بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
استقالـة مـن فلسطيـن
  15/04/2009

استقالـة مـن فلسطيـن؟

طلال سلمان

تتوالى استقالات «العرب»، دولاً ومؤسسات وأفراداً، من المسؤولية عن فلسطين، قضية مقدسة ومصير شعب عربي مجاهد كأعظم ما يكون الجهاد.
أخطر ما تم في هذا السياق «استقالة» مصر من مسؤوليتها عن فلسطين وشعبها وقضيتها المقدسة ... فهي تكاد تعني الاستقالة عن المسؤولية عن مصر، أرضاً وشعباً ومصيراً.
لقد أخلت مصر، بمعاهدة الصلح المنفرد، ميدان القضية الفلسطينية لإسرائيل.
بالمقابل فإن تلك المعاهدة التي يرى فيها كثير من العرب «خروجاً مصرياً من ساحة القضية الفلسطينية»، لم تبدل «طبيعة» إسرائيل كمشروع استعماري ـ استيطاني طارئ على المنطقة، لا هو من أهلها، ولا يعنيه غير الهيمنة المطلقة عليها بموقعها الاستراتيجي الخطير وبثرواتها الخرافية.
بل ان خروج مصر من ساحة الصراع قد عزز لدى الاسرائيليين الشعور بالتفوق المطلق على باقي أعدائها من العرب، ثم انه فتح أمامها المنطقة على اتساعها.
وهكذا فإن إسرائيل قد انصرفت، بعدما أراحتها معاهدة الصلح بإخراج مصر من ميدان المواجهة، الى تعزيز قدراتها العسكرية، وهي في الأصل هائلة وتكاد تفوق مجموع القدرات العربية، بل إنها تحولت الى تاجر دولي في سوق السلاح، يبيع أسلحته المطورة لعديد من الدول الكبرى بينها الهند ثم روسيا التي اشترت منه الطائرات من دون طيار التي أجرت تمارينها جميعاً ميدانياً على اللحوم العربية!
ولأن فلسطين كانت تمنح مصر مشروعية الدور العربي القيادي والدور الدولي البارز، فإن غياب مصر عن دورها هذا، تسبب في أن تصبح إسرائيل هي «المرجعية» الوحيدة للقضية الفلسطينية، الى حد بعيد، خصوصاً أن اتفاق أوسلو الذي ولد في حضانة معاهدة الصلح المصرية مع إسرائيل، جعل الفلسطينيين، شعباً وأرضاً وقضية، رهائن لدى الأعظم تطرفاً من ساسة إسرائيل.
ومع هذا التطور الخطير تضخم دور إسرائيل في المنطقة وتعاظم تأثيرها على مجريات الأحداث، بل لقد تبدت في صورة صاحب القرار بشأن المنطقة، سلماً وحرباً..
ومع التشوة الذي أصاب القضية الفلسطينية، نتيجة هذين التطورين التاريخيين، تراجع الوعي العربي بخطورة المشروع الإسرائيلي، وصرت تجد في الشارع العربي من يجهر بضرورة التخلي عن شعارات العداء لإسرائيل، بزعم أنها صارت دولة «عادية» من دول المنطقة، بل أقوى دول المنطقة، وعلينا أن نسلم بوجودها وأن نتعامل معها كواقع قائم لا يمكن تغييره.
بالمقابل، وجد من ينفخ في رماد الفتنة، ومن نجح في استخدام الطائفية ضد الوطنية، والمذهبية ضد العروبة، والهرب من الواجب القومي تجاه شعب فلسطين وقضيتها المقدسة الى التلطي بالعجز عن مواجهة إسرائيل، التي تحظى بتأييد العالم أجمع ... ومن ضمنه بعض النظام العربي أو معظمه.
وهكذا بات اغتيال مجموعات من الفلسطينيين أو اعتقالهم بالجملة، في الضفة الغربية أو في غزة، خبراً عادياً، لا يحظى بأي اهتمام خاص.
كذلك لم يعد «تذويب» الإسرائيليين فلسطين أمام عيوننا سبباً للشعور بالخطر، فصرنا نكتفي بالتحسر، أو قد ننصرف عن المشاهد التي تنقلها الفضائيات عن مصادرة أحياء بكاملها في القدس الشريفة، عند عتبة الحرم القدسي، أو في محيطه المباشر، أو عن مسح بلدات وقرى فلسطينية عريقة في الضفة الغربية ومصادرة أراضيها لاستنبات مستعمرات جديدة أو توسيع مستعمرات قائمة، وطرد أهل الأرض الى لا مكان.
بتنا نسمع الأخبار عن فلسطين، بمدنها وقراها ومخيمات اللجوء، بعذاب الرجال والنساء والأطفال، فنهز رؤوسنا بشيء من الألم المختلط باليأس، ثم نعود الى انهماكنا بما كنا فيه.
نقرأ في الصحف، أو نسمع عبر الإذاعات والفضائيات، عن الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني بالرعاية المصرية، معززاً بتصريحات مطولة لأقطاب أهل السلطة أو قادة القائلين بالجهاد، ونتابع هذا المسلسل المتهافت الذي لا ينتهي، بالخطب والبيانات التوضيحية، فنهز رؤوسنا بكثير من اليأس، ونمضي في طريقنا متحسرين على فلسطين.
.. ثم نقرأ أو نسمع أو نشاهد مسؤولين من مصر أو من أقطار عربية أخرى، يشيدون بالحوار والروح التصالحية والايجابيات التي يظهرها الأطراف جميعاً، فنتأكد من أن كارثة جديدة في الطريق.
ما طرأ مؤخراً على أسلوب التعاطي المصري مع الشأن الفلسطيني مثير للاهتمام، بما يتضمنه من مؤثرات.
لقد قررت جهات نافذة أن قضية فلسطين شأن مصري داخلي لا حق لأحد بأن يقترب منه أو يتدخل فيه بأي شكل من الأِشكال.
ولقد وقع هذا التطور متزامناً مع قرار إسرائيلي مشابه يقول بأن فلسطين جميعاً، بالضفة الغربية وغزة وفلسطينيي 1948، هو شأن إسرائيلي بالمطلق، لإسرائيل وحدها أن تقرر فيه بغير شريك ... فإذا كان لا بد من وسيط في لحظة ما فلا يكون إلا مصر، ومصر وحدها، ومن خلفها اللجنة الرباعية وأوروبا التي أضاعت خريطة الطريق من مؤتمر أنابوليس الذي قرر أن إسرائيل دولة اليهود، واليهود فقط.
كانت «اللغة الحربية» قد اختفت من الإعلام المصري الرسمي، منذ زمن بعيد، وسادت فيه نبرة هادئة لا يدهمها الانفعال ولا يجتاحها الغضب إلا نادراً وفي حالات استثنائية جداً، وحين يتصل الأمر بتحديات يواجهها النظام من داخله.
وكان ذلك في جانب منه، نتيجة لانسحاب النظام المصري من ساحة الصراع العربي ـ الاسرائيلي، منذ زمن بعيد ... اذ لم يعنه ما تفعله إسرائيل في فلسطين، سواء في ذلك ما يتصل بحركة الاستيطان واستقدام المستعمرين من أربع رياح الأرض للاستيلاء على أراضي الفلسطينيين بالقوة، وطردهم من مدنهم وقراهم، وتجريف أراضيهم الزراعية لبناء المزيد من المستعمرات.
ولم يعد يهتم لما يصيب القدس من محاولات لاستكمال تهويدها وطرد من بقي من أهلها العرب فيها.
إلا أن النظام المصري انتبه فجأة الى ما وقع في غزة، ورأى خطراً جسيماً في انشقاق السلطة على ذاتها، ثم رأى الخطر داهماً حين استقلت «حماس» بهذا القطاع المكتظ بسكانه الفقراء والمرتبط حياتياً، وأمنياً، بمصر أساساً.
من قبل، وفي الحرب الإسرائيلية على لبنان، وقفت السلطة في مصر «موقفاً محايداً»، ولم يكن ثمة مجال للحياد، لذلك فقد رأى فيه كثيرون انحيازاً الى إسرائيل، أو ـ أقله ـ امتناعاً عن نصرة لبنان ولو بموقف سياسي مؤثر كان اللبنانيون وسائر العرب يفترضون بل ويعرفون أن مصر تقدر على اتخاذه إذا ما قررت... وإلا فما قيمة معاهدة الصلح إن كانت تعني سلامة النظام المصري على حساب حياة المصريين وسائر العرب؟!
أما في الحرب الإسرائيلية على غزة، نهاية العام الماضي، فكان متعذراً على السلطة في مصر أن تدّعي الوقوف على الحياد ... بل هي قد أنحت باللوم على حماس وانقلابها على «السلطة» الفلسطينية، وطمأنت قوى الاجتياح وآلة التدمير الإسرائيلية بأن أدارت وجهها الى الناحية الأخرى، معتبرة أنها حفلة تأديب لهؤلاء المنشقين من الفلسطينيين الذين ذهبوا الى إيران ليحاربوا منها ومعها مصر، وليس إسرائيل.
ذلك أن النظام في مصر كان، منذ اللحظة الأولى للانشقاق الفلسطيني، قد انحاز انحيازاً مطلقاً الى سلطة محمود عباس ... وكان في ذلك الموقف المعزز دولياً ما يشجع على حرب أهلية فلسطينية.
وفي ظل هذا المناخ كان سهلاً على إسرائيل أن تشن حرب تدمير وإبادة على قطاع غزة، بعمرانه وأهله، نساء وأطفالاً وشيوخاً، جامعات ومستشفيات ومدارس وبيوتاً ومخيمات لجوء.
وكان ما كان مما لا يمكن أحداً أن ينساه.
ما سر هذه الحرب الإعلامية الفاحشة التي جند لها النظام في مصر كل رجاله وخبرائه وكل صداقاته العربية والدولية، مع «اكتشاف» أن عنصراً من «حزب الله» كان يجتهد لإيصال بعض لوازم المقاومة الى قطاع غزة؟!
بالتأكيد لم يطلب أحد من مصر، في سابق الأيام، ولا هو سيطلب منها اليوم، العودة الى ساحة المواجهة مع إسرائيل ومشروعها التوسعي الاستيطاني الذي سيلغي فلسطين شعباً وقضية، وسلطة مشلولة وحلماً بدولة لا أرض لها ولا قوام.
مع ذلك فإن بعض الإعلام المصري، والرسمي على وجه التحديد، قد استعاد لغة مهجورة منذ زمن بعيد، وركز مدفعيته الثقيلة على «حزب الله» وأمينه العام السيد حسن نصر الله، موجهاً اليه اتهامات تنوء تحت أثقالها دول عظمى، مستخدماً صفات تحقيرية لم يوجه مثلها في أي يوم لا الى موشى دايان ولا الى أرييل شارون ولا الى نتنياهو ولا حتى الى ليبرمان الذي سبق أن هدد بتدمير السد العالي وقصف دار الرئاسة في القاهرة.
حتى في أشد أيام الحرب مع إسرائيل قسوة، لم يقل هؤلاء الكتبة في قتلة الأطفال المصريين في مدرسة بحر البقر، كلاماً مهيناً وبذيئاً ونابياً ومجافياً للذوق كالذي قالوه في الأمين العام لحزب الله في لبنان.
ولسنا هنا لندافع عن السيد حسن نصر الله، الذي ترى فيه كثرة من العرب والمسلمين مجاهداً بطلاً حقق إنجازاً تاريخياً حين تولى قيادة الرد على الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو (تموز) 2006 فمنع على «الجيش الذي لا يقهر» تحقيق النصر، بل رده على أعقابه خائباً، وجعل كل إسرائيلي يشعر بأن عهد الانتصارات المجانية لإسرائيل قد ولى بلا عودة.
إننا ندافع عن مصر التي هي في عيوننا أكبر بكثير من هذا الموقع الذي انحدر بها إليه هذا النفر من الشتامين والكتبة الذين أساؤوا الى مصر وكرامتها والى صحافتها بدورها التنويري العظيم، تاريخياً، والى ذاكرة أبطالها من الذين واجهوا المحتل الإسرائيلي فهزموه، أكثر مما أساؤوا الى حسن نصر الله و«حزب الله».
فمصر لن تكون أبداً مع إسرائيل في خندق واحد،
ومصر ستبقى مع فلسطين وشعبها، قلبها يخفق لكل مجاهد يقاتل الاحتلال الإسرائيلي، ويدها تمتد اليه لتحييه وتسانده وتحميه.
والقضية سياسية أولاً وأخيراً، والكلمة فيها للشعب المصري الذي لن ينسى فلسطين وشعبها ولو كره الكارهون.
([) تنشر «السفير» النص بالتزامن مع صحيفة «الشروق» المصرية
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات