بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
جرائم بحسن نية
  06/10/2009

جرائم بحسن نية

الكثير من المصائب والكوارث التي حلت بالعالم, كان ضحيتها شعوباً مسلوبة منهوبة تعرضت للاحتلال تارة أو المجاعة والإبادة تارة أخرى, وعندما يكون العنوان في تلك الحالات "أمريكا", فان أفراداً من شعب "وامبانوغ" يتحملون الجزء الأكبر من تلك الجرائم المستمرة إلى يومنا هذا.
إننا نُلزم أخلاقياً, ومن اجل الأمانة التاريخية, أن نحاكم هؤلاء الأفراد لتسببهم في جميع الجرائم التي ارتكبت, بحق شعبهم أولاً, ومن ثم بحق بقية الأمم الهندية في كامل القارة الأمريكية. بل أن هؤلاء الأفراد يتحملون المسؤولية التاريخية تجاه كل الجرائم التي ارتكبتها الولايات المتحدة في كل بقعة من العالم ابتداءً من إبادة أكثر من 60 مليون نسمة مؤلفين من 400 قومية وثقافة هندية, ومرورا بقتل 400 ألف مواطن ياباني في مدينتي هوريشيما وناجازاكي, وانتهاءً بتدمير العراق وأفغانستان على رؤوس ساكنيهما من الأبرياء العُزل والقصف المستمر للمواطنين الباكستان, والدعم المطلق المستمر للكيان الصهيوني المسخ, والكثير الكثير من الفظائع التي لا يتسع المقام هنا لذكرها, ولكننا نريد من خلال هذا الاستعراض أن نضع يدنا على عين الجرح ونحاول أن يتحمل كل من ساهم في صناعة شيطان الرعب هذا المسؤولية كاملة عما لحق بالبشرية من نتاج خلق هذا الطاعون المدمر.
والسؤال الفذ الذي يطرح على هؤلاء الأفراد من شعب "وامبانوغ" هو: لماذا قمتم بارتكاب أبشع جريمة في تاريخنا الإنساني وذلك بإنقاذكم لركاب السفينة "ميفلور"؟, ألا تعلمون أن الأوغاد الذين قمتم بإنقاذهم. عبارةً عن حفنة من اللصوص الوضيعين ونتاجاً لتاريخ ممالك قامت على اضطهاد الشعوب ونهبها منذ الأزل؟, فهذا احد أجدادهم الاسكندر الكبير الذي اجتاح العالم وارتكب في طريقه الكثير من الجرائم ضد سكان المناطق التي احتلها حتى وصل إلى الهند التي قتل فيها ما يقارب المليون خلال ثلاثة أشهر فقط بواسطة الأسلحة المستخدمة في ذلك الوقت كالسيوف والرماح, وليس القنابل والمدافع.
ألا أحدثكم يا أغبى مخلوقات الله عما فعله أجداد هؤلاء السفلة في بيت المقدس الذي أعتبر مكاناً مقدساً لهم انطلاقاً من ديانتهم المسيحية, قد سال الدم البشري انهاراً حقيقية, في شوارع القدس بسبب عشقهم لرؤية لونه الأحمر الذي يسحر الباب عقولهم بمنظره القاني, ولسخرية التاريخ كان من بين ضحاياهم مسيحيون, ممن ادعوا الخروج لتحريرهم, وأظنكم قد جربتم جيداً تعطشهم المريض هذا وكان لهم نصيب وافر من دمائكم ودماء أقرانكم من سكان القارة المجهولة أيها الحمقى.
ربما لمتم أنفسكم وتساءلتم مالذي فعلناه بحق الآلهة؟, ماذا اقترفت أيدينا بحق السماء؟, هل فعلنا الصواب حقاً؟.
سأجيبكم انطلاقا من وقائع مريرة عاشتها البشرية وتعيشها كل يوم منذ أن تمخض الغرب بفعل تزاوجه التاريخي مع الإجرام فأنجب طاغوتا لا يرتوي ولا يشبع أبداً من دماء ولحوم الشعوب والأمم, قد أيقظتم مبدع الإجرام في هذا الكون, فكان اختصاراً لتاريخ فنون القتل والذبح واللصوصية والنهب والتآمر والخداع.
آن لكم أيها الأشقياء الوقوف أمام محكمة التاريخ, وتعترفوا بجريمتكم النكراء تلك, وتقدموا اعتذاركم المشفوع بطلب المغفرة من كل ضحاياكم حول العالم, ولا تتذرعوا بحسن نواياكم لإنقاذكم "كولومبس" ورفاقه السفلة بدافع الإيثار والنخوة بعد أن كاد يهلكهم البرد والجوع لبقائهم طويلاً تائهين في عرض المحيط , فتذرعكم هذا لا قيمة له عند من شُوه جسده أو مات أطفاله الجوعى أمامه, أومن قُتل بأسلحة فتاكة وغير فتاكة, لن يقبل ذريعتكم ملايين الأفارقة الذين اختطفوا من بلدانهم وقراهم الصغيرة ليساقوا عبيداً إلى العالم الجديد, وفي الطريق يُلقى الآلاف منهم إلى ظلمات البحار العالية لتلتهمهم الأسماك بعد موتهم غرقاً. ولن يسامحكم شعب فيتنام الذي حُرقت غاباته بعناصر الكيمياء بحثا عن ثوارها الأشباح, الذين يظهرون كالعنقاء من رماد غاباتهم كلما أتاحت لهم الفرصة في الانقضاض على المحتل, ولن يسامحكم شعب فلسطين الذي عاش نفس تجربة أمتكم الهندية حيث صودر وطنه ليمنح لطائفة من ابخس أوغاد الأرض, ولا ننسى بقية الشعوب الضحية من الصومال الجرح النازف دوماً إلى أفغانستان التي فرض عليها عدم الاستقرار ليقدم شعبها باستمرار ضريبة الدم كي يسقي عشاق الكوكا كولا, وانتهاءً بالعراق الذي تحول بين ليلة وضحاها من دولة مؤسسات إلى دولة طوائف, ومازال دجلة والفرات شاهدين يجريان بلون النجيع الأحمر.
نقول لكم يا منقذي "كولومبس" إن هؤلاء الضحايا جميعاً لن يقبلوا أي تبرير لما أقدمتم عليه, فليس هناك جريمة ترتكب بحسن نية, لذا عليكم أن تُحاسبوا حتى ولو كنتم أمواتا, أو كنتم في العالم الآخر.
دعوني أخبركم هذه القصة, في عام 1975 عندما كانت تكنولوجيا الحداثة والتطور تحفر مسبحاً داخل حديقة البيت الأبيض للترفيه عن سيد القصر, وجد علماء الآثار ما وصفوه بأنه آثار ورمم بشرية, وسرعان ما عُقدت الألسن الطويلة وصودرت الأشباح وأهيل التراب على جثة الفضيحة, وامتد البساط الأخضر من جديد المسماة بحديقة الورد. هنا فوق أحشاء الموت الحارة احتفل الوجود والعدم, بعد أقل من عقدين من ذلك الاكتشاف السري بتوقيع معاهدة "أوسلو". وهناك على مسافة قريبة ما بين البيت الأبيض ومبنى الكونغرس كشفت الحفريات عن مقلع للحجر الصابوني مطمور تحت منطقة المتاحف, ومن هذه المجاهل المستنقعية التي أقيم فوقها الآن متحف الهولوكست, كان شعب "كونوي" ينشط تجارته مع الشعوب الأخرى الني سلخت أسمائها وأبيدت حضاراتها تحت ما صار يعرف باسم إسرائيل الله الجديدة ثم اسم إنكلترا الجديدة, وهي فكرة استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة, الشعب الأول أبيضُُُُ متفوق, والثاني شعب ملون ملعون منمط همجي, شعبٌُ بدون وجود, وشعبٌ وجد من العدم, هذه هي أمريكا الديمقراطية التي أسستم لها يا منقذي "كولومبس" وجعلتم يوم إنقاذكم له تاريخاً مفصلياً في حياة البشرية.
والآن بفضلكم بدت الجريمة تأخذ شكل معارك معذورة مبررة اضطرارية, لتأديب الشعوب التي حولت بمفهوم الغرب الجديد إلى شراذم ملعونة همجية بربرية دكتاتورية إرهابية, في ثنائية حادة لا يولج فيها ليل بنهار ولا نهار بليل, إنها "الجريمة الكاملة" التي استعصت على البرهان فشيدت أمريكا وها هي تعود بأفكارها الجهنمية, تارة بالكذب والاحتيال وأخرى بالحروب الوقائية وقتل شعوباً حتى قبل أن تفكر بالوقوف في وجه الإمبريالية الأمريكية, فيا لهول ما صنعتم.
في مدينة "بليموث" القريبة من مدينة كامبردج التي تعتبر مسقط رأس التاريخ الأمريكي, وعلى شاطئها رست السفينة الأسطورية "مايفلور" عام 1620 بمجموعة من المستوطنين الإنكليز الذين يطلق عليهم التاريخ الأمريكي الرسمي لقب الحجاج, وبالطبع فقد وصلوا إلى العالم الجديد في حالة تثير الشفقة وكان الجوع وبرد الشتاء قد أودى بحياة عدد منهم ولولا مروءة أبناء شعب "وامبانوغ" الذين قدموا لهم الطعام والشراب والمأوى, لاختفت مستعمرة هؤلاء القديسين وربما كان للتاريخ الأمريكي مسيرة مختلفة. وقد كان هؤلاء الحجاج يعتبرون أنفسهم عبريين (أو مستعبرين) ويسمون هذا العالم الجديد بكل الأسماء التي أطلقها العبرانيون على بلاد كنعان. وما يزال التاريخ الأمريكي إلى يومنا يضفي عليهم قداسة طوباوية ويعتبرهم أول أنموذج للاستثناء الأمريكي إلى الآن الذي فضله الله على العالمين وأورثه ما أورث بني إسرائيل من قبل وجعل العقد الذي عقدوه مع الله على متن سفينتهم الأسطورية من اللحظات النادرة الخالدة في التاريخ الإنساني, كما قال الرئيس الأمريكي "جون أدامس" فعهدهم مع الله جبَّ عهد الإسرائيليين القدماء وتأسيس مستعمرتهم الأولى على صخرة "بليموت" ضاهى تأسيس الكنيسة على صخرة بطرس.
إن هذه القصة هي الأصل الأسطوري لكل التاريخ الأمريكي ومركزيته العنصرية وما يزال كل بيت أمريكي يحتفل بعيد "الشكر" لتلك النهاية السعيدة التي ختمت قصة نجاتهم من ظلم الفرعون البريطاني (وخروجهم) من أرضه و(تيههم) في البحر وعهدهم الذي أبرموه على ظهر سفينتهم مع يهود(الله) ووصولهم في النهاية إلى"أرض الميعاد".
تلك المدينة "بليموث" مدينة فقيرة ليس فيها إلا أشباح هؤلاء الحجاج وسيوفهم وتماثيلهم وعادياتهم (هياكل سفن, سيوف, كراسي منخورة الخشب وسجلات أكلتها الأرض). إضافة إلى بعض الفنادق والأبنية التي تحمل أبرز أسمائهم والصخرة التي حطوا عليها أول مرة على الشاطئ, وهي صخرة تحاط بأعمدة المرمر وترفرف فوقها أعلام أمريكا, وهناك أيضاً كل هذه العطرة الطاهرة في متحف الشمع ويوجد سفينة مبنية على هيئة سفينة "مايفلور" يحج إليها السيّاح بيضاً وصفراًَ ويلتقطون الصور التذكارية بجوارها. فهنيئاً لكم يا شعب "وامبانوغ" هذا الإنجاز العظيم.

المصادر: مجموعة محاضرات للدكتور: عوض العر _ بعنوان (فكرة أمريكا)


مهند معروف صالح

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات