بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
التحرير مسيرة لا ذكرى
  24/05/2009

التحرير مسيرة لا ذكرى
في مثل هذه الأيام من عام 2000 انهزم آخر جندي إسرائيلي فجلا عن جزء أساسي من أرض الجنوب تاركاً خلفه مئات من المتعاملين معه في حال من الانهيار والذعر والذهول. لكن الاحتلال الإسرائيلي الذي اجتاح بيروت في العام 1982 تحت شعار «طرد قوات منظمة التحرير الفلسطينية» تشبث بالأرض التي احتلها ولم يتقهقر إلا تحت ضربات المقاومين ومئات الشهداء وعشرات الاستشهاديين. لقد فاوض وحصل من السلطة على اتفاق 17 أيار المذل الذي لم يكن مقدراً له أن يرى النور. وعبث بعلاقات الطوائف وأدار الحرب الأهلية، وارتكب المجازر ضد الفلسطينيين واللبنانيين في صبرا وشاتيلا وغيرهما. بل هو تعاون مع قوات الأطلسي الأميركية الفرنسية من أجل وضع يده على لبنان وتغيير هويته ونظامه وموقعه ودوره. ليس هذا الكلام تأريخاً للصراع التاريخي بيننا وبين العدو الذي تضيق به الصفحات، بل هو تذكير بما لا يجب أن ينسى أبداً: أن المقاومة نشأت عن الاحتلال، وأن للتحرير ثمناً دفعه لبنان ويجب ألا يهدره لكي يعيد دفعه مجدداً على مذبح العدوانية والمطامع الإسرائيلية.
لكن أخطر ما في مسيرة المقاومة والتحرير أنها كانت مكلفة ومضاعفة لأن فئات من اللبنانيين، تباينت أدوارهم وتعددت، تعاملت مع الاحتلال بصورة صريحة أو هي هادنته، ومنها من راهن عليه في مشاريع تراوحت بين التبعية الجذرية وبين الاستعانة المؤقتة للاحتفاظ بالسلطة أو الحصول عليها. ليس هذا نكأً للجراح بل هو «الحقيقة» التي انبنى عليها مشروع سياسي انطلق في عام ألفين لتجويف هذا الانتصار ومحوه من ذاكرة اللبنانيين تمهيداً لما صار يعرف «لبنان أولاً..» و«الحياد اللبناني» المزعوم. و«السيادة» على جانب واحد من الحدود التي كان لها مساهمتها في إنجاز التحرير.
طبعاً لم تكن المسيرة الوطنية اللبنانية صافية من الشوائب ومن الثغرات والاختلالات. ثمة تاريخ عكر اختلطت فيه الحرب الوطنية بالحرب الطائفية. وثمة مخاوف بعضها مشروع تحولت هواجس أقلقت هذه أو تلك من الجماعات وساقتها في خيارات فئوية خارج المصالح الوطنية والقيم الجامعة. لكن المؤكد أن القوى السياسية، من موقع مصالحها السلطوية، هي التي قادت جماعاتها إلى هذه الخيارات وكأنها بذلك تستدعيها إلى مهمات وطموحات وإغراءات تجعل منها فئة مختارة متميزة مستقوية مستكبرة في لعبة الرهان على العواصف والرياح الإقليمية.
ما أثير من جدل سياسي منذ القرار 1559 حول سلاح المقاومة لم يكن صادراً عن اعتبارات لبنانية بعضها مشروع إذا كان يهدف إلى لبننة قرار الدفاع عن لبنان وتكامل أو توحيد القرار الوطني اللبناني، أمر أخذ الضمانات بوظيفة السلاح ودوره ووجهته، لكن أغلب تلك الموجة من الجدل والتشكيك اندرجت في المشروع الأميركي الذي أراد توسيع نطاق سيطرته على المنطقة وتطويعها لمشروع «الشرق الأوسط الجديد» وإسرائيل في قلبه وفي سدّة قراره.
لم يعد ما يقال في هذا الصدد من باب التحليل والتكهنات. لقد جاءت حرب تموز 2006 تحمل كل المعطيات الدامغة على الهدف المعلن في نزع مقومات المناعة والقوة اللبنانية وفي رأس جدول أعمالها تدمير المقاومة بسلاحها وبرصيدها المعنوي وبثقافتها الموحية والملهمة وبوعودها التي تستنهض المزاج العربي السوداوي وترفعه إلى الأمل والثقة بالانتصار.
انتصرت المقاومة مرة ثانية في حرب تموز وأحبطت الأهداف الحربية الإسرائيلية. وانتصرت المقاومة أكثر بتثبيت شرعية دفاعها عن لبنان رغم الكلفة المادية والمعنوية التي أدت إلى تعاظم «التخويف» من قوة السلاح وبُعده الإقليمي. إلا أن الإدارة السياسية للمقاومة على مستوى الداخل اللبناني تعرضت لنكسات وارتباكات مما أثر على رصيدها من التضحيات وعظمة الإنجاز. لقد تخلل السنوات الثلاث الماضية انزلاقات على الصعيد السياسي، ساهمت في مفاقمة الخطاب المذهبي في البلاد لمحاصرة البُعد الوطني والقومي لحرب تموز. لم يكن الاعتصام ولا الأزمة الحكومية ولا الشعارات التي رافقت هذه المرحلة ولا الانكماش في العلاقات السياسية وأحاديثها ما يساهم في كسر الحواجز الطائفية والمذهبية التي تقوّت بأجواء الفوضى والحملات الإعلامية والدعم الدولي غير المسبوق.
لقد توّجت المقاومة ومعها المعارضة التي صار اختزالها في كتلتين سياسيتين مسيرتها في تسوية «الدوحة» التي أحبطت كل الآمال التي انعقدت على إمكانات اختراق النظام الطائفي والمحاصصة السياسية. وبدلاً من أن تتحول المقاومة تدريجاً إلى ظاهرة جذب وطني يوفر الحزام السياسي الواقي الذي يجعل حركة وطنية تتسع لكل ألوان الطيف اللبناني، مارست أنكفاءً غير مفهوم إلى دائرة المدى العقائدي والجغرافي والمذهبي والسياسي. ولم تسهم المقاومة في جعل الانتخابات النيابية وسيلة من وسائل قاعدة الولاء السياسي وتجاوز بعض القواعد والاعتبارات التقليدية والمحلية. هذه الملاحظات ليست حكماً نهائياً على ظاهرة من أنبل الظواهر الوطنية، بل هي تصدر عن الرغبة في حث المقاومة، وبإلحاح، لتطوير الأداء السياسي الذي يجب أن يزاوج بين المقاومتين العسكرية والمدنية من أجل إعادة إنتاج المشروع الوطني اللبناني الذي لن يكتمل بغير دولة المواطن الحر الملتزم بالولاء للوطن والمؤمن بمرجعية الدولة وشرعيتها.
مسيرة التحرير لن تنتهي طالما على حدودنا عدو يحظى بهذا الدعم الدولي ويطمح إلى التسلط على المنطقة ويتهيأ لذلك. مسيرة التحرير يجب ألا تتحول إلى ذكرى

سليمان تقي الدين

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات