بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
إنكار المحرقة… وإنكار النكبة
  19/05/2010

إنكار المحرقة… وإنكار النكبة


نشرث صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، حواراً أجراه مراسلها في برلين عبر الهاتف مع جلبير الأشقر، المقيم في لندن. وقد نُشرت المقابلة في 27 نيسان الماضي، ثم نشرت مجلة «ذي جيروزالم ريبورت» ترجمة إنكليزية عن المقابلة في عددها الصادر في مطلع أيار. ويدور الحوار حول كتاب جلبير الأشقر الأخير، «العرب والمحرقة النازية: حربُ المرويات العربية ــــ الإسرائيلية»، الذي صدر بالفرنسية قبل أشهر في باريس، وبالإنكليزية أخيراً في كل من لندن ونيويورك. وقد صدر الكتاب باللغة العربية في مطلع هذا العام في القاهرة عن المركز القومي للترجمة، كما صدر لتوّه في بيروت عن دار الساقي. ونورد هنا ترجمة لنص الحوار كما جاء في صحيفة «يديعوت أحرونوت»
إلداد بيك *
غادر جلبير الأشقر لبنان سنة 1983، بعد أول حرب واسعة النطاق شنّتها إسرائيل على بلاده. وبعد ما يقارب الثلاثين عاماً من ذلك الوقت، يؤكد الأشقر، وهو أستاذ العلاقات الدولية في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن ومناضل يساري وناشط من أجل السلام، أن تلك الحرب الضروس بين إسرائيل والفلسطينيين في لبنان كانت منعطفاً في طريقة نظر العالم العربي إلى المحرقة. ويرى الأشقر أن التشبيهات التي أجراها في ذلك الوقت رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن بين ياسر عرفات وهتلر وبين أعداء إسرائيل والنازيين قد خفّضت من اعتبار المحرقة وجعلت العديد من الناس في الجانب العربي يشبّهون إسرائيل بالنازية ويذهبون إلى حدّ الزعم أن إسرائيل اخترعت المحرقة لتبرّر سياستها في الشرق الأوسط.
صدر قبل أسابيع في فرنسا كتاب جديد لللأكاديمي الفرنسي ــــ اللبناني الذي يبلغ التاسعة والخمسين من العمر، وعنوان الكتاب يفصح عن محتواه غير الاعتيادي: «العرب والمحرقة». إن الأشقر، وقد سبق أن نشر كتابين مع كل من الناشطين اليساريين الأميركي والإسرائيلي نوام تشومسكي وميخائيل فارشفسكي، يتناول للمرة الأولى في كتابه موضوعاً بالغ الحساسية: موقف العرب إزاء المحرقة، منذ صعود النازيين إلى السلطة حتى يومنا. وهذا الكتاب، الذي لا يخشى من تناول أكثر جوانب ذلك الموضوع إشكالية، قد صدر لتوّه في طبعتين عربيتين في القاهرة وبيروت.
إن الأشقر، الذي سبق أن درّس في باريس وبرلين، قد استهلّ كتابه بجملة من إنجيل متّى: «لِماذا تَنظُرُ إِلى القَذى الَّذي في عَينِ أَخيك؟ والخَشَبَةُ الَّتي في عَينِكَ أَفَلا تَأبَهُ لها؟» وفي أول مقابلة أجرتها معه صحيفة إسرائيلية، يقول الأشقر: «إن العبرة من هذا الحديث الرمزي أن على الإنسان أن ينظر في ما فيه من عيوب قبل أن ينتقد الآخرين». لكنه يواصل سائلاً عمّا بنا نحن من عيوب. فيقول ليديعوت أحرونوت: «في الجانب الإسرائيلي تُوجَّه جملة من الاتهامات للعالم العربي عن المحرقة، بدون أي نقد ذاتي. هناك كتّاب إسرائيليون من الأنانية إلى حد أنهم لا يرون أن مآخذهم على العالم العربي يمكن أن تؤخذ على إسرائيل، وتنطبق أحياناً بالأحرى عليها. غير أن الحديث يصلح أيضاً للعرب، بالطبع. في كتابي حاولت تناول الأمور التي أراها مستهجنة. ولا أدافع عن أحد بصورة غير نقدية. بل أرى أن نظرة نقدية إلى الجماعة التي ينتمي إليها المرء قبل أن ينتقد الآخرين إنما هي المقاربة المطلوبة».

س: هل تستطيع أن تكون أكثر تحديداً؟
غلاف الكتابغلاف الكتابج: «في الجانب العربي لا أشعر بأدنى تعاطف مع ما قام به مفتي القدس، الحاج أمين الحسيني، أثناء الحرب العالمية الثانية. كما أرى أن إنكار المحرقة في العالم العربي هو خاطئ ومضلّل ومسيء للقضية العربية والفلسطينية. لكن في الجانب الإسرائيلي، كيف يمكنكم انتقاد إنكار المحرقة في العالم العربي عندما تنكر إسرائيل النكبة الفلسطينية؟ أنا لا أشبّه بين طرد الفلسطينيين سنة 1948 والمحرقة. فالمحرقة كانت إبادة جماعية وبالتالي مأساة أعظم بكثير من آلام الفلسطينيين منذ 1948. غير أن العرب والفلسطينيين لم يقترفوا المحرقة، بينما إسرائيل هي المسؤولة عن النكبة. وقد أثبت ذلك مؤرخون إسرائيليون. ومع ذلك، تواصل إسرائيل إنكار مسؤوليتها التاريخية في تلك المأساة. وقد احتجّت وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني على الأمين العام للأمم المتحدة لاستعماله كلمة النكبة، التي تعني الكارثة باللغة العربية. وهذا يساوي الاحتجاج على استعمال إسرائيل كلمة «شوآه» [الكارثة بالعبرية].
«في كتابي، ندّدت بشدة بمنكري المحرقة الفلسطينيين والعرب، الذين تزايد عددهم عمّا كان قبل ثلاثين أو أربعين عاماً. وفي هذا الأمر بصورة رئيسية انفعالٌ ينمّ عن الغيظ، وليس إنكاراً متعمّداً. إن الفلسطيني أو العربي الذي يقول إن المحرقة قد اخترعها الصهاينة لتبرير أعمالهم، إنما يتفاعل مع استخدام إسرائيل المحرقة لأغراضها. إنه ردّ فعل غبيّ. وإنكار المحرقة في رأيي هو عداء الأغبياء للصهيونية. لكنّ هؤلاء أناس ينكرون حدثاً تاريخياً لم يكن لهم ولا لشعبهم أي دور فيه. في المقابل، فإن الإنكار الإسرائيلي للنكبة أخطر بكثير لأن إسرائيل كانت هي المسؤولة عنها. كانت النكبة حدثاً حاسماً في تأسيس إسرائيل. ثمة دول أخرى قامت في ظروف مشابهة، غير أنه ينبغي عليكم أن تقرّوا بالحقيقة التاريخية وبالمسؤولية التاريخية. إن الوضع يزداد سوءاً اليوم بسبب الاضطهاد الإسرائيلي للفلسطينيين».
وُلد الأشقر لعائلة من المغتربين اللبنانيين في السنغال، لكنه نشأ ودرس في لبنان. يقول: «راودت مدرسة ثانوية فرنسية في لبنان وعلمت بالمحرقة في وقت مبكّر من حياتي. إنني أنَسي. وكانت المحرقة دوماً بالغة الأهمية في نظري». طُلب منه قبل سنوات أن يكتب فصلاً عن العرب والمحرقة في كتاب أكاديمي. وقاده البحث الذي أجراه لكتابة الفصل إلى كتابة مؤلف ضخم حول الموضوع. وحتى إذا لم يتفق المرء مع كل ما كتبه الأشقر، فإن عمله خوضٌ جريء في موضوع بات محرّماً في السنين الأخيرة في العالم العربي.
يقول الأشقر: «أحسب أنه لو لم يكن الموضوع يهمّني لما طلبوا مني الكتابة عنه. فقد علم الذين طلبوا مني الكتابة أنني متفهم للأهمية التاريخية للمحرقة وأن لديّ الحسّ الضروري لتناول الموضوع». ويضيف: «كنت أعلم منذ البدء أنه موضوع مثقل جداً وأن كل طرف لديه مروية مختلفة، وخاصة في ما يتعلق بموقف العالم العربي إزاء المحرقة. وهناك الكثير من الدعاية في الأمر. شعرت أن هناك مسخاً عظيماً للمواقف التاريخية. واكتشفت خلال البحث الذي قمت به أن الوضع أخطر بعد مما ظننت وأن هناك تشويهاً أكبر».

س: تؤكد في كتابك بدون لبس أنه لا يمكن تشبيه المحرقة بالنكبة، لكنّك ترى علاقة بينهما.
ج: «العلاقة جليّة. أظن أنه لولا المحرقة ولولا صعود النازيين لما تحقق المشروع الصهيوني. فعندما تنظر إلى الهجرة اليهودية إلى فلسطين قبل 1933 وتقلّص عدد المهاجرين بعد انفجار صدامات سنة 1929، يتضح أنه بدون الظاهرة التاريخية الرهيبة التي تسمى بالنازية وامتداد اللاسامية في أوروبا لما حصلت الهجرة اليهودية الكثيفة إلى فلسطين التي سمحت بإنشاء إسرائيل. فإن صعود هتلر إلى السلطة وكل ما حصل خلال الحرب العالمية الثانية أمورٌ منحت الفكرة الصهيونية مصداقية. والحال أن الصهيونية كانت أيديولوجية أقلّويّة في أوساط الجماعات اليهودية قبل صعود النازيين. وأغلب اليهود الأوروبيين لم يكونوا صهاينة. يُضاف إلى ذلك خبث العالم الغربي الذي أوصد أبوابه في وجه اللاجئين اليهود.
إن الإنكار الإسرائيلي للنكبة أخطر بكثير لأن إسرائيل كانت هي المسؤولة عنها

هناك جامعيون إسرائيليون يدّعون أن على الفلسطينيين قسطاً من المسؤولية عن المحرقة لأنهم ثاروا وطالبوا البريطانيين بالحدّ من الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وحالوا بالتالي دون هجرة مئات الآلاف من اليهود إلى فلسطين، وقد أبيد هؤلاء في المحرقة. هذه محاججة مغرضة جداً. فلماذا يلومون الفلسطينيين على تمرّدهم على مشروع كان هدفه المعلن إقامة دولة أجنبية على أرض بلادهم، ويتناسون أن البريطانيين كان بوسعهم، وهم يحدّون من الهجرة اليهودية إلى فلسطين، أن يسمحوا بها إلى بلادهم كما إلى سائر أنحاء الإمبراطورية العظيمة التي كانوا يسيطرون عليها؟ ويمكنك توجيه اللوم ذاته إلى الولايات المتحدة وسائر بلدان العالم التي اجتمعت في مؤتمر إيفيان سنة 1938 بدعوة من الرئيس الأميركي روزفلت، ولم تبغِ هذه الدول أن تستقبل اللاجئين اليهود في بلدانها. هؤلاء هم المسؤولون عن المحرقة، لا الفلسطينيون. وقد خلقت المحرقة الشروط التي سمحت بتنفيذ المشروع الصهيوني، الذي لم يكن بالإمكان تحقيقه بغير عنف. وقد نجمت النكبة عن ذلك التنفيذ بالعنف، فالنكبة إذاً نتاج هذه التطورات».

س: هل كان تعاون بعض الأحزاب العربية مع النازيين بوحي أيديولوجيا مشتركة أم كان تكتيكاً سياسياً وفق شعار «عدو عدوّي هو صديقي»؟
ج: «بالنسبة للمفتي أمين الحسيني، كان في الأمر قسطٌ من الانتهازية السياسية وقسط من التجاذب الأيديولوجي في صدد اللاسامية. لم يشاطر المفتي النازيين نظرياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فلم تكن هذه الجوانب من الأيديولوجيا النازية تهمّه. أما العداء لليهود وللبريطانيين فكان أساساً مشتركاً بينه وبين النازيين. وقد تطوّر عداؤه لليهود بحيث التقى باللاسامية النازية. وهو لم يخفِ ذلك، بل يفصح بوضوح عن نظرة لاسامية للعالم في مذكّراته التي نُشرت قبل فترة».

س: كيف تفسّر إذاً الاستقبال الحار الذي لقيه في العالم العربي بعد الحرب العالمية الثانية؟
تشبيه نجاد بهتلر ضربٌ من العبث (أرشيف)تشبيه نجاد بهتلر ضربٌ من العبث (أرشيف)ج: «إن الفكرة القائلة إن المفتي لقي استقبالاً ظافراً في العالم العربي هي أسطورة. أن يكون الفلسطينيون قد عاملوه بوصفه زعيماً وطنياً اضطهده أعداؤهم البريطانيون والحركة الصهيونية، هذا شيء. أما إذا نظرت إلى تأثير الحسيني الحقيقي في العالم العربي، وحتى خلال الحرب، فسترى أنه كان محدوداً جداً. فقد أمضى المفتي وقته في برلين وروما وهو يحاول أن يحثّ الفلسطينيين والعرب على الالتحاق بالمحور الألماني ــــ الإيطالي ضد الحلفاء، وبالطبع ضد الحركة الصهيونية. ويُقدَّر عدد العرب الذين التحقوا بشتى المنظمات المسلحة التابعة لألمانيا النازية بستة آلاف فقط، بينما قاتل تسعة آلاف من عرب فلسطين في الصفوف البريطانية. أما العدد الإجمالي للعرب الذين خدموا في قوات الحلفاء فأكبر بكثير، بمن فيهم ربع مليون من المغاربيين قاتلوا في صفوف قوات ديغول. هذا يثبت أن تأثير المفتي كاد لا يستحقّ الذكر. واليوم قلّما يهتمّ الناس بالمفتي في العالم العربي. وقد اقترن اسمه بالهزيمة حتى قبل رحيله إلى أوروبا: هزيمة الثورة الكبرى في فلسطين، ثم هزيمة الثورة ضد البريطانيين في العراق. وقد أدّى اصطفافه وراء الألمان إلى زيادة الاشمئزاز منه، حتى من القوميين العروبيين».
لماذا إذاً، يسأل الأشقر، كل هذا الاهتمام بالمفتي في إسرائيل؟ يفسره قائلاً: «لم يكن لدى إسرائيل والحركة الصهيونية من إجابة على قول الفلسطينيين إن المحرقة كانت أمراً فظيعاً، لكنهم ليسوا مسؤولين عنها، وإنه بالتالي لم يكن هناك من سبب كي يدفعوا هم ثمن أعمال الأوروبيين». ويضيف: «ثم أخذ الصهاينة يقولون إن المفتي هو برهان ضلوع الفلسطينيين في المحرقة. وخلقوا مرويّة تُظهر العرب كأعوان للنازيين، بحيث يزعمون أن حرب 1948 كانت آخر معارك الحرب العالمية الثانية ضد النازيين. غير أن هذه المرويّة لا تصمد أمام الوقائع التاريخية. إنها دعاية مغرضة».

س: لم يتوقف التعاون مع النازيين عند المفتي. فقد وجد العديد من المجرمين النازيين مأوىً في بلدان عربية، واستوحت أحزاب عربية شتى كالبعث من الأيديولوجيا النازية.
ج: «ليس هناك أي إثبات على أن البعث تأثّر بالأيديولوجيا النازية عند نشأته. فحتى محاولة إظهار البعث ومؤسسه ميشال عفلق على أنهم نازيون دعاية مغرضة. عفلق تأثر باليسار وكان على اتصال بالشيوعيين والماركسيين الذين عارضوا النازية. إن البرهان الوحيد في المزاعم ضده هو أنه كان يحوز في مكتبته نسخة من ترجمة فرنسية لكتاب ألفريد روزنبرغ (أهم صائغي الأيديولوجيا النازية وكاتب برنامجها العرقي ــــ إ.ب.). وهذا بمثابة الادعاء أن كل من حاز نسخة من «كفاحي» في داره إنما هو نازي. لكن قرّاء الكتب لا يوافقون بالضرورة على محتواها. أما عندما تتكلم عن البعث في الستينيات والسبعينيات، فالنازية لم تعد موجودة. وقد يكون البعث العراقي الذي تزعمّه صدّام حسين قد استخدم حججاً لاسامية، لكنها لم تكن تتعلق بالنازية.
صحيح أن عدداً من النازيين السابقين وجدوا مأوىً في العالم العربي، في مصر وسوريا. لكن ما عدا ألويس برونر (الساعد الأيمن لأيخمان ــــ إ.ب.) الذي لجأ إلى سوريا، لم يكن بينهم أي مسؤول نازي شارك في ماكنة الإبادة. لكن لماذا تُرفع هذه الحجة ضد العرب فيما منح أصدقاء إسرائيل، بدءاً بالولايات المتحدة، مأوىً للنازيين وسمحوا بهجرة مجرمين أخطر بكثير من الذين التجأوا إلى العالم العربي؟ أفَلم تتلقَّ إسرائيل تمويلاً عظيماً من ألمانيا الاتحادية، التي كانت ملأى بالنازيين السابقين وحتى في حكومتها. فقد كان أقرب معاوني المستشار أديناور، صديق إسرائيل ومموّلها، هو الرجل الذي صاغ قوانين نورمبرغ العرقية. فالرغبة في إظهار العرب كنازيين بعد النازية تستند إلى منطق يجعل من أميركا اللاتينية والولايات المتحدة وألمانيا نازيين. هذه دعاية مغرضة، ليس إلّا».

س: هل لقلة مناقشة التعاون مع النازيين في العالم العربي تأثير على إنكار المحرقة في قطاعات شتى من المجتمع العربي والمسلم؟
ج: «إن احتداد التوتّر بين إسرائيل والعرب والفلسطينيين في السنوات الأخيرة هو الذي أدى إلى تجذّر المواقف عند الطرفين. لكن حتى حماس لم تؤسس يوماً كتائب مسماة باسم المفتي أمين الحسيني. وليست هناك صواريخ أو شوارع مسماة باسمه. لا أحد يهتم به. إن البطل في نظر حماس هو عزّ الدين القسّام. عليك فهم ذلك لكي تتخلّص من الدعاية المغرضة. ثم لو كان الناس يهتمون بالمفتي حقاً لما كان هناك أي إنكار للمحرقة، لأن أمين الحسيني لم يكن من منكري المحرقة. بل يروي في مذكراته كيف أبلغه هملر في صيف 1943 أن ألمانيا كانت تعمل على إبادة اليهود وأنها قد قتلت ثلاثة ملايين منهم حتى ذلك الحين. ويكتب المفتي بسرور أن اليهود دفعوا ثمناً أعلى مما دفعه الألمان بالمحصّلة، وأن ثلث يهود العالم قد قُتلوا. وبذلك يؤكد الرقم المعروف عن ضحايا المحرقة.
منكرو المحرقة في الغرب يكنّون عداءً كاملاً للسامية. أما في العالم العربي، فإن الإنكار ينمّ عن الغيظ والكبت أمام تصاعد العنف الإسرائيلي

إن إنكار المحرقة في العالم العربي اليوم ينمّ عن الجهل بصورة رئيسية. بيد أنه لا بد من التمييز بينه وبين إنكار المحرقة في الغرب، الذي هو ظاهرة مَرَضية. في الغرب إن منكري المحرقة مرضى نفسيون، ويكنّون عداءً كاملاً للسامية. أما في العالم العربي فإن الإنكار الذي في بعض تيارات الرأي العام، التي لا تزال أقلية، إنما ينمّ عن الغيظ والكبت أمام تصاعد العنف الإسرائيلي، مصحوباً بتزايد التذرّع بالمحرقة. وقد بدأ ذلك مع اجتياح لبنان سنة 1982. فقد أفرط مناحم بيغن في إساءة استعمال ذكرى المحرقة، حتى في الخطاب السياسي الإسرائيلي الداخلي. وقد أدى ذلك لدى بعض الناس في العالم العربي إلى رد فعل بأغبى الأشكال، قائلين: إذا كانت إسرائيل تحاول تبرير أعمالها بالإشارة إلى المحرقة فهذا يعني أن المحرقة مضخّمة أو هي نتاج الدعاية. وكلّما ازداد العنف، كلّما تزايد رد الفعل هذا، الذي هو في الواقع تحدٍّ رمزي. وليس أعمق من ذلك».

س: إنك تزعم أيضاً أن العرب الذين يشبّهون إسرائيل بالنازيين يردّون على التشبيه الإسرائيلي للقادة العرب بهتلر.
ج: «إن النزعة إلى رؤية النازيين في كل مكان تؤدي إلى تتفيه النازيين. كان هتلر وجهاً تاريخياً من السوء إلى حدّ أن تشبيه أحمدي نجاد به ضربٌ من العبث. يمكنك أن تظنّ ما تشاء في الرئيس الإيراني، لكن بلاده ليس فيها معسكرات اعتقال حيث تجري عملية إبادة. إن المجتمع الإيراني مجتمع يشهد صراعاً سياسياً، وليس مجتمعاً شمولياً على طريقة ألمانيا النازية. والحال أن التشبيه بالنازيين وبهتلر شائع جداً داخل إسرائيل أيضاً. وقد شبّه بن غوريون بيغن بهتلر، ووزّع اليمين المتطرّف في إسرائيل صوَراً لرابين بزيّ وحدات س س النازية. فالإسرائيليون يرون هتلر في كل مكان: ناصر، صدّام حسين، عرفات، نصر الله. فلماذا تتعجّبون إذا فعل العرب ذلك هم أيضاً؟ طبعاً، كل هذا غلوّ غير مجدٍ».

س: كيف يمكن تخطّي العقبات العديدة إذا لم يعترف الجانب العربي بحساسية إسرائيل إزاء المحرقة؟
ج: «بل إن الجانب العربي يتفهّم هذه الحساسية. ينبغي ألّا تنظر إلى العرب وكأنهم كتلة واحدة. طبعاً هناك تيارات لا تتفهّم الأمر، لكنها ليست الأكثرية. خذ عرفات مثلاً، الذي صُوّر كأنه إبليس. أفَلم تقم منظمة التحرير الفلسطينية بمجهود جاد لتفهّم هذا الموضوع في السبعينيات؟ وعندما استُقبل منكر المحرقة الفرنسي روجيه غارودي وشُرّف في العالم العربي، أدرك عرفات أن ذلك يسيء إلى القضية الفلسطينية. فطلب زيارة متحف المحرقة في واشنطن، غير أن إدارة المتحف رفضت أن تستقبله استقبالاً رسمياً، فشعر بالإهانة وألغى الزيارة. ومع ذلك فقد تعمّد زيارة بيت آن فرانك [إحدى أشهر الضحايا اليهود للنازيين، اشتهرت بالمدوّنة التي كتبتها خلال اختبائها قبل اعتقالها وموتها في أحد المعسكرات النازية] في أمستردام. لكن الصحافة، عدا في إسرائيل، كادت تتجاهل الأمر تماماً. إن أناساً كإدوارد سعيد ومحمود درويش تفهّموا كليّاً الحساسية الإسرائيلية إزاء المحرقة. يجب الكفّ عن تصوير العدو تصويراً كاريكاتورياً بما يسمّم الأجواء. أجزم بأنه لو اختلف موقف إسرائيل إزاء العالم العربي والفلسطينيين، ولو كان موقفاً مسالماً، لتلاشت بسرعة تلك الظواهر التي تزايد في السنوات الأخيرة القليلة».
* عن «يديعوت أحرونوت»
الاخبار
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات