بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
المذبحة الإنسانية
  01/06/2010

المذبحة الإنسانية

سليمان تقي الدين

الوحش الإسرائيلي واجه العالم كله أمس باستخدام مخالبه في وجه الحرية والإنسان. ذاق العالم كله أمس طعم الجريمة المتمادية لهذا الكيان منذ نشأته وهو يتعامل بعنصرية مع الآخر لاغياً حقوقه ولاغياً وجوده. لم نكن بحاجة إلى هذه المذبحة الإنسانية غير المسبوقة للناشطين الدوليين الأحرار الذين جاؤوا من أربعين دولة من أجل الحرية لغزة. هذا الوحش الصهيوني الذي أسقط العالم عنه صفة العنصرية في العام 1990 في الأمم المتحدة هو ذاته أمس واليوم يمثل خطراً على كل المعاني والقيم الانسانية. على امتداد قرن دفع العرب عموماً والفلسطينيون خصوصاً أثماناً باهظة لجرائم إسرائيل، ولم تكن كل هذه الجرائم ممكنة إلا لأن العالم تغافل عنها، أدار ظهره لمعاناة الشعب الفلسطيني وحاول أن ينقذ إسرائيل من أي مساءلة أو محاسبة. نحن لا نحتاج إلى المزيد من الأدلة على الطبيعة الاجرامية للمشروع الصهيوني وعدوانية هذا الكيان المذعور لأن في أعماق شعبه شعوراً دفيناً بجريمته التي يحاول أن يلغي شهودها ويمحو آثار ضحاياها ويمنع العالم عن التدخل لوقفها. هناك مسؤولية دولية عن مأساة شعب فلسطين المحتلة أرضه، المشرد المفصول عن بيته ورزقه، المطارد في أمنه ووجوده، المحاصر في كل ما يحتاج إليه من عناصر الحياة. غزة ليست الأصل وليست القضية وليست خلاصة المسألة. غزة قضية لأنها تقاوم، ولأنها تؤكد هذا الحضور الفعّال لإرادة شعب لن يرضخ لشروط الإلغاء وشروط الاحتلال في تحويله إلى كمٍّ بشري تمارس عليه السادية الإسرائيلية، وتختبر في أجساد أطفاله أسلحة الفوسفور الأبيض والقنابل الذكية والمخصبة نووياً. المسؤولية على مجتمع دولي ما زال يتحدث عن أمن إسرائيل وهي التي تهدد أمن الآخرين. أسطول الحرية لغزة الذي جاء يفك الحصار الانساني، جاء يمنح الأمل والحياة، تحوّل إلى ضحية، جزرته إسرائيل في البحر بتخطيط مسبق، بوعيد معلن، بقرار صلف يهين العالم كله، يهين الدول والشعوب ويرشق وجوهها بالدم. أمس تمزق ضميرنا ونحن نشهد تمزيق أجساد المتطوعين الاحرار الذين جاؤوا من بقاع بعيدة ليعطونا درساً في معنى الكرامة والحرية واحترام الانسان. هؤلاء ليسوا عرباً لكنهم أكثر عروبة منا. هؤلاء ليسوا فلسطينيين ولكنهم أكثر انسانية وأصدق التزاماً بتلك القضية التي لم يعد لها نظير. هؤلاء هم شهود العصر على الظلم التاريخي اللاحق بنا، وعلى التخاذل العربي والتواطؤ العربي الذي يسمح لإسرائيل أن تتصرّف بهذا المستوى من الاحتقار لإنسانيتنا بعد أن سلبتنا أرضنا وحقوقنا باسم أسطورة فيها كل ما هو معادٍ لكل الثقافات والهويات والحضارات والوقائع التاريخية.
منذ بضعة أشهرصدر التقرير الدولي لمجلس حقوق الانسان وهو يدين إسرائيل بجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية. وقبله صدر قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي مديناً جدار الفصل العنصري، فهل كان علينا أن ننتظر هذه المذبحة لكي نسعى إلى فك الحصار عن غزة! هل كنا بحاجة إلى المزيد من الضحايا والمحارق على الآمنين والمدنيين والعزّل والمتطوعين لمهمات إنسانية! هل صار عجزنا نابعاً من فقدان الشعور الانساني بعد أن فقدنا «الأخوة العربية»! هل صارت سلطة «أوسلو» أقل ارتباطاً بقضية فلسطين من الاحرار في العالم؟
لكن رغم ذلك كله، برغم المرارة والشعور بالتقصير، برغم المهانة العربية، برغم البشاعة الإسرائيلية، لم نعد وحدنا، لم نعد مجرد ضحايا، لم نعد مسكونين بعقدة التفوق الإسرائيلي، ولم نعد محكومين بشرعية دولية جائرة، ولم نعد أذلاء خائفين، لم يعد الإرهاب يسكتنا، ولم يعد وهم السلام يخدّرنا. هناك دولة إرهابية منظمة تقتل من يعارضها فلسطينياً كان أم عربياً أم حراً من أي دولة ومن أي شعب. هذه الجريمة أكبر من أن تستدعي الاستنكار والإدانة، أكبر من أن يختبئ العالم عن الوقوف لمواجهة ما تعنيه في العقل الإسرائيلي المريض. ليست القضية فقط ان نفك الحصار عن غزة، آن لنا ان نبدأ محاصرة هذا الوحش الإسرائيلي الخطير على الأمن والسلم والحضارة وعلى الكرامة الإنسانية. ألف تحية لشهداء الحرية والكرامة والضمير في أسطول الحرية لغزة.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات