بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
إسرائيل أمام احتمالات الانتفاضة والحرب
  29/11/2009

إسرائيل أمام احتمالات الانتفاضة والحرب


الانتفاضة الفلسطينية الثالثة تبدو على الأبواب.
والحرب الإسرائيلية الإقليمية أيضاً تبدو على الأبواب.


الشعب الفلسطيني يجد نفسه في الوقت الحاضر بين شقي الرحى. ضغوط الاحتلال الاسرائيلي من ناحية، متمثلة في استمرار التوسع الاستيطاني وما يعنيه من الطرد والإهانة والتشريد والاعتقال، ومن ناحية اخرى احباطات الدبلوماسية الاميركية التي وعدت بالقليل ولم تف حتى بأقل منه، بشأن حمل اسرائيل على خلق مناخ ممكن لمواصلة عملية السلام.
في الوقت نفسه فإن اسرائيل ـ على الرغم من تراجعات ادارة الرئيس الاميركي باراك اوباما ـ تجد نفسها في مأزق بين السياسات الصهيونية، كما تعبر عنها وتنفذها حكومة رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، والسياسات التي يتوقعها العالم بعد ان اثبتت تقارير دولية متتالية، وكان اهمها وأكثرها تفصيلاً تقرير غولدستون ـ ان اسرائيل ابعد ما تكون عن صورة الضحية الخائفة المعزولة... الصورة التي ترسمها لنفسها ولم يعد يصدقها حتى اكثر اليهود تعاطفاً مع اسرائيل والصهيونية. وفي كل مرة وجدت اسرائيل نفسها داخل هذا المأزق فإنها لجأت الى الحرب، كما تبدو الآن فعلاً.
وحتى لا تبدو اسرائيل انها تحارب ضد الطرف الضعيف المحتل المشرد الذي تنتهك ارضه وبيوته وممتلكاته فإنها تعد نفسها لحرب ضد اقوى طرف، يقول انه لا يوافق على سياسات اسرائيل ـ النووية وغير النووية ـ وهو الطرف الإيراني.
إن قدراً من الظلم الواقع على الفلسطينيين في هذا الوقت العصيب يجعل الانتفاضة الثالثة، الاحتمال الوحيد الممكن لمواجهة اسرائيل والاستيطان والاستيلاء التدريجي إنما السريع على القدس كلها، والتراجع الاميركي المطرد امام النفوذ الاسرائيلي والصهيوني على البيت الابيض (السلطة التنفيذية) وعلى الكونغرس (السلطة التشريعية). والامر الذي لا شك فيه ان اسرائيل مستعدة لمضاعفة كم الظلم ونوعه ضد الفلسطينيين وهي تواجه احتمالات الانتفاضة الثالثة. فهذا ما فعلته مع الانتفاضة الاولى ومع الانتفاضة الثانية. ولكن الامر الذي لا شك فيه ايضا ان الفلسطينيين بهذا سيكسبون مزيداً من التأييد والاحترام والتعاطف من جانب الرأي العام العالمي ... فهذا هو تيار الوقت الحاضر الذي عجزت ادارة اوباما عن رؤيته، او عن فهمه او عن استغلاله ... او هذا كله معاً.
يقول بعض مؤيدي الفلسطينيين من الكتاب الاميركيين ان عنف الرد الإسرائيلي على الانتفاضة الثالثة سيكون كارثياً، لأنه سينطوي على محاولة «لتنفيذ عملية التطهير العرقي ضد الفلسطينيين لأقصى مداها». لكنهم يقولون في الوقت ذاته إن هذا سيكون «ثمن رفض الرئيس اوباما قول الحقيقة لسلطة اليهود على نطاق لم يسبق له مثيل في دمويته وتدميره» ( الان هارت، انورميشن كليرنغ هاوس).
والحرب الإسرائيلية في المنطقة لمواجهة خطر الانتفاضة الثالثة ـ ضمن أهداف اخرى بينها الملف النووي الايراني ـ لا تقل عن ذلك تعقيداً في نتائجها المحتملة.
ليس فقط لأنها حرب يمكن ان تطول لأكثر من احتمال اسرائيل كجيش وكمجتمع، إنما ايضاً، لأن الانتفاضة «الداخلية» في ظروف من شأنها ان تفاقم وتضاعف الآثار السلبية للاثنتين: الانتفاضة والحرب. بل إن السؤال سيكون هل تستطيع اسرائيل ان تواجه هذين التحديين معاً، وأيهما يمكن ان يؤثر على نتائج الاخرى إيجابياً أو سلبياً؟
تدل بعض المؤشرات على ان اوباما يدرك ان الوضع الراهن الذي اسهم في خلقه بتراجعه امام النفوذ الصهيوني ينطوي على هذين الاحتمالين، وبالتالي ان انفجار الاحتمالين سيفرض على الولايات المتحدة التصرف على نحو لا يزيد الوضع دموية وتدميراً. ولهذا فإنه، عندما اضطر للاعتذار عن الظهور امام مؤتمر الاتحادات اليهودية لأميركا الشمالية، لأنه كان ملزماً بحضور تأبين ضحايا قاعدة فورت هود ـ وجد من المناسب ان ينتدب عنه للحديث امام المؤتمر رئيس اركان البيت الابيض رام ايمانويل، «المفكر الصهيوني رقم واحد في البيت الابيض»، ليؤدي دور «المستسلم نيابة عن رئيسه اوباما» (حسب تعبير المعلق الاميركي بول كريغ روبرتس). انما لا بد من القول إن اوباما اعتقد ان هذا الاستسلام خير مهدئ لحكومة نتنياهو في الظروف الراهنة ... خاصة بعد ان اعلن محمود عباس انه لن يواصل البقاء في رئاسة السلطة الفلسطينية المنوط به تقديم التنازلات لإسرائيل ..لأن الكيل قد فاض لكثرة ما قدم من تنازلات.
وبالفعل فإن «وكالة البرق اليهودية» (وكالة الأنباء الرئيسية الصهيونية) قالت في تحليل كتبه اورييل هايلمان «إن اوباما انتقل الى الركن الاسرائيلي ولكنه يحاول ان لا يظهر ذلك».
وأضاف هايلمان انه عندما اعتلى رئيس اركان البيت الابيض المنصة ليتحدث نيابة عن اوباما، بدا بالضبط مثل رئيس الوزراء نتنياهو في اليوم السابق عندما تحدث الى المؤتمر نفسه.
وقال ايمانويل «لا تخطئوا، إن الدرب نحو السلام ليس درباً يتعين على اسرائيل ان تسير فيه وحدها». وهكذا وضع مندوب الرئيس اوباما مسؤولية عرقلة طريق السلام على عاتق الفلسطينيين والعرب.
غير ان هذه لم تكن مفاجأة لإسرائيل. المفاجأة جاءت لإسرائيل في ذلك اليوم من باريس، من وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير الذي قال «يبدو ان رغبة اسرائيل في السلام قد اختفت تماماً»، وكان يعلق بذلك على استمرار مشروعات التوسع الاستيطاني في القدس الشرقية.
وإزاء هذا التحديد الأميركي المألوف للمسؤوليات يتعين على العرب ان يختاروا احد سبيلين، إما الاستمرار في الشكوى من انحياز واشنطن لإسرائيل وإظهار الرغبة في تقديم مزيد من التنازلات لإثبات حسن النية، وإما معالجة الوضع على اساس ان الحرب آتية لا محالة. لأن اسرائيل ترى فيها مخرجها الوحيد من المأزق الراهن. وحقيقة ان اسرائيل في مأزق تكفي بذاتها لكي يكون العرب مستعدين لوقوع حرب.
ولأن معظم الأنظمة العربية ستتهرب من الحرب، بالأخص منها منظومة الاعتدال العربي، فإن ذلك سيكون من العوامل المشجعة لإسرائيل على شن حرب تخفي وراء دخانها ونيرانها ودمارها مشاهد الانتفاضة الثالثة. ولهذا لا بد لهذه الحرب ان تكون قريبة من الاراضي المحتلة، فإما غزة أو لبنان أو سوريا ... لكن التهرب العربي ليس وحده عامل التشجيع لإسرائيل على شن حرب اقليمية الى جانب محاولة إبادة الانتفاضة. ثمة عوامل اخرى.
اولها ان الولايات المتحدة مشغولة بحربها في أفغانستان وباكستان وبقايا حربها في العراق. الامر الذي يجعلها لا تتحمس ـ ولا تستطيع ان تتخذ موقفا حاسماً ـ ضد حرب اسرائيلية يمكن ان تتحول الى حرب إقليمية في الشرق الاوسط.
لهذا يبقى العامل الاساسي في مواجهة صانع قرار الحرب في اسرائيل هو العامل المتعلق بالجبهة الداخلية الاسرائيلية وما اذا كانت لديها قدرة الاحتمال، والجبهة الصهيونية الخارجية وما اذا كانت ستبقى على حالة الانقسام الراهنة بين تصور اسرائيل قوية وقادرة وتصويرها ضحية وضعيفة ومعزولة ومهددة بمحرقة (هولوكوست) جديدة. وهاتان الجبهتان في حالة اسرائيل لا تنفصلان، فإن الجبهة الخارجية هي مهرب الجبهة الداخلية اذا ما لاح للاسرائيلي ان لا مفر من الهجرة العكسية، اذا بان ان الحرب تطال الداخل بأكثر مما طالته الحروب السابقة، بما في ذلك حرب اسرائيل على لبنان في صيف عام 2006 .
في يوم 14 تشرين الثاني الحالي نشر موقع «تروث اوت» (الحقيقة معلنة) على شبكة الانترنيت افتتاحية مطولة عن «مرض إسرائيل» اكدت فيها كاتبتها ـ ايرا شيرنوس ـ ان أعداداً من اليهود اكثر من المتصور ـ بما في ذلك اولئك الذين يعيشون في دولتهم الخاصة (اسرائيل) ـ لا يزالون متمسكين بالشعور القديم بانعدام الحيلة والضعف. وقالت إن اسحق رابين رئيس الوزراء الاسرائيلي، الذي اغتيل لهذا السبب، قال للإسرائيليين ان بلدهم قوي عسكرياً وليس بلداً بلا اصدقاء وليس في خطر. وعليهم لهذا ان يتوقفوا عن التفكير والتصرف مثلما يفعل الضحايا. اما رئيس الوزراء الحالي نتنياهو فإنه يقول إن العالم كله ضد اسرائيل وإن الاسرائيليين معرضون لخطر هولوكوست آخر. وهذه الرسالة عن الضعف اليهودي وحالة الضحية التي يتقمصها تجذب اليه مزيداً من الاصوات ليبقى في السلطة.
وتعتقد الكاتبة ان هذه المخاوف الاسرائيلية غير الواقعية هي سبب رفض اسرائيل دعوة اوباما الى وقف التوسع الاستيطاني والبدء بإيجاد حلول وسط من اجل السلام.
وهذا هو السبب نفسه وراء مقاومة اسرائيل المستميتة ضد تقرير غولدستون على الرغم من ان واضعه قاض صهيوني بارز تحول بسحر ما الى «عدو لإسرائيل» في زعم المسؤولين الاسرائيليين، وينتمي في رأيهم الى مدرسة فكرية تذهب الى ان كراهية الاسرائيليين هي شكل من اشكال العمل من اجل السلام.
ولأن السلام لا يلائم اسرائيل فإن رابين اغتيل واغتيلت معه كل تأكيداته بأن اسرائيل قوية وفي امان. والحرب هي وسيلة اسرائيل الجاهزة دائما لتأكيد الإيمان الصهيوني بأن كل اليهود ـ في اسرائيل وفي الشتات ـ في خطر ... ولكن المغامرة الاسرائيلية بالحرب هذه المرة ليست مأمونة العواقب. إن محاولتها لجر إيران الى حرب قد تلائم هوى اميركا بمعاقبة إيران على تمسكها بمشروعها النووي. وقد تلائم نفوراً قوياً واضحاً من جانب القوى الاقليمية العربية التي ترى في إيران منافساً على الزعامة الإقليمية وطرفاً يسعى للحرب لأهداف خاصة به وليس من اجل اهداف العرب ولا من اجل نصرة الفلسطينيين. مع ذلك فإن ثقل ايران الاقليمي ـ الاستراتيجي والسكاني والسياسي ـ لا يقع في نطاق مقدرة اسرائيل على شن حرب سريعة تخرج منها بلا خسائر بشرية او دمار واسع النطاق.
ان اسرائيل تغامر هذه المرة بحرب يمكن ان تطول ويمكن ان تشمل مناطق مأهولة منها لا قبل لها باحتمال الخسائر البشرية والمادية، ويمكن ان تذهب رياحها العاتية بنظم بنت استراتيجياتها في السنوات الثلاثين الاخيرة على مسالمة إسرائيل كطريق اوحد للتحالف مع الولايات المتحدة.
لهذا يبقى السؤال: هل تستطيع اسرائيل الصمود في مواجهة انتفاضة فلسطينية ثالثة وحرب اقليمية طويلة في وقت واحد؟

سمير كرم

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات