بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
الشام: قوة الإعاقة وقدرة الترجيح وأشياء أخرى!!!!
  30/12/2009

الشام: قوة الإعاقة وقدرة الترجيح وأشياء أخرى!!!!
بقلم: محمد نعيم فرحات*

بلاد الشام عام 800 قبل الميلاد
..... حيثما وقف أي لبناني تحديدا، وفي أي مكان في لبنان ، وحيثما تطلع أو اختار أن يتطلع، بنظره أو بخياله معا ، ليس بمقدور نظره أو خياله أن يريا أفقا لا تكون الشام ظاهرة فيه أو مضمرة ، وإذا حصل ولم يرياها، فمن المؤكد بان هناك خلل ما ، في الرؤية أو الموقع أو الموقف، أو عطب ما في الخيال، خصوصا الخيال السياسي، لأنه مسكون بالجغرافيا وليس بمقدوره أن يكون بدونها .
إن هذا المعطى، الذي يحكم لبنان ويحده من كل صوب، له نظير فلسطيني وأيضا أردني، وان اختلفت السياقات، باعتبار فلسطين والأردن إلى جانب لبنان ( بخصوصيته ) هي امتدادات لإقليم الشام، وهو معطىً كونته الأزمنة والأحداث والوعي والسياسة والوقائع والمصائر والأقدار وطبائع الأقاليم وقدراتها وأوزانها ومعانيها.
وبذات القدر فان الشام كإقليم، لا تستطيع أن ترى نفسها، دون أن يكون أول ارتداد لبصرها،آت من لبنان ثم فلسطين فالأردن، قبل أن يتجه شرقا في مداره الطبيعي والتاريخي والوجداني، ليتزود بمتانة العراق وثقله ودوره وهول معناه.
إن الروابط التي تقوم بين إقليم الشام ومحيطها القريب هي بالنسبة لها وله، قدر جغرافي وسياسي وتاريخي لا يمكن تخطيه، ومن العبث فعل ذلك، وتنطوي هذه الروابط على إحدى إمكانيتين لا ثالث لهما: فإما أن تكون موضوعا للخسارة وما يترتب عنها من أثمان ومخاطر وتفويت للفرص. أو أن تكون بناءة وآمنة ومجدية وضرورية لكل الأطراف، بشرط التعامل الأصيل مع متطلباتها من الجميع، لان التعامل غير الأصيل اندرج دائما في نطاق إمكانية الخسارة فقط ، وبدراسة وفحص تاريخ الروابط بين الشام ومحيطها نجد بأنه كلما كانت هذه الروابط مبنية على منطق التفلت من التزاماتها وعلى منطق الهيمنة والإخضاع، كلما كانت دربا موصوفا للخسارة، سواء: لإقليم الشام أو لمحيطه. وهنا تبرز أهمية التعاطي البناء مع منظومة الأقدار التي تتحرك فيها، وتجنب تحويلها لعلاقة قاتلة بالمعنى المجازي أو الحرفي.
إن هذه المقاربة لا تعني تحويل الشام إلى باب عال، لان مثل هذا الأمر يضر بها أولا وعاشرا. بل هي مقاربة تدعو المعنيين بها كي يستولدوا منها الصيغ المناسبة التي تصون المصالح والعواطف الايجابية لكل الأطراف. كما تتضمن بعد تنظيم الاختلاف باعتباره جزءً أصيلاً من صميم كل علاقة، بما في ذلك العلاقات العاطفية، فكيف هو الحال إذا كانت العلاقات سياسية.
وفي تحليل الشام يجب الذهاب إلى الإقليم وطبيعته وخصائصه وخصاله ودلالاته وأعرافه، ومن ثم العودة لقراءة النظام السياسي الذي يقوم فيه، وفحص درجة تمثله لطبائع الإقليم وليس العكس، وعدم المجازفة بتحديد موقف من النظام وإهمال الإقليم.
ولفهم سوريا منذ تشكلها كإقليم في نسيج المشرق العربي خصوصا منذ 1400 سنة، ثمة أمر جوهري يجب التوقف عنده من طرف كل المعنيين بالشام قريبين أو بعيدين، وهو أن الشام تمتلك كما لا يمتلك غيرها من أقاليم المنطقة: قوة الإعاقة لأي ترتيبات في منطقة الشرق الأوسط مهما كان الحلف الذي يقف وراءها، مثلما تمتلك قدرة الترجيح لأي خيار تنتجه المنطقة أو أقاليمها لنفسها، إن هذا ما منح الشام عموما، مكانه خاصة ومميزة وحساسة، رغم أنها لا تمتلك معطيات العراق الاستراتيجية المصيرية، أو مساحة دور مصر عندما يكون( أصيلا)، باعتبار أن العراق وسوريا ومصر هي أقاليم العرب الأساسية تاريخيا، .ولكن من الجدير الانتباه بان معطيات العراق لا تكمل بدون سوريا، ودور مصر ( الايجابي ) لا يبلغ مداه بدونها أيضا، إن هذه المكانة الخاصة للشام كإقليم، هي التي نستطيع من خلالها فهم وتفسير دورها في مختلف الأحوال والأوضاع، وهي مكانة ينطوي التصادم معها على خسائر متفاقمة، فيما التفاهم البناء والايجابي معها تتضمن فوائد متصاعدة، وفي تاريخ سوريا السياسي المعاصر، تميزت العقود الأربعة الأخيرة بوجود بنية حكم في سوريا، استبطنت هذا المعطي وأعطته تعبيرات سياسية ناجعة.
ومن المثير أن يدرك الأبعد ون هذه الحقيقة، بعد جهد هائل كانوا يبذلونه لتهميش الشام، ويتصرفون سياسيا ( الآن) بضوء مستلزماتها، فيما لم يفتقد بر الشام الغربي والجنوبي وتحديدا ( لبنان وفلسطين )، وجود قوى وزعامات حاولت تخطي هذه الحقيقة السياسية. كما لم تفقد الشام نفسها، من يسيء استخدام هذه القوة ويحولها، من ثروة استراتيجية إلى هيمنة قاصرة وذات عوائد سيئة، سواء: للشام أم لمحيطها، وفي هذا الصدد يمكن أن نستخرج أمثلة عديدة: قديمة ومعاصرة، على بؤس ما ترتب عن هذه النزوعات وأثارها المكلفة لجميع الأطراف.
* * *
....إن نوازع البشر وغرائزهم السياسية وما يبنوه عليها من خيارات، قابلة للزوال أو التبدل أو التغير أو إعادة إنتاج نفسها، في ظروف وصياغات جديدة. ولكن المواقف الأصيلة وحدها، هي التي تبقى مفاعيلها وتدوم. أما دكتاتورية الجغرافيا فستظل أبدا وقدما وعبر الزمن، بمثابة قوانين أو هي قوانين بعينها وعوامل حاكمة، لها دور تؤديه في التاريخ ومحطاته ومحصلاته، أما الذين اظهروا عنادا أو خروجا على دكتاتورية الجغرافيا المتنكرة أيضا في صلب التاريخ، فقد جرى استيعاب خروجهم وعنادهم (عموما) وإعادتهم من حيث خرجوا غير سالمين في كثير من الأحيان، بأثمان قاسية لهم وللآخرين. وما كانت تثيره الغريزة السياسية من رغبة في التفلت، كانت الجغرافيا السياسية تعيده لقواعده بثمن كان من الحكمة تجنبه.
والشام كإقليم بالنسبة لمحيطها ليست عنصرا طارئا أو يمكن تفاديه أو تخطيه والعكس صحيح أيضا، والمسالة هي مسالة تدبر الأمر، على نحو ايجابي من كل الأطراف، واستخلاص العبر والدروس من خبرات سابقة، انطوت على شتى أنواع الخسائر ، خسائر ربح من ورائها من تتفق الشام ومحيطها على أنهم خصوم لها ولهم؟؟!!.
كاتب وأستاذ جامعي من فلسطين
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات