بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
روسيا.. هل تستطيع أن تكون نداً لأميركا
  06/05/2009

روسيا.. هل تستطيع أن تكون نداً لأميركا؟
روسيا الاتحادية وريثة الاتحاد السوفياتي السابق تسابق للعودة إلى مصاف الدول العظمى. وهي تمتلك موارد طبيعية هائلة استخدمت في الإنتاج الضخم سابقا، مع تخلف تقني، لكنها اليوم تطرح التحدي على نفسها في التطوير وإعادة البناء. وتنبئ المؤشرات الاقتصادية بالاحتمالات الايجابية. الناتج المحلي يقدر بـ 1,3 تريليون دولار والميزان التجاري 137,7 مليار دولار، بعد عجز كبير في التسعينيات، أفقد الروبل قيمته. وفائض الموازنة 433 مليار دولار (عام 2006). وكذلك ودائع البنوك 575 مليار دولار، بعد حركة استدانة قوية جدا في التسعينيات أدت إلى الانهيار الشامل في عام 1998. وقد تراجعت ديون روسيا الخارجية الى 52 مليار دولار في عام 2006، بعدما ورثت دينا يبلغ 100 مليار دولار. وتصل الاحتياطيات النقدية الأجنبية الى 400 مليار دولار في عام 2007، فتحتل الموقع الثالث بعد الصين واليابان. وتستعجل روسيا الى شغل المرتبة الخامسة عالميا عام 2020 فهل يتم لها ذلك؟
تمثل روسيا كبرى الجمهوريات السوفياتية السابقة، ووارثة التركة بغثّها وسمينها وبإنجازاتها وبما قصرت عنه. والتطابق بين روسيا والاتحاد السوفياتي هو نفسه منذ البدايات، لكنه كان معكوسا، فبعد الثورة البلشفية في عام 1917، والحرب الأهلية التي تلتها، أعلن الاتحاد السوفياتي عام 1922 كوارثٍ للامبراطورية القيصرية. لذلك ورثت روسيا عام 1991 جل الصعوبات والإخفاقات التي كانت من الأسباب الرئيسية للسقوط، كما انها تمثلت كل نتائج الانهيار، من التفكك السريع للبنى التي كانت سائدة وللمؤسسات الحاكمة والناظمة للحياة الاقتصادية، التي عُرضت للبيع. بعدما كانت محتكرة لقطاع الدولة.
هكذا انهار الإنتاج الذي كان قائما، وانفلت التضخم الذي كان كامنا، ولم يبق في روسيا حياً سوى السلاح النووي، والمافيا الناشئة وسكان محطة مير الفضائية.
تعد روسيا البلد الأكثر مساحة في العالم أي حوالى 17 مليون كيلومتر مربع، والسابعة سكانا، حوالى 144 مليون نسمة. والموزعة الى عدة جمهوريات وأقاليم حكم ذاتي و100 قومية وشعب، تمد ذراعيها على قارتين، وتغتسل بأمواج 12 بحرا تنتمي الى أحواض 3 محيطات، وترتوي بمياه 120 ألف نهر (الفولغا أطول أنهار أوروبا) كما فيها حوالى مليونا بحيرة أهمها بحيرة البايكال، التي تعد أعذب بحيرة في العالم.
لم تبخل الطبيعة على روسيا بالموارد، فهي تحوز أكبر احتياطي في العالم من المعادن (30 بالمئة من احتياطي العالم من الفحم الحجري، وخامات الحديد والفوسفور والبوتاسيوم) الى النفط والغاز بما نسبته 13 و36 بالمئة على التوالي من الاحتياطي العالمي، مرورا بالاحتياطيات الكبيرة من الفلزات النادرة وغير المعدنية والأحجار الكريمة.
ولأنها كانت لها حصة الأسد في حصر الإرث السوفياتي، الذي كان ثاني دولة عظمى على امتداد أكثر من أربعة عقود، امتلكت قاعدة صناعية وزراعية ضخمة، متطورة في جانب ومقصرة في جوانب أخرى.
واليوم يتوزع الناتج المحلي قطاعيا على الشكل التالي: 36,4 بالمئة صناعة، 7,3 بالمئة بناء، 5,6 بالمئة زراعة، 39,5 بالمئة نفط وغاز، 10,2 بالمئة نقل واتصالات، 11 بالمئة خدمات. وباختصار لا يمكن الحديث عن روسيا، إلا ويحضر في الذهن مقولة الإنتاج الضخم من التعدين والآلات والكيماويات ومواد البناء والأخشاب والصناعات الغذائية، وكذلك البنية التحتية الهائلة من الكهرباء والطرق وخطوط سكة الحديد والقنوات المائية وأساطيل الملاحة البحرية والجوية والمطارات والمرافق العامة، وجميعها تذكر بالعهد السوفياتي الماضي.
مع تولي فلاديمير بوتين الرئاسة، بدأت رحلة جديدة في حياة البلاد، وطموحها لاستعادة الدور والأمجاد، فقد تم الإمساك جيدا بزمام الأمور على مختلف الأصعدة، انطلاقا من ترتيب وإعادة تركيب موازين القوى الداخلية، ودعم الرأسمال الوطني، ومتوسطي وصغار رجال الأعمال، ولطمأنة الطبقة الوسطى الناشئة، ولتصحيح الهياكل الإدارية والاقتصادية، وللتحكم بمفاصل الطاقة والصناعات العسكرية وتوفير فرص الاستثمار المحلية والأجنبية.
تدل المؤشرات الاقتصادية إلى أن حجم الإنتاج الصناعي شهد زيادة بنسبة 5,1 بالمئة في عام 2006 مقارنة بعام 2005، وصدرت معظم قطاعات الخامات من وتائر نموها بنسبة 8,18 بالمئة. مستفيدة من تقلبات الأسعار إيجابا في الأسواق العالمية. كما زادت تجارة وبناء المساكن دلالة على نمو الإيرادات السكانية والأجور الفصلية. أما إنتاج النفط فقد زاد عام 2006 بنسبة 2,1 مقارنة بعام 2005 وبلغ 480 مليون طن ووصلت صادراته الى 249 مليون طن. وازداد إنتاج الغاز الطبيعي بنسبة 2,4 بالمئة فوصل إلى 656 مليار متر مكعب، وزاد محصول الحبوب بحيث تأمنت الكفاية الغذائية وتم تصدير 10 ملايين طن عام 2006.
واذا عدنا الآن الى المجال السياسي والاستراتيجي نرى أن روسيا تعتمد في خطة ضمان أمنها القومي على السلاح النووي، اذ قال أحد كبار المسؤولين في الكرملين في تصريح الى وكالة انتر فاكس الإخبارية ان «القوات النووية تشكل وستبقى كذلك العنصر الأساس لأمننا وقوتنا العسكرية».
أما الهدف الأساسي الذي تسعى اليه روسيا فهو إعادة هيبتها والحفاظ على أمنها وسيادتها من أي خطر يحيط بها، وهو ما يدفعها الى تعزيز وضعها العسكري. إلا أن الفرصة سنحت لروسيا لتحسين وضعها على الساحة الدولية، لانشغال الولايات المتحدة في حربها على العراق وأفغانستان. كما ساهمت الأزمة المالية الحالية في إضعاف موقعها الدولي. ولكن هل وصلت الأمور الى حد إعادة الحرب الباردة السابقة وتحدي القطبية الأحادية للولايات المتحدة؟ ان هذا الأمر يوجب على روسيا إعلان تعهدها بالمجابهة. وهو أمر أوضحت روسيا أنها لن تذهب اليه، بل ستسعى الى الحوار وإنجاز الصفقات. ومجابهة الولايات المتحدة تقتضي ايضا الدخول في سباق جديد للتسلح، وهذا ما جربته روسيا من قبل في زمن الاتحاد السوفياتي وفشلت فيه. كما أن الأزمة المالية العالمية استنزفت نسبة لا بأس بها من الاحتياطيات النقدية بالعملة الصعبة. ومن المنظور الروسي لا تبدو العلاقات الروسية ـ الغربية علاقة عداء، بل هي علاقات تنافسية، اذ ان روسيا اليوم لا تسعى الى الهيمنة الدولية كما في عهد الاتحاد السوفياتي السابق، بل الى المحافظة على مصالحها وبناء دولة لها هيبتها. لذلك لا تشكل روسيا اليوم نداً للولايات المتحدة، بسبب العوامل الموضوعية التي شرحناها. ولكن ذلك لا يلغي الاحتمالات المستقبلية في عودة روسيا قوة عظمى.

سمير التنير
 كاتب من لبنان

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات