بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
نسمة هادئة اقتلعت ملايين الشوارب..
  14/09/2009

نسمة هادئة اقتلعت ملايين الشوارب...

في صالون للحلاقة بإحدى عشوائيات حي الكسوة، جنوب العاصمة دمشق، حينما يخيّر الحلاق فواز الحاج زيدان بين الحفاظ على شاربيه أو إزالتهما، يرد الحاج زيدان: «يابا لو قصيتهم أو خليتهم ما عادش في فرق، لأنو ما بقاش زلم أساساً، ولك يا يابا صارت بناتنا تشتغل بالمعامل لنقضي هالعيشة... إلخ».
فواز الحاج زيدان الذي كان مزارعاً وملاكاً لما يقارب التسعين هكتاراً من الأراضي الزراعية، في قرية دودان في منطقة الجزيرة السورية ـ أقصى الشمال الشرقي من البلاد ـ هاجر هو وعائلته المؤلفة من أربعة عشر فردا، إلى العاصمة دمشق، منذ نحو ثلاث سنوات. قحط المواسم الزراعية في السنوات الخمس الأخيرة، في تلك المنطقة، أنهكت كل الرأسمال الذي كان الحاج زيدان قد جمعه منذ عشرات السنين. فالتكلفة المالية للسنة الزراعية الواحدة، كانت تصل الى نحو (9000 دولار)، توزع بين تكلفة الفلاحة وشراء البذار وأجور العمال.. إلخ. من دون أن تدر عليه أي مقابل بسبب القحط. وهو، مخافة تراكم الديون عليه، نزح مع عائلته نحو العاصمة دمشق. ففي الجزيرة السورية، حسب الحاج زيدان، إما أن تكون مزارعاً أو تموت من الجوع، وفي سنوات القحط ستموت جوعاً مهما كنت....».
يمثل الحاج زيدان نموذجاً لعشرات الآلاف من العائلات التي هجرت تلك المنطقة باتجاه العاصمة دمشق، والذين يقدر عددهم في السنوات الخمس الأخيرة، حسب بعض المصادر التقديرية غير الرسمية، بحوالي نصف سكان محافظات الحسكة ودير الزور والرقة. تلك المحافظات التي تسمى مجازا بـ»الجزيرة السورية» والذين يقدر عدد سكانها بثلاثة ملايين نسمة، يضاف إليهم نحو الربع مليون كوردي سوري، من الذين جردوا من الجنسية السورية، والذين هاجروا بمعظمهم نحو العاصمة. ففرص العمل غير الزراعية في تلك المناطق، تكاد أن تكون معدومة، فقد كانت تلك المنطقة سلة لغذاء الدولة السورية طوال نصف قرن، وهكذا فقط، والآن فقدت سمتها الوحيدة تلك أيضاً.
كانت قرية دودان تضم ما يقارب 1450 هكتاراً من الأراضي الصالحة للزراعة، وقد كان شكل توزيع تلك الأراضي قبل الإصلاح الزراعي وبعده متشابهاً إلى حد ما. فصحيح أن ثلاث عائلات كانت تستحوذ على جل أراضي القرية، إلا أنها لم تكن قادرة على إدارة وزراعة مساحة كبيرة من الأرض بالوسائل البدائية التي كانت في ذلك الوقت. فقد كان جل الأرض يعطى للفلاحين، عبر عرف كان يعرف بـ»الفلاحية». حيث كان فلاحو القرية يتولون إدارة الأرض (الفلاحة والطش والحصاد... إلخ) مقابل أن يأخذ الملاك نسبة عشرة في المئة من الحصاد النهائي.
كانت الأرض الزراعية، حسب الدراسات التي تناولت مردود الأراضي الزراعية في الجزيرة السورية خلال عقد الستينات، تدر ما يقارب 32,5 غراماً من الذهب للهكتار الواحد. وهذا يعني أن مردود تلك القرية من الزراعة كان 47125 غراماً من الذهب. بمعدل 785 غراماً للعائلة الواحدة، مع مراعاة بعض التفاوت بين نصيب العائلات المالكة والعائلات الفلاحة، والذي كان طفيفاً إلى درجة بالغة وقتها، ومع مراعاة أن العائلات المالكة كانت تتبنى الرعايا الاجتماعية لشرطة المخفر ومعلمي المدرسة وبعض التكاليف الاجتماعية الأخرى. وبالمجمل كانت الزراعة تعتبر مصدر الدخل الرئيسي لكل سكان القرية. حيث كانت الزراعة في قرية دودان تنحصر في زراعة القمح والشعير والعدس، وبأدوات بالغة البدائية حتى ذلك الوقت. فلم يكن في القرية أي مشاريع زراعية تطورية، كما لم يكن بها أي مزارع منظمة أو قنوات للسقي، ورعاية المواشي كانت للقوت المنزلي ليس ألا.
كما كان في غرب قرية دودان وشرقها ثمة واديان صغيران، يعمل فيهما جل أهل القرية. كانت قد أقيمت هناك أربع كسارات لترفد مدينة القامشلي سنوياً بما يقارب الـ500000 متر مكعب من الرمل والبحص. فجل شباب القرية ورجالها كانوا يقومون بملء الشاحنات بالرمل والبحص، عمل كان يردّ على العامل منهم ما يقارب 0،5 غرام ذهب في اليوم الواحد، حسب نتيجة كان كاتب هذه السطور قد توصل إليها من خلال عمله في أحد المشاريع البحثية التابعة للأمم المتحدة. كما كانت القرية تضم مقهى ومحل حلاقة ومحل قصّاب.... إلخ من أنواع العمل تعتبر مصدر دخل لبعض سكان القرية غير القادرين على ممارسة نشاط استخراج البحص أو العمل بالزراعة. كما أن وقوع القرية على الحدود السورية التركية بالضبط وفر لأهلها فرصة العمل بالتهريب وبالذات منه تهريب التبغ الذي كان يأتي من تركيا، وتهريب المواشي من سوريا إلى هناك.
بعد أربعين عاماً من تلك الحالة، لو طبقنا النسبة الوسطية لنمو عدد السوريين، التي هي بحدود 3 في المئة، خلال 35 عاماً على سكان قرية دودان، بين عامي 1965 2009. والتي تفترض أن كل المواليد الجدد بين الفترتين المذكورتين بقوا في القرية واستقروا فيها، لكان عدد سكان القرية في الوقت الحالي بحدود 5000 نسمة. لكن على العكس من ذلك، لا يوجد في القرية حالياً إلا بعض البيوت القليلة التي تؤوي عدداً من العجزة، بالإضافة إلى أطلال البيوت التي هدمت بعد أن هجرها أهلها. فقد بقيت الموارد على حالها، دونما أي تنمية أو تطوير. فلا أساليب الزراعة تطورت، وشحت الأمطار عاماً بعد آخر. ولا أصبحت كسارة البحص أجود، والحدود ومصادر التهريب أغلقت، ولم تفتح مكانها معابر تجارة نظامية... إلخ. لم يبق من تلك القرية التي كانت تضج بالحياة إلا الأطلال. فقد عاشت تلك القرية لأربعين عاماً، من دون أن يفكر أحد بإمكانية قحط الأمطار، ولو لعام واحد. فما أن حل القحط، حتى حلت الهجرة. وهذه هي تقريباً كل حكاية ريف سهول الجزيرة السورية.
مشروع الإصلاح الزراعي في بداية الستينات من القرن المنصرم، ربما كان آخر المشاريع التحديثية في تلك المناطق، والذي بدوره، بقي رهن الخطوات الأولى التي خطاها، وغرقت مؤسساته (مزارع الدولة والجمعيات الفلاحية) فيما بعد، في دوامة البيروقراطية والفساد والمحسوبية الإدارية. لذا لم يقلع كعملية تنموية متواصلة تعمل على تثبيت الريف وتنميته من خلال تطوير البنية الزراعية كمورد أساسي لهذه المنطقة. ومع سنوات اختلال التنمية في الاقتصاد السوري، لم تعد الجزيرة سلة لغذاء الدولة السورية، ولا حتى بئر ذهبها الأسود. فقد هجرها الكثيرون من سكانها نحو المدن السورية الكبرى، وباتوا بروليتاريتها الرثة. حيث أصبحوا كجزائريّ فرنسا في المدن المتروبولية، حسب تعبير دقيق لعالم اجتماع تركي هو إسماعيل بيشكجي.
في طريق عام، غير بعيد عن صالون الحلاقة الذي به بات فواز الحاج زيدان يشك بمعنى بقاء شاربيه كما هما. ستصادف عشرات الآلاف من أبناء تلك المناطق، وجلهم يعمل في المعامل التي تحيط بالعاصمة دمشق، بأوضاع وحقوق ورواتب وشروط عيش مزرية بالعموم. فلا حس وعقلية مدنية يمتلكونها لتطوير سلوكيات معيشتهم بالموارد البسيطة المتاحة لهم، ولا أنظمة وأعراف تحمي حقوقهم، والعشوائيات تجعل أجيالهم القادمة عرضة لرياح الأصولية وسيول التعصب الأثنية والطائفية وحس الغربة عن باقي الطيف الوطني..... إلخ. لكن فوق كل شيء، لا مكان في عقل واهتمام النخبة السورية كلها، لسؤال له اندراج في السياسية والاقتصاد والثقافة وكل السلام المجتمعي السوري، عن سبب وراهن ومستقبل هذا الانفصام في معاش ملايين المواطنين السوريين هؤلاء. أم «يا كحلة، حلي عنا، ضرّتك أحلى
رستم محمود - المستقبل

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات