بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
الولاء للوطن عبر المخابرات
  07/01/2010

الولاء للوطن عبر المخابرات


حسن عز الدين* - البيان



إذا أردت أن تكون مواطنا صالحا وأصيلا، يمكنك إثبات ذلك من خلال انضمامك إلى جهاز المخابرات. بهذه الجملة البسيطة لكن المعبّرة، يمكن اختصار أبرز مشكلة اجتماعية يواجهها أبناء المهجر منذ فترة، أثناء سعيهم للتكامل مع المجتمعات الجديدة التي شاءت ظروفهم أن ينتقلوا إليها ويختاروها بديلا عن أوطانهم الأصلية.
وهي تعكس بلا شك واقعا مريرا وصلنا إليه في ظل المواجهة الجديدة القائمة، والتي باتت فيها القوى المتصارعة تُفرز بشكل غير منطقي أبدا، حيث لم نعد نرى في حيثيات هذه المواجهة سوى أنها موجّهة ضد ما يسمّى الإرهاب، في حين أن الاختلاف حول مفهوم هذا الوصف، لا يزال كبيرا ومدويّا بين كافة التيارات الفكرية حول العالم.
والتباين قائم حتى بين أجهزة المخابرات نفسها، وفق الموقع الذي اختارته لنفسها في خارطة الصراع الآنية، وإن توافقت في الغالب على بعض دوائر الصراع والقتال القائم في العالم حاليا.
ما يبقى خطيرا في خضم هذه المعمعة، هو أن بعض تلك الأجهزة لا يرتقي بوعيه حيال القضايا السياسية والاجتماعية المحددة إلى المستوى المطلوب، فيكون إدراكه للمشكلة القائمة ركيكا وغير موضوعي. وهذا في حد ذاته يبقى مصدرا للقلق والخطر الشديدين، لأنه يساهم في رسم صورة مشوّهة عن تلك المشكلة، كما يجعل من الأبرياء أهدافا دائمة لكل أشكال التحرّش التي تستغلّها تلك الأجهزة لسبب أو لآخر.
إن ممارسات الأجهزة الأمنية على اختلاف سرّيتها، ليست جديدة بل تبدو مستمرة منذ العهود الغابرة. وقد تمايزت مع اختلاف الأنظمة السياسية التي تعاقبت على السلطة، وبالترافق مع طبيعة الوضع الدولي القائم، بحيث كان دورها أكثر فاعلية كلّما سُمح لها من قبل السلطة بالتمادي في التأثير.
وبالرغم من أن تلك الممارسات كانت قائمة منذ زمن بعيد، إلا أن ما بقى ملازما بشكل حي في ذاكرتنا، هو تلك المرتبطة بالحروب العالمية الكبيرة، لاسيما الثانية منها، وتاليا الباردة، التي قدّمت نماذج جديدة وخلاّقة في العمل المخابراتي السري.
اليوم يبدو أن الوضع قد تغيّر للأسف نحو الأسوأ، على الأقل في ما يخص مقاربة بعض القضايا وخصوصا ما يسمّى بالإرهاب، حيث يبدو العمل المخابراتي في بعض الأحيان متراجعا إلى مستويات دونية، بسبب تخلّيه عن بعض المقدّسات التي كانت مرتبطة به، على الأقل خلال العقدين الماضيين.
ولا شك أن احترام حقوق الإنسان كان من أبرز تلك المقدّسات، حيث بات هذا المصطلح اليوم فارغا من أي مضمون، وهو ما تبيّنه بشكل ملموس تصرفات بعض أجهزة المخابرات حول العالم. وقد استوقفتني في الأيام القليلة الماضية، كلمات صادرة عن أحد النواب الأوروبيين الذي قال حرفيا «إذا كان في العالم من يعرف وصفة أفضل تمكّننا من ممارسة السيادة والأمن دون التعرض لحقوق الإنسان، فليطلعنا عليها...».
بالتأكيد فإن تصريحا مثل هذا سيثير الغبطة والسرور في نفوس كثيرين داخل عالمنا العربي، ممّن يسوّقون لممارسات مماثلة. وهذا أمر مفهوم، أخذا بعين الاعتبار الظروف السياسية والاجتماعية الكثيرة المرتبطة بمنطقتنا، لكنني لا أقول بأنه أمر مقبول.
ما يثير الاستغراب في كل ما يجري، هو أن الدول الأوروبية التي تصنف نفسها في خانة الدول «الديمقراطية»، قد بدأت تمارس بعض تقاليد الأجهزة السرية العربية (وغيرها)، دون أن تجد حرجا في إظهار ذلك، متذرّعة أحيانا بمبدأ السيادة الذي لا خلاف عليه حتما، وطورا بضرورات المرحلة التي تستدعي التشدد في مكافحة الإرهاب.
وإن دل ذلك على شيء، فإنه يدل بالتأكيد على حساسية الوضع الذي وصلنا إليه في ظل التغييرات الكثيرة التي شهدها العالم، بدءا من انتهاء الحرب الباردة وتفكك المنظومات المتواجهة، وتشكيل الجبهات الجديدة ضمن حلف الناتو والاتحاد الأوروبي من جهة، وروسيا وحلفائها من جهة أخرى.
تضاف إلى ذلك حتما الجبهة الجديدة المتمثلة بالإرهاب، والتي يبدو وفق الاستعدادت التي نشهدها ضمن حالة المواجهة المستجدة في العالم، أنها قد تفوّقت على غيرها لأنها بكل بساطة تمكنت، رغم إمكانياتها المادية والبشرية المتواضعة، من فرض معادلة رعب حقيقية، ليس في الغرب فحسب، بل أيضا في المناطق التي كان من المفترض أصلا أن تحتضن أهدافها السياسية.
إنها إذاً، جبهة منبوذة محليا قبل أن تكون مرفوضة عالميا، لكن الغريب أن العالم لا يريد أن يتفّهم ذلك، ويصر على حصر تصرفه حيال الجميع دون استثناء، ضمن مقولة «أنت إرهابي حتى تثبت العكس».
فهل نحن اليوم أمام مرحلة جديدة ستسقط فيها كل القيم المرتبطة بحرية الإنسان؟
يبدو أن الوضع الدولي المستجد يؤكد ذلك، وكذلك الممارسات اليومية التي يتعرض لها المهاجرون العرب وغيرهم من أبناء العالم الثالث، في كافة أنحاء العالم. يكفي التقدم بطلب للحصول على جنسية أية دولة في أوروبا حاليا، بما فيها تلك التي لا تزال تعاني من تبعات ممارسات أجهزة المخابرات إبان الحقبة الباردة.
لقد أصبح الاجتماع مع الأجهزة السرية في البلد المعني، من الأمور الملازمة لمشروع الحصول على جنسيته، في حين أن محاولات تجنيد هذا الشخص تبدأ منذ اللحظات الأولى لتقدّمه بالطلب، وأحيانا قبل ذلك.
هذا ما نراه على الأقل في دول لا يزال ملفها في مراعاة حقوق الإنسان مراهقا وطور النمو، ولم تتمكن بعد من صياغة مفهوم واضح يميّز أداء أجهزتها السرية في ظل النظام الديمقراطي، عن عمل أجهزتها إبان الحقبة الشيوعية السابقة.
أما الدول ذات الخبرة فباتت أكثر جرأة وعلنية، لأنها تضع مواطنيها العرب أمام خيار واضح ذي معنى معبّر، يختصر المرحلة القائمة: «انضمامك إلى المخابرات يثبت ولاءك لوطنك الجديد».
حسن عز الدين - كاتب لبناني

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات

1.  

المرسل :  

عربي

 

بتاريخ :

07/01/2010 15:03:57

 

النص :

مع الاسف ان فكرة الاوربيون عنا اننا لانفهم الا بالعصا بعد ان رات ماذا يجري بالعراق بعد صدام