بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
مفارقات القمم العربية المؤلمة
  30/03/2009

مفارقات القمم العربية المؤلمة
عبد الباري عطوان
شهدت المنطقة العربية في الشهرين الماضيين انعقاد اربع قمم عربية، احداها اقتصادية في الكويت، وثانية طارئة ناقصة النصاب في الدوحة، وثالثها خليجية في الرياض بين القمتين الأولى والثانية، والرابعة رباعية لتحقيق المصالحة، ناهيك عن قمتين في شرم الشيخ، الأولى لدعم مبادرة مصرية، والثانية لدعم إعمارقطاع غزة. انها 'زحمة' قمم، ولكن النتائج قليلة ان لم تكن معدومة، فلا المصالحة العربية تحققت، ولا غزة تعمرت، ولا المبادرة المصرية اثمرت على ارض الواقع.
قمة الدوحة العربية العادية التي تبدأ اعمالها اليوم لن تكون استثناء، فالعيب ليس في مؤسسة القمة، وانما في معظم المشاركين فيها، فهذه المؤسسة تقوى عندما يكون هؤلاء اقوياء،وتضمحل فاقدة معانيها عندما يكون هؤلاء ضعفاء. ولا نعتقد ان المنطقة العربية شهدت في اسوأ عصورها زعماء على هذه الدرجة من الضعف وقلة الحيلة، واذا كانت هناك استثناءات فهي ضئيلة او نادرة.
فكرة القمم العربية بدأت عام 1964 على يد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ومن اجل بحث تحويل اسرائيل لمياه نهر الأردن، ولمعالجة تحديات تواجه الأمة العربية، ولكن منذ انعقاد قمة القاهرة عام 1990 لبحث الغزو العراقي للكويت، اصبحت هذه القمم بلا قيمة حقيقية، واذا نجحت فمن اجل تحقيق املاءات امريكية، ابتداء من استضافة نصف مليون جندي امريكي، تحت عنوان تحرير الكويت، وانتهاء باصدار ثم اعادة اصدارمبادرة سلام عربية وفق المواصفات الاسرائيلية والامريكية.
شخصياً كنت دائماً من المعارضين للقمم العربية، والساخرين من مراسمها. ولكنني بدأت اغير وجهة نظري، ليس لأنها اصبحت مجدية، وانما لأنها باتت مسلية، مثل المسلسلات المكسيكية، او التركية الأحدث انتشاراً. فالمواطن العربي لم يعد ينتظر من هذه القمة اية انجازات اوقرارات، ولكنه اصبح يتابعها من اجل ما يحدث فيها من مفارقات.
مثلاً المواضيع الأكثر إثارة في قمة الدوحة لم تكن القضايا الثلاث المدرجة على جدول اعمالها وهي المصالحة العربية والموقف من ايران، والصراع العربي الاسرائيلي، وانما هل سيشارك الرئيس السوداني عمر البشير فيها ام لن يشارك، واذا شارك هل سيعود سالماً الى الخرطوم، ام ستتعرض طائرته للخطف تنفيذاً لأمر اعتقال صادر عن محكمة الجنايات الدولية؟
انباء المشاركة او المقاطعة باتت الشغل الشاغل لرجال الصحافة والاعلام وجيش الفضائيات العربية. واذا كانت اسباب الحضور معروفة، فان اسباب المقاطعة ما زالت مجهولة، وان كان 'الحرد' هو العمود الفقري فيها.
الرئيس حسني مبارك الذي يمثل اكبر دولة عربية قرر المقاطعة 'حرداً' على قطر، وبسبب قناة 'الجزيرة' وموقفها من التقاعس المصري الرسمي تجاه العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة، واستضافتها محللين انتقدوا الموقف الرسمي المصري بقوة، حرصاً على مصر ومكانتها ودورها.
الكبير من المفترض ان يترفع، وان يتصرف ككبير ويقود السفينة العربية، ولكن يبدو ان الرئيس مبارك نجح في عزل مصر الكبيرة، وضاعف من حجم دولة قطر الصغيرة. فقد كان مفهوماً ان يعارض المشاركة في قمة دمشق السابقة، لأنه كان يتزعم معسكراً من المقاطعين من الوزن الثقيل مثل المملكة العربية السعودية والأردن واليمن والمغرب وسلطنة عمان، ولكنه الآن يقاطع القمة وحده، بينما أقرب حلفائه يشدون الرحال الى الدوحة، الواحد تلو الآخر، ويتركونه يقضم اظافره في شرم الشيخ غضباً او قلقاً.
لا نعرف بعد أياً من المفاجآت ستقع في قمة الدوحة، ففي قمة القاهرة عام 1990 حدث قصف بالأطباق وطفايات السجائر بين وفدي العراق والكويت، الأمر الذي جعل الزعماء يتدافعون بحثاً عن اقرب ملاذ آمن. اما في قمة القاهرة عام 2003، اي قبل غزو العراق، فشاهدنا قصفاً بالشتائم موجهاً من العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز باتجاه الزعيم الليبي معمر القذافي، الذي فوجئ بالهجوم مما افقده زمام المبادرة، وهو المفوه، والمعروف بنزقه عند الغضب.
الزعيم الليبي نفسه قدم محاضرة طويلة لنظرائه العرب اثناء افتتاح قمة دمشق الأخيرة، وحذرهم من مواجهة مصير الرئيس العراقي صدام حسين نفسه، ووضعهم في اقفاص امريكية. نبوءة الزعيم الليبي تحققت بأسرع مما كان وكنا نتوقع، فبعد عام اصدرت محكمة الجنايات الدولية قراراً باعتقال الرئيس البشير، واصبح الرجل يسافر 'متخفياً' على طريقة زعيم تنظيم القاعدة الشيخ اسامة بن لادن ونائبه ايمن الظواهري.
السؤال الذي تُنتظر اجابته في اليومين المقبلين هو عما سيحدث عندما يتواجد الزعيم الليبي مع العاهل السعودي في غرفة واحدة، هل سيتبادلان التحايا مثلما تقتضي الأعراف والتقاليد العربية، ام سيكرران واقعة قمة القاهرة، ام يتعانقان ويتصالحان ويطويان صفحة الماضي الاليمة؟
لا نستطيع الاجابة مسبقا، لأننا لا نقرأ الطالع ولا نضرب في الرمل، وما يمكن قوله إن كل شيء جائز في هذا الزمن العربي المغرق في رداءته. والأمور مفتوحة على جميع الاحتمالات.

نعود الى القضايا الاساسية المطروحة على القمة، ونقول ان الملف الايراني تراجع ولو مؤقتاً، لأن الدولة المضيفة قررت عدم دعوة الرئيس الايراني احمدي نجاد التي اتخذها الرئيس مبارك كإحدى الذرائع لمقاطعة القمة، مثلما قالت اجهزة اعلامه. اما بالنسبة الى قضية الصراع العربي الاسرائيلي المزمنة، فقد كرر البيان الختامي الذي اعده وزراء الخارجية التحذير من ان مبادرة السلام العربية لن تظل مطروحة على الطاولة الى الأبد، ولكنهم لم يحددوا جدولاً او سقفاً زمنياً لهذه التحذيرات، لأن البديل وببساطة شديدة هو الصدام مع اسرائيل حرباً او سياسة، ولا احد يجرؤ على مجرد التفكير في هذا الخيار.
تظل القضية الثالثة، وهي المصالحة العربية، الأكثر اثارة وأهمية، لأنها توشك ان تصبح قضية مزمنة مثل قضية الصراع العربي الاسرائيلي، تُرحّل من قمة عربية الى اخرى دون البت فيها بشكل حاسم.
السيد عمرو موسى امين عام الجامعة العربية 'نحت' فتوى غريبة في مؤتمره الصحافي الذي عقده يوم امس الأول عندما قل ان الزعماء العرب قرروا البحث في كيفية 'ادارة الخلافات العربية'. السيد موسى شوّش تفكيرنا، فنحن نعرفه كأمين عام لجامعة الدول العربية، وليس اميناً عاماً للمجمع اللغوي العربي، ينحت المصطلحات النحوية والبلاغية.

تعودنا على عبارة 'ادارة الأزمات السياسية'، ولكن عبارة 'ادارة الخلافات العربية'، فهذا امر جديد علينا، فنحن لا نفهم لماذا اختلف الزعماء العرب، حتى نفكر في كيفية تحقيق المصالحات بينهم. فقد قيل لنا ان الخلافات هي بشأن منع سورية لانتخاب رئيس لجمهورية لبنان، والتدخل في شؤون الأخير الداخلية، وعدم الاعتراف به كدولة مستقلة. الرئيس اللبناني انتخب وسيشارك في القمة، وبالأمس القريب جرى الاحتفال بافتتاح سفارة لبنانية في قلب دمشق، فلماذا الخلافات إذن؟
هل الخلافات العربية تتمحور حول ايران والعلاقة معها؟ اذا كان الامر كذلك، فالادارة الامريكية التي خلقت الأزمة، وقسّمت العرب الى معتدلين وممانعين بصدد فتح حوار مع ايران، وتتفاوض معها للعب دور اساسي في افغانستان، وهناك من يخشى ان توقع صفقة تعترف بنفوذها في منطقة الخليج العربية، وتتوجها قوة نووية. فهل مصطلح 'ادارة الخلافات' يعني اليأس من اخراج سورية وحزب الله وحماس من المحور الايراني، والتعامل مع هذه الأطراف على هذا الأساس؟
قمة الدوحة لن تختلف كثيراً عن القمم العربية عموماً، وان كانت تختلف قليلاً عن قمة دمشق من حيث حضور عدد اكبر من الزعماء ومن حيث عكس انفراج او كسر جليد، بين العاهل السعودي والرئيس السوري، ولكن دون تحقيق تقدم ملموس على صعيد القضايا العربية الأكثر إلحاحاً.
ما حدث هو نصف مصالحة عربية، وعزل مصر لنفسها، وبداية ذوبان ما يسمى بمحور الاعتدال الذي اصبح يتيماً بعد افول نجم الرئيس بوش، وغياب كوندوليزا رايس من الساحة. ولكن ما هو اخطر من هذا وذاك ان نصف المصالحة هذا، قد ينعكس سلباً على مصالحة أخرى، وهي المصالحة الفلسطينية، لأن غياب الرئيس مبارك هذا قد يؤجلها ان لم يكن قد نسفها.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات