بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
سمات السلوك الانتحاري
  03/03/2010

سمات السلوك الانتحاري

حين تولد ذرية من الشهداء جديدة و فظيعة بما فيه الكفاية . إن عذابهم الشديد يكمن في إيلام الآخرين . إنهم يستعبدون أنفسهم لسلطان سيادتهم الخاصة , فكي يصبح الإنسان إلها يجب أن تتدنى الضحية لأن تصبح جلادا

ألبير كامو , الإنسان المتمرد , ص 221


لا أستطيع أن أمنع نفسي و أنا أعيد قراءة كتاب كامو المتمرد أو و أنا أستعيد راسكولنيكوف دوستويفسكي من التفكير في نموذج المتمرد الجديد , غير النمطية , بل المتجاوزة للصورة النمطية المعاصرة أو التاريخية للمتمرد , الذي سماه سعد الدين إبراهيم "المناضل المسلم الساخط" ( تركي علي الربيعو , الحركات الإسلامية في منظور الخطاب العربي المعاصر , ص 8 ) , هذا المتمرد العدمي الذي يريد تدمير كل شيء , و ينكر كل شيء , و الذي يستمد مشروعية مشروعه في قتل الآخر , قتل عدوه أو من يمكن أن يصنفه كعدو أو ببساطة أي كان , من ثورته , من تمرده , لا من قوة فوق إنسانية كما قد تخدعنا لحيته أو مظهره المتدين , إنه يتماهى بالإله فقط عندما يثور على كل شيء و عندما يمكنه أن يقوم بتدمير نفسه ليحقق غرضه في تدمير كل شيء , في إنكار كل شيء , عندها فقط يشعر بأنه قد استولى على امتيازات الإله في التدمير و القتل دون حساب , بل في القتل و التدمير كصورة متطرفة من أشكال الحساب , من أشكال ممارسة العدالة....هذا المناضل الساخط هو الصورة الأحدث من باكونين و نيتشاييف و رامبو و بريتون , من ممسوسي كامو و دوستويفسكي , إنه عدمي , سوريالي , معادي للسائد , فقد إيمانه بالقيم السائدة و أصبح يؤمن فقط بالنفي , على عكس ما قد يبدو على مظهره الخشن , إنه لا يعشق الماضي إلا كما يفعل أي متمرد , إلا كعشقه للمستقبل الذي يريد أن يبنيه على حطام الحاضر , عدوه الأول , شغله الأول.....إنه ليس ذلك المؤمن المستسلم للمقدس كما يزعم , كما أن نيتشه عبر عن ورعه الشديد و هو يعلن موت إله المؤسسة الدينية السائدة الغبي و الميت بالفعل أخلاقيا و شعوريا و عقليا , فإنه عندما يقتل باسم المقدس إنما يفعل ذلك باسم ثورته , باسم تمرده , إن هذا الساخط لا يقتل باسم إله يوجد في السماء أو خارجه , بل على العكس , إنه يقتل باسمه هو شخصيا , باسم تمرده و عبثية آلامه و مشروعه نفسه , بعد أن يتقمص المقدس بمجرد أن يتحول إلى متمرد لا يعرف الهوادة على السائد , إنه هو ذلك الإله الخفي الذي يتسلم زمام الأمور بمجرد إعلان ثورته ضد كل شيء , ذلك الذي يختفي وراء المقدس , إن آلامه , آلام مخاضه , موته , حربه , ثورته , العبثية , و العدمية , هي من يمنحه تلك الطوبى....أكثر الناس شبها بهذا المتمرد هم الخوارج , الذين ثاروا يومها بشكل عبثي ضد كل أشكال السلطة الطبقية و الدينية و السياسية على مدى عدة مئات من السنين دون هوادة , الذين بقدر ما كانوا يزعمون أن المقدس هو مبرر ثورتهم , بقدر ما كانوا هم من يحدد هذا المقدس و يعيد تعريفه جذريا بثورتهم ذاتها , و بقدر ما كانوا يدعون الاستناد إلى النص فإنهم كانوا يتجاوزونه لأنهم عندما يثورون فإنهم يكتسبون القدرة على إعادة خلق النص كما يريدون و كما يناسب ثورتهم ذاتها . لم يخضع الخوارج لمثال , بل تمردوا على أقدس رموز المقدس ذاته , و لم يكن في متناول أزلام المؤسسة الدينية السنية السائدة أمام هذه الثورة الجارفة إلا بعض الأحاديث المنسوبة إلى الرسول عن الخوارج لينتقدوا هذه الجرأة النادرة على المقدس , فإن الخوارج لم يكتفوا بالدوس على عظام الخليفة الراشدي الثالث عثمان أو قتل رابع هؤلاء الخلفاء علي , هذه الرموز التي دمجت فيما بعد بالمقدس و أصبحت تحمل مدلولات بالغة الأهمية للسلطة و للمقدس نفسه بنسخته التابعة لهذه السلطة , بل تطاولوا حتى على النبي محمد نفسه , أهم رموز هذا المقدس , بل مؤسسه الأول : ينسب التأريخ الرسمي للمؤسسة الدينية السائدة نشأة الخوارج لذي الخويصرة الذي واجه الرسول محمد نفسه عندما قسم شيئا من الذهب بطريقة غير عادلة : اعدل , و في لفظ آخر : اتق الله يا رسول الله , تذكر كتب التاريخ الكثير عن شجاعتهم , عن التزامهم الحرفي بالعدالة فيما بينهم حتى في أتفه القضايا و عن الديمقراطية غير المحدودة فيما بينهم أيضا في غياب تراتبية هرمية تمثل سلطة الأعلى على من هو أدنى , و في إنكارهم لأية سلطة فوق سلطة العدل و الديمقراطية كقيم أساسية حتى سلطة النبي نفسه , هذا التماهي مع المقدس ( بل تجاوزه أو حتى الاستيلاء عليه ) يتحقق فقط من خلال الاستعداد للقتل في سبيله , من خلال التمرد المطلق , النفي المطلق لكل ما يريد أو يحاول أن يحل محله : هكذا يمكن فهم شعار الخوارج الرئيسي , لا حكم إلا لله . هكذا كان موقف المؤسسة الدينية الرسمية السنية أو الشيعية التابعتين للسلطة السياسية و الاجتماعية هو التردد الواضح أمام هذا الخطاب , فبينما استمدت هي مشروعيتها في تمثيل المقدس من سلطتها على الوعي الجمعي في مسائل التكفير و الفتوى و صفات الله السفسطائية و التي حرصت على منحها صفة استثنائية من حيث الأهمية بقدر ما كانت فارغة و جوفاء و من موقعها و دورها في بنية السلطة القائمة استندت مشروعية مشروع الخوارج إلى ثورتهم الباسلة ضد كل هؤلاء مجتمعين , الأمر المربك بالتأكيد لمن يعمد حراس السلطة الفاسدة بالزيت المقدس.....لكن مشروع هؤلاء المتمردين الجدد طوباوي بشدة , بدرجة غير مسبوقة , من المؤكد أن كل مشاريع التمرد طوباوية و أن هذا بالتحديد ما يجعلها جذابة و مغرية في مواجهة واقع يزداد قتامة , و من المؤكد أن استعداد المتمردين الجدد لممارسة القتل , المجاني غالبا , لا يقل عما فعله المتمردون الآخرون حتى الأمس , و أن المتمردين السابقين كانوا أيضا يشعرون بشيء من القداسة و العصمة في ثورتهم على الأوضاع القائمة , لكن من الصحيح أيضا كما في كل حالات التمرد السابقة أن الرعب الحقيقي يبدأ مع انتصار التمرد على الأمر الواقع , عندها تتحول اليوتوبيا إلى كابوس حقيقي , إلى جنون منفلت , خارج السيطرة , لإعادة بناء العالم على طريقة الكوميديا السوداء الكافكاوية , و أن هذا المشروع , الخارجي (نسبة للخوارج ) المعاصر , قادر على خلق رعب استثنائي أيضا بقدر ما ينسب لنفسه من قداسة و رغبة في إعادة بناء عالم فاسد حتى النخاع..ما يزال البحث جار عن تمرد جديد , عن شكل جديد من الحياة على وجه الأرض يفتقد في نفس الوقت لسجون و حراس السادة القدامى و الجدد....يشبه حال اليسار اليوم مع المتمردين الجدد حالة القدرية أو المعتزلة , الذين بدؤوا تاريخيا كجزء أصيل و مؤسس لمعارضة السلطة الأموية , حتى أنهم حاولوا تنظيم انقلاب داخل القصر الأموي يهدف إلى إلغاء امتيازات السلطة و العودة بها إلى حالة شورى سياسية في مرحلة لاحقة , لينتهوا في وقت لاحق للقيام بدور المؤسسة الفكرية للسلطة العباسية ( و المكلفة بممارسة القمع الفكري للمعارضين ) و حتى عندما انقلبت السلطة في وقت لاحق عليهم واصلوا سياسة التنافس مع الحنابلة على استرضاء السلطة و خدمتها.....مر وقت كان فيه اليسار حاضن شعار التغيير و حتى التمرد , و أغلب فصائله تقتات حتى اليوم على بقايا هذا الانطباع بأن اليسار مهما كان انتهازيا فهو في النهاية سيقف ضد الوضع القائم , لكن هذه الانتهازية نخرت هذا اليسار و جعلته عبارة عن حالة جوفاء , و أورثته الستالينية شعورا غبيا بالتعالي على الجماهير , و أخيرا مع الانهيار تحولت الطليعة الستالينية إلى نخبة ليبرالية بسرعة استثنائية بحيث أصبح من الصعب إن لم يكن المستحيل حتى تخيل أن يلتسين و شيفاردنادزه و علييف و نظرائهم العرب كانوا حتى وقت قريب جدا أعضاء في المكتب السياسي لحزب شيوعي , و مع التبني السريع للنيو ليبرالية أصبح الليبراليون جزءا لا يتجزأ من المنظومة الكولونيالية لإنتاج سيطرة مركز النظام الرأسمالي العالمي على مجتمعاتنا , و مع بروز المتمردين الجدد بلحاهم الطويلة و أحزمتهم الناسفة كان هؤلاء اليساريون السابقون يقتربون باستمرار من شتى أنواع الأنظمة التي شعرت بخطر المتمردين الجدد و وظفت إمكانيات مثقفيهم في مواجهتها ضد هذا التمرد الجديد , و أخيرا تمادى اليساريون السابقون في استجداء السلطة و النظام الرأسمالي العالمي و الالتجاء إليهما و استعدائهما على الأصوليين في مقابل تزيين قمعهما و استبدادهما و قهرهما الاجتماعي , و عوضوا عن هذه الخيانة التاريخية بطقوس غبية من الاستعلاء المبتذل على الناس العاديين المفتونين بالمتمردين الجدد و الذين يصارعون من أجل الحياة في عالم لا يطاق بينما ينعم الانتهازيون بحياة دافئة في مؤسسات الأنظمة القائمة أو التابعة لرأس المال العالمي أو البترودولاري.....قال غيفارا قبل عقود أن هذا العالم يدوس على عظام الفقراء و أن اليسار حمل السلاح يومها ليخفف من وطأة هذا العالم على أجساد الفقراء , لم يتغير العالم باتجاه الأحسن , إذا تركنا نخبة محدودة جدا من البشر فإن هذا العالم الآن لا يدوس فقط على الفقراء , إنه و منذ صعود النيوليبرالية يكسر عظام الفقراء تحت وطأة قهر و قمع لا يطاقان , ليس العالم الذي تغير , بل اليسار الستاليني و الانتهازي الذي استبدل الواقع بمتاهات الإيديولوجيا فقط ليثبت أنه لم يكن يكترث بالجماهير منذ البداية و إن اختبأ خلف رطانة ثورجية فارغة , ليس فقط ليسلم سلاحه بل ليوجهه ضد الجماهير نفسها كتعبير عن "تفوقه الفكري" عليها و كتعويض عن عزلته التي فرضها على نفسه أو قبلها عن طيب خاطر بأمر من الأنظمة القمعية , هذا "التفوق" الذي يستنسخ الصورة الكولونيالية النمطية الاستشراقية لمركز النظام الرأسمالي العالمي عن مجتمعاتنا و إنساننا كمخرج ضروري لأزمة لا شفاء منها.......

مازن كم الماز

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات