بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
انا التي عشقت الوطن
  11/09/2009

 انا التي عشقت الوطن

موقع الجولان

بقلم: تغريد سعدي - سخنين*


في خلوتي المعتادة مع الذكريات .. ثمة لسعات مؤلمه تورق إبحاري لعمق الأشياء .فتخلف في نفسي المأ ذو غصة مريرة .
لم يعتد عقلي البشري بعد على استيعاب القهر الدامي الذي سلب سكينتي وبدد حالتي .
فلا زال عقلي يناهض ويقاوم فكره التعذيب الذي ألحقها عشقي لوطن كاد يرديني حبه صريعة
لربما بمنطق لحاضر تجادلني الحياة , تحاول غرس شجيرات الواقع المفروض , وتراب قناعاتي يرفض الزرع ..يمانع تقبل الجذور . فلا مكان على صدر ارضي لمثل تلك القناعات اليابسة .
لن اظلمه ما إن ادعيت انه شبيه الرجال ..رغم أن كنيته وطن .ولا يسعه استدراجي برائحة عطره الترابي الساحر .بل وتحمل يداه باقة أحلام ورديه يلوح لي فيها , مدركاً احتمالات صيدي وإغراءي مستبعداً احتمال مقاومتي له .
وطن ..على شاكلة رجل ..يرتدي الثورة قميصاً ..وما بين أزراره يلغم المسافات بأحكام .
لربما أحتاج عمراً لفك حروفه السحرية دون إلحاق أذى بأناملي.
عند استدارة أكمامه يسيج حدوده ..في حركه وهميه أن الحدود تبدأ من هناك , خارطته الجغرافية لا تعني كتائب مشاعري ولا قائد غزوتي لعاصمته التي أراها أسمى أهدافي.
يفاجئني المنطق العكسي ..بان كلاهما " الوطن والرجل" . يدعي الاحتياج الأنثوي للبقاء
وفي رحم المنطق حقيقة تنادي بالرأفة من كلاهما تجاه سلاله حواء .
ثمة ضعف لأحد المنطقيين ..وسلطه جبروتيه للمنطق الأخر , ولا يسع اتخاذ المواقف من ارتباك أمام الأجابه والأستجابه لنداء وطن ..فهو لن يطيل نداءه كثيرأ ..وصوته لا يجيد استعطاف قلب مشوقته التي تلبي النداء بشغف الطاعة وبلهفه الخادمة الجريئة على دخول سراديب الأسرار لكسب رتبه التضحيات .
أي زاوية حادة تحمل عبارة التضحية ؟ وهل ثمه تساوي بين أضلاعها؟ أم تكسرت في مفاهيمها القيم الهندسية والأخلاق الحسابية ؟!.
كان عمري يكبر الانكسار ..وكنت أنذاك لا أفقه بشريعة حبه سوى درسأ لقنني إياه منذ الولادة ..ولاده حبي له دون ادراك حجم الألم , ودون الألتفات لأخر أو الأستداره عنه كان قد امتلكني لحد الحد في الأمتلاك .
وهذا ما كان ..لم يعد أي وطن سواه يغريني ..لم تعد حدود المغريات تؤثر في استقطابي لأخر
لم اعد أبه لعذابات الأوطان الأخرى ما دام وطني الذي لقنني فصول التحدي يؤثر في علاقتي مع كل المتغيرات .
ناديته وطن ..كما علمني ان اناديه .لكن ادراكي يثور على بخل اللغه في ثلاثيه حروفه النورانيه . وكأنني أحاسب الأسلاف على عدم منحهم إياه اسماً أكثر تعقيداً لتشعر المتآمرين عليه بالعجز اللفظي ما ان نطقوه نفاقا .
أليس من الحري أن أغنيه لحناً كلما اندست حروفه وعبرت من فراغات شفتاي ليتلعثم بلفظه سارقيه ؟
لن اقل أني لست ادري . فأنا التي ادري أن عشقي لهذا الوطن منحني حملاً يسيرا لكرامتي وكبريائي , غير أنه عقمني من النظر لسواه ..حتى لو كان رجلاً على مقاس الوطن.
كنت افتقد لورع عاطفي حين أمرني بارتداء زي المقاومه ..وضغط برجولة نظرته على سبابتي فوق زناد بندقية لم يعلمني سابقاً طرق ملاطفتها وترويضها .
كان يأمل مني الخيبة في طلقه تصيب جلده فيكسب جرحاً من آثاري ..فوحده الوطن لا يخترقه الرصاص ولا تميته الخناجر . على عكس رجال الوقت الحاضر , اختراقهم يأت بحالتين إحداهما رصاصه قناص ماهر والأخرى ضحكه أمراه مراوغه ...ولكلاهما نهايه متشابهه.
دون سابق تخطيط وجدت نفسي اسلك طريق نيسان ..نحو بوابه صدى لهفته لاحتضاني .
أسرعت كأنثى الجوع أحتضن أطرافه لأمرغ شبابي بكفيه الترابيتين ..أنفض أحلامي الصغيرة..لأوقظ جيوش رغبتي بالهروب معه إليه , بكامل وعي الجنون الأنثوي لأن أصبح ألعشيقه الأولى التي تتقن فن الهروب دون أن تخلف وراءها أنثى جريحه أو امرأه مكسورة الحب السابق .
للحب حاله حزن كما للموت ..قد تسلك أنثى وريد رجلا أحبته فتمزق دون قصدها أورده عاشقه أخرى كانت تقتات على حب ذات الرجل..ليعيش حبا على حساب احتضار الأخر.
أما أنا فشريعتي في العشق أكسبتني شرعيه الغرور المتوازن بكوني عشقت وطن .
ومذهبي في الحب أجاز لي الرحيل إليه دون سابق ارتباط وعقد بكوني عشقت وطن .
رغم ادعاء الرجال في عقم حبي اللامتناهي وعجزه في منحي الربيع الا ان عزائي في عشقي حضور الإخلاص وغياب الخيانة التي أنتجت ملايين الإعاقات المشاعريه في صفوف بنات جنسي .
هوذا حبي ..هوذا رصيدي في عشق أنفقت في سبيله جسداً وفكراً لم يصادف الخيبات وقلباً لم تبلغه الطعنات . بكونه لا يجيد لغة الرجال في منطق جمع النساء على طاوله خمر واحده دون أن ترى إحداهن الأخرى .فهناك على تلك الطاولة تكمن رجوله الرجال .. تلك التي لا يحتاجها وطني ليثبت لي عظمته ولا يمارسها لضعف حيلته .. كم نلت إعجاب نفسي لأني عشقته ..عشقت وطني. حتى وان الحق بعمري انكسار لكنه انكسار العشق الذي لم ادركه مع سواه.

* تغريد محمد ابراهيم سعدي:  مناضلة فلسطينية من مدينة سخنين .اعتقلت وشقيقتها الكبرى في  نيسان عام 2002 بتهمة مساعدة خلية فلسطينية من منطقة الخليل على تنفيذ عملية نفذتها احدى الفتيات الفلسطينيات في أحد أسواق مدينة القدس عام في تاريخ 16-4-2002. / اطلق سراحها  في العام 2008
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات