بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
مرثية الامير القطري للنظام العربي
  07/04/2010

مرثية الامير القطري للنظام العربي
ميشيل كيلو- القدس العربي

رغم أسئلة كثيرة محيرة تتصل بالتناقض بين صغر حجم دولة قطر بموقعها الطرفي من العالم العربي وضخامة دورها وتأثيرها، وبين قيامها بدعم حماس وحزب الله وإقامة علاقات وثيقة مع إسرائيل، وبين استضافة أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في العالم خارج أراضي الولايات المتحدة وتحالفها مع إيران، وأخيرا بين سمعتها القومية، بل الناصرية، وموقفها البارد - حتى لا أقول المعادي -من السعودية ومصر، الدولتين المهمتين لأي عمل قومي محتمل أو ممكن، فإنني أؤيد ما قاله أمير قطر وهو يسلم رئاسة مؤتمر القمة العربية للعقيد معمر القذافي، في لحظة صدق : 'إن العمل العربي المشترك يواجه أزمة حقيقية.
وقد توافرت أمامنا الشواهد والأدلة على أزمة مستعصية لم يعد ممكنا تجاهلها أو الالتفاف حولها، فإما أن نترك العمل العربي المشترك لمصائره ومصادفاته تذهب به إلى حيث تشاء، أو أن نقف وننبه إلى أن هناك ضرورة للمراجعة وإعادة النظر، فلا نستطيع أن نخدع أنفسنا أو شعوبنا، أو نقف عاجزين أمام مسؤولية التاريخ، ولا نقبل أو نرضى أن نتقدم إليكم اليوم أو إلى الأمة من خلفكم بتقرير عن إنجازات دورة شرفنا بمسؤوليتها، ذلك أن هذه الإنجازات لم تتحقق وأية نتائج توصلنا إليها لم تكن مرضية. وأؤكد من منطلق مسؤولية الحق والحقيقة أن لا هذه الدورة ولا غيرها سابقة عليها أو لاحقة لها يمكن أن تكون ناجحة أو مجدية في ظل هذه الأوضاع'. كعلاج مستعجل اقترح الأمير تشكيل 'لجنة اتصال عليا 'لحل أزمة العمل العربي المشترك'.
تعاني الأمة العربية من أزمة مستعصية لم تنفع في علاجها السياسات المتبعة. هذا ما قاله حاكم عربي ضليع، يدير التناقضات السابقة الذكر بمهارة واقتدار، ليس من أنصار المجتمع المدني، وليس معارضا أو إصلاحيا، ولم يعتنق في الماضي أو الحاضر أفكارا ثورية، ولم يكن وحدويا، ويرفض بالتأكيد أن يعد اشتراكيا أو شيوعيا أو إسلاميا متطرفا. قال الرجل في لحظة وجدانية : إن سياسات الحكومات العربية وطرقها في العمل العام ورطت الأمة في أزمة مستعصية لا حل لها عندها، تتحمل وحدها مسؤولية الفشل الذي آلت إليه الحياة العربية، فلا فائدة من مؤتمرات القمة أو غيرها، ولا بد من وقفة صادقة مع الذات، وإلا كانت العواقب وخيمة. هذه الكلمات والأفكار هي مرثية الأمير القطري للنظام العربي، وإعلان عجزه الكامل والشامل.
بدوره، ألقى الأخ معمر القذافي أضواء ساطعة على الجانب الآخر من صورة الحال العربية، جانب المواطنين العرب، عندما قال: 'إن المواطن العربي ينتظر من القمة الأفعال، والشعوب شبعت من الكلام، وسمعت كلاما كثيرا... واعتقد أنهم ينتظرون من قادة العرب الأفعال وليس الأقوال أو الخطب... إن المواطن العربي تخطانا، المواطن الآن متمرد ومتربص، إذا عملنا شيئا، قررنا وعملنا شيئا يلبي طلباته، يمشي معنا، وإذا لم يرض عن ما نقوله أو ما نقرره، فهو لا يتقيد ولا يلتزم... والجماهير لديها الآن قرارها، ولا نستطيع أن نحتمي بعد الآن وراء الصولجانات لأنها أصبحت واهية أمام زحف الجماهير، وأمام غضبهم وأمام التمردات الفردية والجماعية'. في هذا السياق، حذر القذافي من: 'إن النظام الرسمي أصبح يواجه الآن تحديات شعبية متزايدة، والحكام عموما في وضع لا يحسدون عليه، لأنهم يواجهون تحديات غير مسبوقة'.
وختم كلامه قائلا بيأس: 'لقد تحدثت أنا نفسي خلال أربعين عاما عن جميع المسائل التي تهم العرب'.
ومع أنني لم أفهم إن كان العقيد يدين نفسه بسبب كثرة كلامه، الذي لم يقدم أو يؤخر، أو يذكّر إخوانه بعدم وجود حاجة إلى مزيد من الكلام، بعد أن أشبع هو نفسه المسائل جميعها كلاما وأقوالا، دون جدوى. من جانبه، ليس العقيد نصيرا للديمقراطية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان ـ ومع أنه أصدر 'وثيقة حقوق إنسان خضراء كبرى'، إلا أنه أعطى فيها الدولة حق اختيار زوجات المواطنين، إذا كان في ذلك مصلحة عامة ! ـ كما أنه ليس معارضا أو إصلاحيا. ومع ذلك، يقول بلغة واضحة إنه لم يعد لدى النظام العربي غير الكلام، الذي لم يعد مفيدا في جسر الهوة بين الحكام والمواطنين، وأن النظام العربي أفلس وتخطاه الخاضعون له، فلا مفر من أن يستجيب لمطالب الجماهير أو تتجاوزه فتعجز 'صولجاناته، أو الحدود الإقليمية'، عن حمايته، كما قال.
تنطلق من هذه الأقوال صرخة خوف تصدر عن أعلى مستوى عربي، جعلت رجب طيب اردوغان، رئيس وزراء تركيا، يلفت أنظار القادة العرب إلى ارتباط مصير بلاده بمصير بلدانهم، ويحذرهم بلغة مبطنة وموحية من أن تركيا لن تقبل أوضاعهم الراهنة، ولن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما قد يسببه فشلهم لها من ضرر.
أن يصدر هذا الكلام عن قائدين عربيين وفي جلسة علنية من جلسات مؤتمر قمة عربي، هذا هو الجديد، الذي يثبت أن إحساس المواطن العادي بالقرف والإحباط وصل إلى القادة، وأن الأزمة العربية غدت عامة شاملة، تغطي الحكومات والشعوب وتضعها في معسكرين متقابلين، كما قال العقيد. ثمة جديد أيضا، هو أن الرجلين استعارا كلام الديمقراطيين العرب في وصف الواقع القائم والتعبير عن الحنق عليه في صعيده الرسمي، والتحذير من نتائجه على الصعيد الشعبي.
تستحق أقوال الأمير والعقيد أعظم الاهتمام. إنها شهادة دامغة تصطبغ بمسحة تشاؤمية وسوداوية يقدمها قطبان بيدهما الحل والربط في بلديهما، لم يقولا، جريا على مألوف الحكومات، إن الاستعمار والصهيونية وجماهير الشعب العربي تتحمل المسؤولية عن خرابنا، بل نسباه صراحة إلى أصحاب القرار، الذين جانبهم الصواب طيلة الحقبة الماضية المديدة، وجروا أمتهم إلى أزمة مستعصية لا مخرج لها منها بغير التغيير، بعد أن أغرقت النظام العربي في العجز، وجعلته يخلي الساحة القومية والوطنية لنظام إقليمي جديد لا دور له فيه، ركائزه تركيا وإيران وإسرائيل، تستعيد الأولى بفضله أمجاد آل عثمان وإمبراطوريتهم، وتنقذ الثانية نفسها بإلقاء غيرها ـ من العرب تحديدا ـ إلى النار، وتبتلع الثالثة فلسطين وتقعقع بالسيوف مهددة الأقربين والأبعدين من جيرانها.
أقر الأمير والعقيد بحقيقة مؤلمة هي أن العرب يقفون اليوم على مفترق طرق، وأن السياسات والوسائل والأفكار، التي اعتمدت في الماضي، لم تعد مجدية في الظرف الجديد، بما يحمله من مخاطر أهمها في رأي العقيد انقسام العرب إلى معسكرين متنافيين هما معسكر الحكام العاجزين ومعسكر الشعوب اليائسة، وقد دخل كلاهما في حقبة تشبه تلك التي ترتبت على سقوط فلسطين عام 1948، وقادت إلى سقوط النظام واستبداله بالنظام الحالي،الذي وصل بدوره إلى الإفلاس، ويحضر بفشله شروط نجاح بديله، الآتي دون شك، إذا ما اقتصرت أفعال النظم على الكلام، ودامت أزمة الأمة المستعصية! إنها صرخة تحذير ونفاد صبر أطلقها قائدان عربيان ترأسا مؤتمر القمة، الذي دأب على طمأنة الأمة، وقال دوما إن أمورها على أفضل ما يرام، وانتصاراتها ملموسة وباهرة، لا ينكرها غير جاسوس أو عميل أو معارض موتور يخدم العدو الامبريالي/ الصهيوني.
عندما يتحدث الرسمي بلغة المعارض عن وضع هو الذي أنتجه، فهذا يعني أن أموره ليست بخير، وأنه لم يعد واثقا من المستقبل، وانه يقر بأن التغيير هو سبيل النجاة الوحيد.
هل هذه الرسالة صادقة، وهل وصلت إلى القمة، التي كانت واحدة من أكثر القمم العربية حيرة وارتباكا؟
هذا ما يرجوه كل عربي محب لأمته،وإن كانت هناك علامات مهمة لا تشير إلى ذلك، منها القمة كان يجب أن تركز على موضوع واحد وخطير هو إعادة بناء النظام العربي، كي يحد من استيلاء إسرائيل على أرض فلسطين وقرار العرب، ومن تدخل إيران السافر في الشأن العربي، ويضع أسسا تلزم الجميع بحماية الوجود العربي من الأخطار، وتشجع تفاهما طويل الأمد ومتكافئا مع تركيا، كي لا تظن بدورها أن الفراغ والعجز العربيين يقدمان لها فرصة التحكم بنا على طبق من ذهب، كما يظن نجاد الإيراني وجماعته. لم يحدث شيء من هذا خلال القمة.
لذلك، لم ينظر معظم الشعب العربي العادي إلى نتائجها بعين الرضا، واعتبر انعقادها خطوة أخرى على طريق الضياع العربي، الذي حذر منه أمير قطر والعقيد القذافي!
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات