بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
الأرض لا تتكلم عِبْري ..
  31/01/2010

الأرض لا تتكلم عِبْري ..

 بقلم : خيري منصور
بمقدور أي عربي لم يفقد ثقته بنفسه وقومه ولغته وذاكرته أن يجمع أكثر من خمسين مليون توقيع من أشخاص يشاركونه في اعتقاده ثم توجيه رجاء عاجل ، كي لا نقول نداء عاجلاً، إلى من يشتمون العروبة باللغة العربية، لأنه من الأسلم والأدق أن يفعلوا ذلك بلغات أخرى كي يسهل تصنيف كتاباتهم في خانة الاستشراق .
لقد قال بعض حاملي هذه الهوية عن أنفسهم وتراثهم ما تردد في قوله أرنست رينان وطومسون وبرنارد لويس وآخرون، وما من تفسير لهذا سوى أحد أمرين أو كليهما . الأول هو حالة من الماسوشية المرضية التي تستمرئ عض الذات وليس جلدها فقط، والثاني وعي سالب تسرب إلى العقل والوجدان من خلال قراءات ساذجة لنصوص ماكرة .
إن علاقة العربي بلغته ليست لساناً فقط، فالأبجدية كما وصفها جاك بيرك تنفرد برسالة انطولوجية، لهذا فإن كثيراً ممن نطقوا بها تعربوا والقلة منهم استعربوا إذا شئنا استخدام مصطلحات الاستشراق والاستغراب ولو على نحو إجرائي .
إن من حق أي كائن أن يغضب وينفعل ويمارس نقداً ذاتياً قاسياً على نفسه وذويه إذا وقعت هزيمة أو حلت كارثة من التاريخ وليس من الطبيعة، ولولا هذه الحصانة الإدراكية لما تلقحت الشعوب ضد تكرار الأخطاء، لكن الحد الفاصل بين نقد الذات وهجائها لا يقبل الاختراق، ومن يشعر بالخجل من انتسابه إلى قومه ولغتهم وتاريخهم لا أحد يمنعه من الإقعاء على عتبات الآخرين كي يتسول تاريخاً أو ثقافة دون أن يكون نداً، فالحوار والتلاقح بين الحضارات لا يحدث بين كريم يغدق من فائضه وبين متسول لا يملك غير الاستجداء، والمسألة أبعد ما تكون عن الشوفينية، خصوصاً أن العربية استضافت وهضمت وتمثلت بلا عسر هضم ثقافات وأعراق وعلماء وشعراء، وهي من اللغات التي توصف بالقدرة على الامتصاص كمقابل للإقصاء أو النبذ، والعروبة لم تُصب لقرون طويلة بالغثيان أو الاختناق لأنها عجزت عن التمثل، فهي ليست أفعى البوا التي تختنق بما يفوق حجمها .
لقد بدأت هذه المعزوفة التي تحذف الناي لصالح الطبل في لحظات التشكيك بأمة قادرة على أن تدافع عن نفسها وتم على الفور توظيف هزيمة كبرى كالتي وقعت في عام 1967 لإقناع المهزومين بأنهم سقطوا في كمين لن يستطيعوا حتى القيامة النهوض منه، وأردأ ما يتورط به المهزوم هو تصديق أطروحات من هزمه بل تبنيها والتبشير بها، لأنه عندئذ سينوب عن غزاته في تقريع ذاته، وبالتالي يدمن هجاء النفس حتى يستعذبه وهو آخر من يعلم بأنه كالقط الذي لحس مبرداً من حديد وظن أن الدم الذي يلعقه ليس دمه، إلى أن يكتشف بعد فوات الأوان أنه نزف آخر قطرة ومات .
لقد ودع العروبة من ودعها في لحظات عسيرة وثمة من قرأوا على قبرها الفاتحة رغم أنها تفيض عن مساحة قبر بسعة قارة .
إننا في زمن تستخدم فيه الديمقراطية عندما يراد تعميم الشقاء وعولمة الفقر وتشريع الانتحار، لكن الديمقراطية ليست عوراء أو عرجاء بحيث توظف فقط لهذا الهدف، ومن حق أي إنسان في العالم أن يقول ما يشاء عن نفسه لكن ليس من حقه أن ينتدب ذاته ناطقاً رسمياً وتاريخياً وقومياً باسم أمة تجاوز تعدادها ثلاثمائة مليون .
وثمة فرق شاسع وجوهري بين من يعاتب أمه أو أباه لسبب ما وبين من يطلق النار عليهما أو يوبخهما على مسمع من الملأ، الأمر يتخطى العقوق، ويصبح أقرب إلى الانتحار القومي .
لهذا نرجو من يشتمون العروبة أن يفعلوا ذلك بغير لغتها كي لا يضيع الفاصل بين العربي والعبري .
شام برس

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات