بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
اختزال الفقه الصهيوني المعاصر: كاهانا حيّ!
  14/12/2009

اختزال الفقه الصهيوني المعاصر: كاهانا حيّ!


صبحي حديدي
يحلو لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يقتبس الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: ‘كم هو محال أن نحصل على ما هو مستقيم، من خشب الإنسانية المعوّج’! إنه، بالطبع، يسوق كانط لكي يبرهن على صعوبة، وربما استحالة، التوصّل إلى صياغات عملية مستقيمة للسلام مع العرب عموماً، ومع الفلسطينيين بصفة خاصة. ونتنياهو يتكىء على مقالة كانط الشهيرة، حول مفهوم ‘السلام المستدام’، لكي ينتزع منها ذلك التفريق الذي يناسب تماماً تكتيكاته الراهنة في التملّص من التعهد بأيّ أمر، ليس مع الفلسطينيين وحدهم، بل أمام البيت الأبيض، والرئيس الأمريكي باراك أوباما شخصياً. وكان كانط قد ميّز بين طرازين من السلام العالمي: واحد مع الديمقراطيات، وآخر مع الدكتاتوريات.
لكنّ جدعون ساميت، المعلّق في صحيفة ‘هآرتز’، يسوق الاقتباس الفلسفي ذاته لكي يتساءل: أفي وسعنا أن نحصل على أيّ خطّ مستقيم من نتنياهو نفسه؟ ثمّ، من جانب آخر، ألا يحثنا الاقتباس ذاته على التفكير في هذه العمارة الصهيونية التي اسمها ‘دولة إسرائيل’، والتي ما انفكّت تعوّج وتتشوّه وتنحطّ، ليس بعيداً عمّا حلم به روّاد الصهيونية الأوائل فحسب، بل قريباً من أكثر كوابيسهم بشاعة وقبحاً ورهبة؟ خذوا ما يخشاه ساميت نفسه، بل ويكاد يذهب إلى مستوى التنبؤ به: هذه الدولة تسير حثيثاً إلى أكثر السيناريوهات عنصرية وفاشية، وبالضبط إلى الحلول التي يطرحها جان ـ ماري لوبين، زعيم اليمين الفرنسي المتطرّف… ذاك الذي ينبغي أن تمقته الدولة العبرية أكثر من أيّ فرنسي آخر، لا لشيء إلا لأنّ الإسرائيليين على يقين تامّ من أنه يمقتهم أكثر من أيّ مجموعة بشرية أخرى على وجه البسيطة!
وقبل أيام نشب نزاع بين روفن ريفلين، رئيس الكنيست الإسرائيلي، وميخائيل بن ـ آري، العضو الجديد في الكنيست عن حزب ‘الوحدة الوطنية’ اليميني الديني المتطرف، حامل راية ‘كاخ’، حزب مئير كاهانا السابق، المحظور منذ 15 سنة. سبب النزاع هو رغبة بن ـ آري في إحياء ذكرى كاهانا، الحاخام المتطرّف الذي اغتيل في نيويورك سنة 1990، داخل جدران الكنيست وإسوة بالاحتفال المعتاد الذي يُقام في ذكرى اغتيال رئيس الوزراء الأسبق إسحق رابين. وليس الأمر أنّ رئيس الكنيست يكره صاحب الذكرى إلى درجة حظر الاحتفاء به، بل السبب ببساطة هو مقدار الحساسيات التي قد تنشأ عن قيام هذا الرجل بالذات بإحياء الذكرى.
لقد سجّل، بسلوكه المتطرّف المهووس، سابقة كبرى حين اعتقلته الشرطة الإسرائيلية وقيّدته بالأصفاد رغم حصانته الدبلوماسية، وذلك بسبب إصراره على اعتلاء شاحنة عسكرية والخطابة منها ضدّ تفريق تظاهرة لمستوطنين متطرفين. وحين احتجّ رئيس الكنيست على اعتقال برلماني دون الرجوع إلى رئيس الكنيست شخصياً، ردّ قائد الشرطة بأنه لا يستطيع التغاضي عن قيام أيّ شخص بخرق القانون علانية، وعن سابق قصد وتصميم، وبروح استفزاز الشرطة وتحدّيها. كذلك سجّل بن ـ آري واقعة غير مألوفة، وذلك حين امتنعت السلطات الأمريكية عن منحه تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة، استناداً إلى إضبارته الحافلة بالتحريض على العنف، والمطالبة بالثأر للحاخام القتيل كاهانا. أخيراً، لكي تكتمل دورة بن ـ آري العقائدية، أعلن على الملأ أنه يفضّل تشغيل الرجل بدل المرأة، التي ينبغي أن تمكث في البيت، فتحصل بذلك على إجازة أمومة مفتوحة!
أفكار بن ـ آري لم تنبثق من عدم، بالطبع، وهي ليست نتاج تربيته كيهودي إيراني ـ أفغاني الأصول كذلك، بل هي الإستئناف الأحدث عهداً لحصيلة التبشير الحاخامي المتطرّف الذي بدأ، وظلّ يتواصل، جزءاً لا يتجزأ من حصيلة العقائد التي تحالفت، على هذا النحو او ذاك، مع العقيدة الصهيونية الأمّ، ولكن دون أن تذوب فيها، أو تنحني أمام ركائزها، في ما يخصّ أسطورة ‘العلمانية الصهيونية’ تحديداً. وفي العقود الأولى من القرن الماضي، مع وصول الحاخام أفراهام إسحق كوك من ليتوانيا، كانت التيارات اليهودية الدينية المتشددة تبدي الكثير من الإحتقار لهؤلاء الصهاينة ‘العلمانيين’، الذين يأكلون لحم الخنزير، ويتحدّون تعاليم الربّ بمحاولتهم تأسيس دولة يهودية قبل مجيء المخلّص، ويرطنون بأفكار ليبرالية أو إشتراكية ليست سوى هرطقة صريحة ضدّ التوراة.
على يد الحاخام كوك، ومن بعده ابنه الحاخام تزفي يهودا، تمّ جسر تلك الهوّة، وتأويل إقامة دولة لليهود بوصفها ‘حجر أساس لقيام عرش الربّ على الأرض’. ولكنّ النار بقيت تحت الهشيم، وفي محاضرة لاهبة عشية انتصار حزيران (يونيو) 1967، قال الحاخام الابن إنه لم يكن في أي يوم سعيداً بقرار التقسيم الذي أصدرته الأمم المتحدة وقامت بموجبه الدولة العبرية: ‘أين الخليل التي تخصنا نحن؟ أين أريحا التي لنا؟ هل سننسى أريحا؟ وماذا عن الضفة الأخرى من الأردن؟ إنها ملك اسرائيل في كل شبر منها، فمنذا الذي يملك الحقّ في التنازل عن ملليمتر واحد منها’؟
والقداسة في فقه الحاخام لا علاقة لها ببني البشر، وبالتالي لا صلة البتة تجمعها بالسياسات والحسابات والمعادلات والشرائع، محلية كانت أم دولية. قداسة أرض اسرائيل هي كيفية روحية وفيزيائية وضعها الربّ، وفرضها، على بني إسرائيل، وعلى أرض إسرائيل، ثمّ على العالم أجمع.
وقال الحاخام: ‘الربّ هو الذي قرّر أننا الشعب المختار مرّة وإلى الأبد، وهذه حقيقة واقعة تخصّ الأرواح كما الأبدان، وحقيقة واقعة تخصّ الأرض المقدسة التي اختارها الرب لتكون صهيون إسرائيل. إسرائيل الكبرى هي الأرض المقدسة شاملة تامة، وهي الشعب المختار شاملاً تامّاً’. تلك هي العقيدة التي ستمهد الأرض لولادة جماعة ‘غوش إيمونيم’، ولانصهار الإستقطابين المبكرين في تكتل واحد، وانتفاخه بمفردات خطاب تلمودي لاهب، شجّع عليه مجيء الليكود إلى الحكم سنة 1977، وارتقاء مناحيم بيغن شخصياً إلى مصافّ الملك الموشك على استعادة الهيكل.
الكاهانية، متجسدة في شخص وأفكار الحاخام مئير كاهانا، كانت الصيغة القصوى لذلك الإنصهار. لقد حقّق النبي التلمودي، الرديف والحليف لسياسات الملك بيغن، ذلك التوازي الفريد بين الإختراق العمودي العميق للكفاحية اليهودية القومية الصرفة، وبين النزوعات القيامية الخلاصية. وعلى يديه التقت ‘العلمانية’ الصهيونية المتشددة بالنزعة الدينية المتشددة، فكان أن عبر الحاخام العتبة الأخطر وكسر أكبر المحرمات: محبّة اليهودي لأخيه اليهودي، كائناً مّنْ كان. لقد دعا كاهانا إلى مجابهة شاملة لا تُبقي ولا تذر مع ‘اليهود الهيللينيين’، وكان يقصد أولئك الذين نقلوا الثقافة الغربية إلى التوراة، وجلبوا أوبئة الليبرالية والإشتراكية والرأسمالية. وفي كتابه الأشهر ‘أربعون عاماً’ كتب يقول: ‘هذه بلاد تنغل بالهيللينية، وبالغوييم (ويقصد أي رهط وثني غير يهودي) الذين لا يجمعهم بالدين سوى النطق بالعبرية، والذين تتضخم عندهم نزعة الأنا إلى حدّ الدوس على الهيكل ونسف الديانة. الهيللينيون يسرحون ويمرحون في أرض الربّ؛ وحين انفصلت اليهودية عن الصهيونية، باتت هذه الأخيرة مجرد شكل من النزعة القومية الكريهة. اليهودي ضدّ الهيلليني، هذه هي المعركة الحقيقية الوحيدة’.
ولكن الحاخام لم يتلكأ في الحديث عن قتل اليهودي الهيلليني، وضرورة التحرّر من محرّم ‘محبة اليهودي لليهودي’، فكتب يقول: ‘إنه هذا الجسم الغريب، هذا الوباء العضال لثقافة أجنبية تنخر في قيمنا ومفاهيمنا، هذا هو الداء الذي يتوجب استئصاله بكلّ الرسائل. هؤلاء يهود ولدوا يهوداً بالمصادفة فقط، وهم مرضى انفصام الشخصية واغتراب الهوية. والحقّ أنهم هم، وليس منظمة التحرير الفلسطينية، مَنْ يمثلون الخطر المحدق بالدولة اليهودية وبشعب الله المختار. إنهم يخرّبون البلاد من الداخل، فما العمل لمواجهتهم؟ كيف نحاربهم؟ كيف نتحرّك بسرعة، وبأية وسائل؟ الجواب هو في تخليص أنفسنا من القراءة المتطرفة لقاعدة ‘حبّ اليهود’.
والواقع أنّ أي حاخام يقول بالقاعدة الأصلية، إنما يسعى إلى تفسير السبب في وجوب قتل اليهودي الذي يستحق الموت’.
وكان الحاخام، وقد ارتدى مسوح نبيّ تلمودي افتراضي، على عجلة من أمره لأنّ ما تبقى من وقت، في حساباته، لم يعد يسمح بالمزيد من التردد: ‘أربعون عاماً فقط! هذه هي الحصة الزمنية التي أعطانا إياها الربّ قبل أن يُنزل بنا عقابه الصارم، والعدّ التنازلي قد بدأ بالفعل، ولم نعد في طور المنفى أو في حقبة انتظار هدوء العاصفة’. فإذا أدّى شعب إسرائيل واجباته، وخاض الامتحان بنجاح، فالخلاص سيأتي دون كوارث أو أزمات. أمّا إذا واصل شعب إسرائيل خضوعه للهيللينية ولليهودية المولودة بالمصادفة المحضة، فإنّ العاقبة ستكون وخيمة رهيبة، وغضب الرب سيكون شاملاً ماحقاً…
وعلى ماذا يعتمد قدر اسرائيل، بعد تأديب المرتدين من اليهود الهيللينيين؟ على تنظيف اليهودية من الأدران الديمقراطية والليبرالية التي لحقت بها جراء الإندماج مع الصهيونية، وعلى تطهير الجسد من أوساخ وأوثان ‘الكلاب وبنات آوى’، أي العرب: ‘قد يأتي الخلاص في أية لحظة، وببهاء غامر ومجيد، لو اقترنت أفعالنا بما أمرنا الربّ به. سوى ذلك، ستحلّ الكارثة على هيئة مأساة شاملة رهيبة إذا رفضنا الإنصياع لكلام الرب. والمعيار الأكبر لليهودي الحقيقي هو استعداده لوضع الخوف من الله قبل الخوف من البشر، واستعداده لطرد العرب أجمعين من أرض إسرائيل’.
وقبل سنوات من استئناف أفكار كاهانا على يد برلماني مثل بن ـ آري، كانت قيادة الجيش الإسرائيلي قد صادقت على بعض تلك الأفكار حول قتل العربي بدم بارد، حين قضت بتبرئة أحد الضباط الإسرائيليين من تهمة ارتكاب ‘عمل لا أخلاقي’، وذلك رغم أنّ جنوده أنفسهم سردوا فعلته تلك للتلفزة الإسرائيلية، على النحو التالي: سقطت الطفلة الفلسطينية إيمان الهمص (13 سنة) أرضاً، بعد أن تعرّضت لإطلاق نار من نقطة مراقبة عسكرية إسرائيلية. لكنها كانت قد جُرحت فقط، حين تقدّم منها الضابط الإسرائيلي، قائد الفصيل، وأطلق طلقتين على رأسها من مدى قريب، ثمّ عاد من جديد إلى الطفلة، وغيّر سلاحه إلى التلقيم الآلي، وتجاهل اعتراضات زملائه التي تواصلت عبر جهاز الإتصال، وأفرغ كامل الذخيرة في جسدها!
مضى، وانقضى تماماً كما يلوح، زمن كان فيه بعض الضمير الإسرائيلي يعترض على استخدام الرصاص المطاطي ضدّ أطفال الإنتفاضة، والضمير ذاته راقد اليوم في سبات عميق إزاء القتل العمد، ليس بالرصاص الحيّ فقط، بل عن سابق وحشية قصدية قصوى. الفقه الصهيوني المعاصر يختزله هتاف الكاهانيون الجدد: ‘كاهانا حيّ! كاهانا حيّ!’… وهل الدورة طويلة في الزمان، بين سلوك هذا الضابط، وأفكار الحاخام كوك، وخليفته الحاخام كاهانا، ووريثهما عضو الكنيست بن ـ آري، في كيان عنصري إستعماري إستيطاني قام على الإغتصاب، وتماهى مع الفاشية منذ البدء، ويرتدّ إلى أقصى أنماط ذلك التماهي، اليوم وكلّ يوم؟
أليس من المحال، على هدي القول الكانطي الذي يقتبسه نتنياهو، أن ينأى هذا الكيان عن إعوجاج شائه قائم في أساس تكوينه، ينحدر به من درك أسفل إلى آخر أشدّ سفالة؟

 كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
خاص – صفحات سورية
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات