبه فهو جاء بعد وقف النار وفي ظل عزلة صهيونية واضحة و ادانة اخلاقية عالمية الطابع لم تتعرض اسرائيل لمثلها من قبل. وقد ساعده اداء شيمون بيريز الركيك فضلا عن غطرسته ووقاحته .
يبقى القول أن الحظ كان حليف الزعيم التركي فقد ادى ارتباك عمرو موسى وعزوفه عن مغادرة القاعة تضامنا ناهيك عن تدخله "الدبلوماسي" !! في النقاش المحتدم ادى ذلك الى خروج تركي مظفر عززه متظاهرون اتراك هتفوا لزعيمهم " فاتح دافوس" وخروج عربي من الباب الخلفي اقل ما يقال فيه انه لايدعو للفخر. وفي ذلك مصداق للقول أن المواقف التاريخية تليق بالرجال التاريخيين حصرا.

 فيصل جلول

مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات