بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
يافا هي نعمة
  08/02/2010

يافا هي نعمة

بقلم عبد القادر سطل



عندما راودتني فكرة كتابة هذا المقال دار في خاطري اسمه وكان لي أن أختار الاسم أعلاه أم أضيف إلية كلمة نقمة مع علامة سؤال ولكن سرعان ما عبّرت عن ما يجوّل في مشاعري ووجداني حيث أنني منذ أن فتحت عيناي لم أرى في بلدي الحبيب يافا نقمة بل العكس.
يافا هي نعمة نعيشها في حياتنا اليومية , بتاريخها العريق , يحاضرها وماضيها ومستقبلها. خرجت صباحا كعادتي في نهاية الأسبوع لمسيرة الصباح التي تخوض شوارع العجمي متجها نحو الشمال إلى ميناء يافا ولم تتجاوز الساعة الثامنة صباحا حيث نلتقي صباحا مع أخي أبو عصام الذي يستيقظ كل صباح ويحلم بفنجان القهوة يتقاسمه مع صيادي يافا القادمون من البحر بشباكهم المليئة بما قسم الله من الأسماك البحرية وغيرها من السلاطعين والسكومبري والسلافيح والحبطرش لذيذ الطعم. ما أن يصل الصيادون إلى المرسى حتى ترى مجموعات من الناس من يافا وخارج يافا ومن العمال الأجانب واليهود القادمون من تل أبيب ينتقلون من مركب لآخر ومن حسكة لأخرى بحثا عن طيبات ما رزقنا الله به من بلاميدا بيضاء وحفش وسراغيس وبوري ولبط وغيرها من الأسماك البحرية الطازجة فتسمعهم يصرخون هذه لي وهذه قد بيعت وأخرى تبقى في المركب حتى يأتي من يشتريها . وحقيقة أننا ننعم بهذه النعمة التي حرم منها الكثير بعد النكبة بل وحرم منها حتى أبناء يافا النازحون إلى غزة ولبنان فهم محرومون من البحر والصيد ونعمة أحلها الله لنا فقط لكونهم فلسطينيون. والصياد اليافاوي المغوار الذي أبى إلا أ، يحافظ على هذه المهنة والصمود بكل ما تعنيه الكلمة من معاني فعلية أن يخوض غمار البحر ويتحدى أمواجها العالية , بل ويتحدى سفن الشرطة التي تقف له بالمرصاد وتمنعه أحيانا من التقاط قوته ليعيش بكرامة على أرض الآباء والأجداد.
هي نعمة المناخ ونحن نعيش في وسط البلاد بعيدا عن البرد القارص والثلوج في أقصى الشمال وجبل الشيخ السوري المحتل وبعيدا عن صحراء النقب ببردها القارص ليلا ننعم بالساحل الذي يناجي أمواج البحر ويغازل رملها الذهبي. هي نعمة الطبيعة الخلابة التي تدمج كل ألوان قزح التي يغلب عليها اللون الأزرق من بحرها والأخضر من بياراتها والبرتقالي من برتقالها الشموطي. فيها تداعب الشمس مع بزوغها أوراق الخبيزة والهندبة والحماصيص حامض الطعم التي تكسو كل زاوية من حدائقنا وحاراتنا وحتى بين أطلال بيوتنا , هي نعمة ورزق لكل فرد من أفراد هذا المجتمع بكافة مكوناته .
سميت بالجنة أو بقطعة سقطت منها كما نعتها مصطفى الدباغ في موسوعته بلادنا فلسطين ، هو وصف غير مبالغ فيه رغم أنني لم أشاهد الجنة لان يافا مدينة كالجنة تفتح ذراعيها لمن يشتهيها هي كذلك لأنها تريد لأهلها الخير والسعادة والطمأنينة. كالجنة يتمناها ويصلي لها كل من عاش فيها وغادرها من بعيد أو قريب. وليس غريبا ما قاله لاجئ فلسطيني يعيش في مخيم للاجئين في غزة حينما خيّره المخرج بين الجنة ويافا فقال يافا لأنني أعرفها وأعرف ما فيها من خيرات.
نعمة تدمج بين الشرق والغرب ، بينما كنت أجوب شوارع يافا مع متطوع أجنبي قدم من بريطانيا للتطوّع في يافا ولتعلم اللغة العربية فيها رحت أشرح له عن المدينة بحذافيرها ومحلاتها وطعامها وشرابها وما أن انتهيت من الشرح حتى قال لي أنه يسكن في حي بريطاني منذ أعوام ولكنه يجهل ما به من محلات وأشار إلى أن الجميع يعرف بعضهم البعض وكأنهم عائلة واحدة وهو لا يعرف جيرانه وأنني أعرف كل من يقابلني في الشارع فالقي إليه السلام أو العكس ، انبهاره بما شاهد هو نعمة ننعم بها فنحن في يافا لا نشعر باليتم لأننا ننتمي إلى شعب عريق في وطن مجبول بالقدسية ومبارك من السماء مرابطون في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس مهد الديانة المسيحية ومسرى رسول الله وأصحاب العهدة العمرية مدينة يجد فيها كل أناس مشربهم ومصلاهم وصومعتهم ، مدينة يتعانق فيها صوت المؤذن مع أجراس الكنائس متضرعين إلى الخالق شاكرين إياه على أنعمه.شرقية بطابعها عربية لغتها ولكنها مطالعة للغرب وشؤونه تستوعب ما قد يزيد من جمالها من قرميد أحمر وحضارة تكسبها الخبرة والتنوّر ولغات تمارسها بين حين وآخر ولكنها سرعان ما تعود إلى لغة الأم عربية كنعانية الأصل. كل من ذاق طعمها وطبيعتها وداعبها منذ الأزل تركت عنده غصة مع وداعها متمنيا العودة إليها عاجلا أم آجلا فما بالكم بمن أكل من ترابها عقود وجبل منها وبناها وعمّرها ودافع عنها وقدم أولاده قربانا لها واقعا لا أسطورة كاندروميدا وهو يعيش اليوم في الخيام في الشتات في كل رقعة من الكرة الأرضية وأعينه وأعين أحفاده توجه أنظارها نحوها نحو يافا الأم يافا المحبة والحنين والإيباء نحو من كانت وستبقى العروس بلابس ناصع البياض كحواري الجنة.
يافا نعمة لأنها جميلة وجميلة لأنها نعمة وصامدة رغم كل الشدائد وضاحكة رغم كل المصائب ، تأبى البكاء ولكن هناك من يبكي على فراقها وهم كثر وتأبى الخضوع لان الكثير من يعيث فيها فسادا وتأبى الركوع إلا لله وهناك من يحاول جاهدا طمس هويتها . نعمة لأنها أصيلة لا تعرف التزييف والتملق ولأنها ستبقى أمام البحر تداعب أمواجه وتحن لعودة النازحين ستبقى ساحلية مركزية لا شرقية ولا غربية ولكن عربية بأصولها شرقية بأنغامها غربية بطموحها وكل ذلك نعمة.



 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات