بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
المقاومة حياة المبادرة العربية ومقتلها
  17/04/2009

المقاومة حياة المبادرة العربية ومقتلها


حين تحتاج إلى سلعة ما فعليك أن تدفع ثمنها، وبمقدار ما يشعر البائع بحاجتك إليها ورغبتك فيها، يغلي الثمن، ولذلك يلجأ بعض أصحاب الخبرة من المشترين إلى التظاهر بعدم الرضا عن السلعة المعروضة، أو عدم الاهتمام بها، ليحملوا البائع على خفض سعرها. والأمر نفسه يحصل إذا كنت أنت البائع وكان ثمة من يريد شراء سلعة منك. وإذا وجد طالب السلعة أنه يستطيع الحصول عليها مجاناً، فإنه لا يعود في حاجة إلى المساومة ولا إلى استعمال الحيل التجارية.
الصلح المرفوض ثم المتاح
وهكذا شأن مشاريع الصلح والسلام مع العدو الصهيوني؛ فحين كان العرب مصرّين، شعوباً وحكومات، على استرجاع الحق المغتصب، واعتبار الوجود الصهيوني غير شرعي وواجب الزوال، وكان لهم مصادر للسلاح يمكن أن تجعلهم أنداداً للعدو إذا أحسنوا استعمال التكنولوجيا الحديثة، وكان العمل الفدائي لا يزال في أوجه على جبهات عربية متعددة، كان العدو الصهيوني يسعى بكل طاقته للحصول على سلعة السلام، يشتريها بأي ثمن، لأنه كان في أمسّ الحاجة إليها، بل كانت هي غاية ما يحلم به، ويعدّها مراماً بعيد المنال أو مستحيلاً، لأن العرب كانوا يرفضون حتى التفكير في عروضه.
لكن بعد حروب متعددة احتل العدو أراضي إضافية في مصر وسوريا ولبنان والأردن، ووضع جميع المناطق الفلسطينية تحت سلطته، وفرض الصلح على أكبر دولة عربية، هي مصر، وجعلها على الحياد في الصراع العربي الصهيوني، ودخل إلى أسواقها وإعلامها، وحينئذ تبدَّل الوضع، فصار السلام متاحاً، أي صارت السلعة ممكنة الشراء، وكان ثمنها المعروض أن يعيد العدو إلى العرب بعض الأراضي التي احتلها، والتي تفرض القرارات الدولية الانسحاب منها.
السلام مقابل السلام
وتفاقم الهزال العربي: حرب أهلية في لبنان، وحرب عراقية إيرانية، واحتلال العراق للكويت، وحرب أولى على العراق أخرجته من الكويت، ومحاصرة المجتمع الدولي له حتى الإنهاك، واضطرابات شتى في مختلف الدول العربية، وتسلل العدو الصهيوني إلى بلاد العرب بسبب معاهدة مخيم داوود، وبسبب احتلال لبنان ودخول الموساد إليه وزرع عملاء له فيه، وبسبب الصلح مع الأردن، وبسبب بدء إقامة بعض الدول العربية الأخرى علاقات سرية أو محدودة مع العدو؛ وكل ذلك أدخل العالم العربي في مسالمة ضمنية للعدو، فلم يعد في حاجة ماسة إلى تلك السلعة، ولذلك أسقط نظرية الأرض مقابل السلام، ليقترح مقايضة السلام بالسلام؛ بمعنى أن السلام أصبح حاجة متبادلة.
السلام وضريبة الهزيمة
وبعد الاحتلال الأميركي للعراق وتهديد الولايات المتحدة لسائر الدول العربية، ولا سيما من توصف بدول الممانعة، لم يعد يهتم العدو للسلام، خصوصاً أن كل مقاومة له أصبحت تُعَدّ إرهاباً يجب على العالم أجمع أن يحاربه، بما في ذلك الدول العربية. وصار العرب هم الذين يعرضون السلعة على العدو، ويلحّون في عرضها ليظهروا تعلقهم بالسلام؛ والمشتري يرى تهالك البائع فيستهزئ به، ويراه مفلساً يريد أن يبيع بضائعه ولو بثمن بخس. بل بدا كأن العدو يقبض ضريبة (حتى لا نقول جزية) من البائع العربي، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة: مباشرة بقضمه الأراضي الفلسطينية شيئاً فشيئاً، وزيادة المستوطنات، وجعل حياة الفلسطينيين مستحيلة حتى يضطروا إلى ترك بلادهم، وكان شعاره المعلن في حرب غزة الأخيرة: أيها العرب اخرجوا أو موتوا؛ فالمهم عنده أن تخلو الأرض من سكانها الفلسطينيين؛وغير مباشرة من خلال الأموال التي تدفعها الولايات المتحدة للعدو، بعد أن تستثمر نفط العرب وتبتزّهم مساعداتٍ مالية لشؤون مختلفة، ولا سيما وقت الأزمات الاقتصادية، وحين تحتاج إلى تمويل حرب ضدهم خاصة، وضد المسلمين عامة
وإذا كانت هذه حال العرب، فإنهم لن يحصلوا على السلام، وسيمكثون في حال الفوضى والفقر والاضطراب التي يريد عدوهم أن يستمروا عليها أبداً، حتى يحقق مشاريعه الاستيطانية والاستعمارية.
السلوك التعويضيّ للمهزومينإن مما تؤدي إليه حالة العجز والخوف انتهاج سلوك تعويضي، يحلم فيه المرء بحالات من العظمة والتفوق لا يستطيعها على أرض الواقع، وإلى اجتراح بطولات على الضعاف من أهل بيته ومحيطه، فيضطهدهم ويحاول فرض نفوذ مفتعل عليهم، محاكياً الأقوياء الذين اضطهدوه وأذلوه؛ أو إلى حالة من الانطواء والعزلة، يتحصن بها المرء من مواجهة الواقع، محاولاً نسيان هموم الإذلال والاضطهاد، فلا يستطيع ذلك غالباً، لأنها تسكنه؛ إلا إذا أصيب بنسيان مرضي وانفصام؛ أو إلى التبرؤ من نفسه وحقيقته، والاستهجار من انتمائه، متقمّصاً شخصية مختلفة، ومتخذاً سلم قيم جديداً، وكأنه يتحرر من واقعه المرفوض.ولذلك راح بعض الزعماء العرب يخترعون المخارج التعويضية لحالة الهزال العربي في عصر الهزيمة الرسمية: فبعضهم يريد أن يصبح «ملك الملوك» ولا يجد إلا إفريقيّة مكاناً صالحاً لتتويجه؛ وبعضهم يريد الشرق الأوسط الجديد، وتجمّع بلاد البحر الأبيض المتوسط، في الوقت نفسه، ليخرج من جلد الأمة المهزومة، ويحاول أن يصبح دولة كبرى تتساوى مع الدول الغربية المتوسطية؛ أي يريد أن يجمع في سلة واحدة خطة بوش ومشروع ساركوزي، مستوحياً، على ما يبدو، فكرة قديمة طرحها طه حسين، وهي أن مصر أقرب إلى أوروبا منها إلى الشرق العربي؛ وبعضهم يريد الحياد بين العرب والعدو الصهيوني.وقد يخترع العاجز المحبط حروباً وهمية، وأعداء بدلاء، أو يضخّم صورة المعارك التي يخوضها؛ ومن ذلك إعلان بعضهم الحرب على التشييع، وهي حرب لا تليق بمثل بلد الأزهر، الذي فتح ذراعيه للمذهب الشيعيّ. أما إذا صحّ ما يقال عن إغراءات مادية تبذل في سبيل الدعوة الشيعية، فالسؤال: ما فائدة ألوف علماء الدين والمفكرين السنيين، إذن؟ وهل يعقل أن يجتاح شاب عادي، أو حتى شبان متعددون، مثل هذا الجيش من العمائم والمنابر؟ وهل تشييع نفر من المحتاجين إلا وظيفة اقتصادية لا عقيدة دينية؟ أما إذا صح الزعم بانتشار حركة التشييع الرشويّ على نطاق واسع، وهو أمر مستبعد، فذلك سيكون فضيحة للمؤسسة الدينية السنية وروافدها، تدعو إلى الخجل، وتقتضي التستر لا الإعلان. ولعل الراجح في هذا الأمر أن تلك الحركة هي حركة تشيّع للمقاومة وإعجاب بها، وليست تشييعاً بالمعنى العقدي للكلمة.
المبادرة العربية والمقاومة
ومن حقنا أن نضع ضمن هذا السلوك التعويضيّ مؤتمر وزراء الخارجية العرب في الأردن الرامي إلى بعث مبادرة السلام العربية؛ لقد رسموا خطة وأرادوا حملها إلى المستعمر الأميركي لتنفيذ مبادرتهم، مهددين بإمهال العدو قليلاً، وإلا سحبوا المشروع عن الطاولة، وكأنهم هم الأعلون، وكأنّ العدو جالس إلى تلك الطاولة، أو حتى معترف بها أو مهتم لها. والسؤال: ماذا سيعني سحب المشروع عن الطاولة؟ هل سيعني قطع العلاقات بين بعض الدول العربية والعدو، أم شن حرب لا تبقي ولا تذر؟ إن ما حدث للبلاد العربية، في هذا الشأن، شبيه بما يحدث لموظفي الدولة حين يعلنون إضراباً مفتوحاً: يهددون ويمهلون، فإذا وجدوا الحكومة مصرة على عدم سماعهم احتاروا كيف (يقفلون) الإضراب، وكيف يعللون لجمهورهم العودة إلى العمل.ومع ذلك، فإن المبادرة العربية لا سند لها إلا شيء واحد هو المقاومة اللبنانية والفلسطينية، لأن المقاومة هي العمل الوحيد الذي يقلق العدو، ولا خلاص له من هذا القلق إلا بالعمل على وقف مصدره، فيعيش في سلام؛ لكن كثيراً من الحكام العرب يحاربون سندهم الوحيد هذا، وكأنهم ينفّذون ما يريده العدو؛ فيضغطون بثقلهم على مقاومي غزّة، ويجعلون من تهريب نفر من الناس سلاحاً أو مالاً إليهم جريمة قومية وعالمية تشغل وسائل الإعلام، وتستدعي مذكرة قبض دولية على سيد المقاومة في لبنان؛ على حين أنهم يعتبرون سير الدبابات الصهيونية في الحرب على أجساد مئات أو ألوف من الجنود المصريين ـ وقد شاهدها جمهور التلفاز بحسرة ـ مجرد فيلم سينمائي لا يستحق الاهتمام، ولا يسألون في قتل العدو نفسه للجنود المصريين على الأرض المصرية المستعادة، بعد الحرب بعقود، ولا بأعمال التخريب الاقتصادي والصحي وغيره التي يمارسها داخل الأرض العربية، فضلاً عن النشاط الاستخباري الضخم الذي يقوم به فيها. ويبدو شأنهم كشأن ذلك الحشاش الذي قيل له: إن اللص قد اغتصب حرمتك؛ فقال: المهم ألا يكون قد سرق ثيابها.
مفارقة البعث والموت
ولحربهم على المقاومة مسوّغ، على كل حال؛ فمشروعها نقيض لمبادرة السلام العربية، لأنها لا تعترف بالدولة المغتصبة وتريد كل الحق المشروع للفلسطينيين؛ والمبادرة ترمي إلى الصلح مع العدو بشروط ترضيه وتكاد ترضي الدول العربية. وهنا المفارقة؛ إذ لا أمل لمبادرة السلام في أن تبعث حية إلا باستمرار المقاومة، لكنها لا تبقى على قيد الحياة إذا انتصرت الفلسفة المقاوميّة. ولو كان الحكام أكثر ذكاء لغضوا الطرف، على الأقل، عن هذه المقاومة؛ فإذا حققت بعض أهدافها فنعمّا الفوز، وكفاهم الله المبادرات والمناورات والخصومات، وإلاّ أفادوا من ضغط المقاومين على العدو وعلى المجتمع الدولي، ريثما يتاح للمبادرة العربية أن تفرض نفسها؛ وبعد ذلك يحاولون تسوية الأمر مع قادة المقاومة؛ علماً أن قبول العدو بالمبادرة، فعلاً لا قولاً، يقسم الرأي الشعبي وقد يحرج المقاومة وقادتها. لكن عقدة العجز والخوف المرضيّ من ناحية، والغرور من ناحية أخرى، والاستعجال والتسرع من ناحية ثالثة، وربما أمور أخرى لا نحب قولها، كل ذلك يحمل بعض الزعماء العرب على سد السبل في وجه المقاومة، وعلى محاولة خنقها، حتى ترضخ لمشيئتهم وتصفّي نفسها بنفسها، لكن هيهات...
مصطفى الجوزو-السفير
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات