بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
هل قتلتَ أبي؟
  22/12/2009

هل قتلتَ أبي؟

يروي أحد الدبلوماسيين العارفين في بيروت أنه في الزيارة الأولى للرئيس السوري بشار الأسد إلى السعودية، بعد اغتيال رفيق الحريري، بادره ولي العهد يومها، الأمير عبد الله بن عبد العزيز، بالسؤال وهو واقف، قبل المصافحة حتى: لماذا قتلتموه؟ فردّ الأسد فوراً: جئني بمصحف لأقسم عليه وأنا أجيبك، لا علاقة لنا...
مهما كانت نسبة الصحة أو الدقة في رواية الدبلوماسي العارف، غير أن قيمة الحدث المذكور تظلّ وازنة في تسلسل الأحداث. فاللقاء المشار إليه كان في 3 آذار 2005، بعد 17 يوماً على الاغتيال، وقبل يومين فقط من إعلان الأسد انسحابه الكامل من لبنان، إثر عودته من زيارته للسعودية، في 5 آذار من العام نفسه.
طبعاً، لم يحتج سعد الدين رفيق الحريري، في زيارته إلى دمشق، إلى سؤال كالذي طرحه عبد الله. ولم تكن ثمّة حاجة للرئيس السوري، قطعاً، إلى مصحف ولا إلى قسم. كل ذلك كان قد سقط من قبل، وعلى مهل، وتدريجاً، طيلة أربعة أعوام ونيّف، علماً بأن الكلام الصادر من بيئة الحريري لم يكن مساعداً. كأنّ الشاب الخارج من مأساة شكسبيرية لم تكفه رعفة الوجنتين، وهو يتقدم بتؤدة وثقل تلك الخطوات. كأنها فوق جسر القدر. كل المسؤولين الحلفاء، كل الإعلام الصديق، كل الراعين في المحيط والبعيد، كانوا يشيدون ببطولة الحريري، وجرأته. حتى إن بعضهم تحدث صراحة عن «التضحية»، و«التعالي على جرحه»... بلغة أخرى، كل الكلام الحريري، كان تثقيلاً على عبء، ثقيل أصلاً.
صحيح أن ضحكة المضيف عاكست ذلك كله، وصحيح أن الحفاوة كلها كانت ليتيقّن الضيف أن الأسد يبتسم فعلاً، وصحيح أن الدنيا كلها كانت قد أسهمت في محو تلك الشهادة للحريري الابن من تقرير ديتليف ميليس... لكن يبقى على الابن نفسه أن يقتنع بعدم وجودها، وبمحوها، لا من صفحات قاضٍ ألماني عابر، بل من سفر وجدان ذاتي مقيم.
من المرجّح ألّا يكون النوم قد عرف عيني الحريري في ليلة القصر تلك. ومن المحتمل جداً أن يكون أرقه قد تحوّل خشبة لمشهدية سوريالية، بين نعاس هارب وأطياف كثيرة هائمة: «أنا قلتُ إن من أبيتُ عنده الليلة، هو مَن هدّد والدي وأسرته أينما كانت»... فكرة قد تكون طاردت رئيس الحكومة الشاب، أو طاردها حتى خيوط الفجر، وابتسامة الأسد المتجدّدة، إلى طاولة الفطور الكاسرة للبروتوكول الرئاسي. عقارب ساعات ذاك الليل كانت أشبه بسواطير تفرم الذاكرة، وصوت روايتها كان يتفجّر مع نبض قلبٍ حائرٍ بين التوقف أو التسارع بوتيرة رجاء الصباح.
ثلاثة احتمالات لا غير، سكنت تلك الليلة وضيفها المهجوس بكابوس القصر: الاحتمال الأول أن تكون شهادته تلك صحيحة، وخلفياتها ونتائجها وسياقاتها... هي فعلاً ما حصل قبل أربعة أعوام ونيّف. وأن يكون هو الليلة مدركاً ذلك كله، ومتخذاً قرار تخطّي تلك «الحقيقة»، من أجل مصلحة جماعة وشعب ووطن... وأكثر.
الاحتمال الثاني، أن تكون حقيقة الاحتمال الأول هي الحقيقة فعلاً، لكن حقيقة الابن الوريث عكس ذلك. أن يكون هذا «الاستنساخ الهاملتي» المعاصر مع اقتباسات كثيرة، قد فضّل الاستثمار في دم الوالد. أن يكون قد جبن أو أذعن أو تخاذل. أن تكون شهوة السلطة لديه قد تغلّبت على جذوة الوفاء... أن يكون قد قرّر التعامي عن «الحقيقة»، من أجل مصلحته الفردية الشخصية الخاصة، لا غير.
احتمال ثالث بقي لتلك الليلة القطبية: أن يكون الابن الجريح قد ضُلِّل. أن تكون «الحقيقة» قد زيّنت له، وحوّرت وشوّهت... ليس وحده مَن كان في تلك الحالة. حتى عون، السابق له في العداء والحفاوة مع القصر نفسه، مرّ في لحظات كهذه في تاريخ فرنسي، يُقال، جلّ مَن لا يخطئ، فكرة تكفي لتقطيع ليلة. لعلَّ حقيقتها الكاملة واللاحقة تكفي لتقطيع عمر وتاريخ.
هل من مؤازر للحريري الابن على استفاقة كهذه؟ هل من معين له على إدراك ضلال ـــــ أو تضليل ـــــ سابقين، كما على اكتشاف حقيقة أكثر استقراراً من بين كل الأسماء المن حوله. وحده جميل السيد قادر على المساعدة. وحدها حقيقة كالتي يعتنقها المتهم السابق، يمكن أن تعيد النوم والحلم، إلى أرق ليلة قصر وكابوسها المرتسم سؤالاً: «هل قتلتَ أبي؟».
جان عزيز ـ الاخبار
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات