بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
ذاكرة وألم ..تتحدث عن علاقة الرجل الشرقي بالمرأة …بالحب
  06/06/2010

ذاكرة وألم ..تتحدث عن علاقة الرجل الشرقي بالمرأة …بالحب


فلورنس غزلان


رأيته للمرة الأولى يرتدي معطفه الأسود قادماً من البعيد..حرمنا من طلته شهوراً طويلة، لكنه كان حنوناً كان فرحاً وفَرَحنا بلقاءه كان أكبر ، للمرة الأولى رأيته يعانق أمي…أغمضت عيني وتمنيت لو طالت اللحظة ولم تنته…لكن صوته جاء يعلن أنه يريد رؤية والده أيضاً، طرت كنحلة تحمل خبر العسل وتريد أن تقطف شهد المفاجأة..لكن قدمي المتعجلة الصغيرة تعثرت لأسقط أرضاً في باحة الدار…شعرت بوخزة في ركبتي اليمنى وسائلاً أحمرساخناً ينساب فوق ساقي…لكني نهضت دون دمعة…وراحت يداي الرفيعتين ” كنت نحيلة جداً في طفولتي ” تطرقان بكل قوتهما باب جدي لأوقظه من نومه…”افتح ياجدي …إنه والدي لقد خرج من السجن وهاهو يعود إلينا…هرع معي مرتدياً قمبازه على عجل…عمت البهجة والعناق ودموع الفرح بيتنا…لا أدري إن كان هناك بلداً عرف في تاريخه ألماً وعانى شعبه أوجاعاً كما عاشه الشعب السوري في كل مراحل حياته السياسية ، دائماً هناك من يعيش حزنه الخاص …لأنه مختلف في رؤيته السياسية والفكرية!…رحمه الله كان والدي ينتمي للحزب القومي السوري…هذه المرة كانت الأولى التي أتعرف فيها على معنى السجون السياسية…لقد سجن والدي قبلها عدة مرات لكني لم أعِ ذلك ولا تسجله ذاكرتي الطفلية..كانت الخاتمة هذه المرة… بعدها اختار طريقاً آخر رغم صعوبته..ارتدى ذات ليلة قمبازأ وشماخاً” استغربت المشهد الغريب في لباس أغرب حين عانقنا نياماً يحضننا بشدة ودموعه تنساب على خديه…لم أره يبكي من قبل حتى تلك اللحظة”..رحل إلى الأردن هارباً من وحدة مصر وسورية…وإغلاق كل سبل الرزق في وجهه..
اعتمدت هذه المقدمة الصغيرة لتكون نافذة على الموضوع من خلال علاقة أمي بأبي..وأني لم أر عناقاً أو قبلات بينهم إلا في حالات نادرة ومعدودة على الأصابع!، كلها جاءت ضمن أحداث حرمان وبُعد لمدة طويلة، لكنها أبداً لم تكن يومية أو عادية…لقد تربى أهلنا على القساوة وكبت المشاعر باعتبارها ضعفاً يمس رجولة الرجل!..كما تدخل اجتماعياً ضمن لغة العيب والخجل خاصة أمام الصغار!، وكأن التعبير عن المشاعر سواء بالكلمة أو بالحركة فيه من العيب الكثير ويسيء لتربية الأطفال ونشأتهم!..لهذا ينشأ أحدنا مُكَّبلاً خجولاً مرتبكاً عند أول موقف مع الجنس الآخر..يرتجف ويصاب باللعثمة ، يحمر ويخفض رأسه ويأتيك صوته فحيحاً خالياً من الأكسجين..
حين يفتقد الطفل في بيته كيفية لمس وسماع لغة الحب باعتباره عيباً أو فعلاً شائناً سوف يلجأ عند أول تجربة إلى استخدام طرق الإخفاء والتكتم والالتفاف… هنا تبدأ مرحلة حمل أكثر من وجه ليعيش الفرد منا متخفياً وراء أقنعة يُقنِع نفسه أنها أمر طبيعي وضرورة حياتية…فيصطنع الرزانة باعتبارها رجولة، ويمعن في تلبس سمة العفة والخشونة في ألفاظه واتباع لغة الأمر والنهي القاطعة كوسيلة من وسائل التعبير وقوة الشخصية! …يُعينه في اتباع هذه المسالك المعقدة والوعرة كونه يعيش في بلد لايعرف حرية فردية ولا مجتمعية، مجتمع ذكوري بطرياركي بجدارة، تسيطر عليه مفاهيم وثقافات دينية وتقليدية تمنحه السيادة والقوامة وحق القرار ــ على الأقل في محيطه الصغير ــ ناهيك عن دور المناهج والطرق التربوية التعليمية المتخلفة، التي تعمل على حشو المعلومات بطرق التلقين والفرض والحفظ ، كما تركز على الطاعة العمياء والخضوع لمن هم أكبر أو ” أدرى أو أكثر معرفة واطلاعاً ” ــ حسب المفهوم التربوي السائد ــ فالتلميذ في مدارسنا لم يألف طرق الاعتراض وإبداء الرأي أو التساؤل والشك في علاقته مع معلمه وأستاذه كي يصل إلى اليقين ويكتسب المعرفة عن طريق الحوار والنقاش والوسائل التعليمية الحديثة والمتطورة بدلاً من الأمر والحفظ ” صماً وحرفياً” …خاصة عندما تصبح قيم المعرفة والدرجات العلمية مقاسة بعدد العلامات والمجموع مضافاً إليها ماحصله من تدريبه في المعسكرات الصيفية والموسمية في( التربية الوطنية والحزبية التي تَفتَرِض فيه سلفاً مواطناً ثورياً بعثياً منتمياً لنظام بلده منذ الولادة)!..وبهذا يخرج للمجتمع مُتقِناً لطرق الدجل والتزويروالقدرة على ايجاد توازن يصطنعه لنفسه كما اصطنعه له مجتمعه بين مايحمله في رأسه وارتضاه حقيقة، وما يمارسه ليعيش في مجتمع كهذا المجتمع…أعتقد أننا نجد في شخصية الفرد الشاب خلال مرحلة عمره الجامعية ومايليها أنها تحمل بذرة الانفصام وبذرة الانسان المهزوز الشكاك…الذي يريد أن يتعجل مسيرة الزمن ويخرق طبيعته كي يكسب أكثر وكي ينتهز أكثر وكي يسرق ويختلس سواء على الصعيد المادي أو العاطفي الشخصي من خلال علاقته بالمرأة ” الزميلة ثم الحبيبة” ــ مما يسميه في عرفه المكتسب مجتمعياً (علاقةحب) ــ، فكلما زادت نسبة مغامراته النسائية كلما أثبت لمن حوله من زملاء ورفاق أنه فحل أكثر ..لكنه عندما يريد اختيار الزوجة يرجع نحو الوراء ليختار بأكثر الطرق تقليدية وأشدها تحجراً وتعنتاً وتخلفاً…فيختار الأصغر سناً والأقل تجربة ــ ” لأنه يريد أن يربيها على يديه” أو يريد امرأة بلا تجارب ، لم يمسسها رجل قبله على مبدأ ” ماباس تمها إلا أمها “ـــــ لأن موقفه منها كإنسانة مساوية له صار بعيداً، فخطاب الحب أمام الزميلة والحبيبة يختلف عن خطاب من يريد ” امتلاكها” لتكون له قطعة خاصة به يفعل بها مايشاء لهذا يختارها ” وينقيها على الطبلية” بشكل يتناسب مع مستواه العائلي ومستوى وموافقة أسرته وما ستجلبه له هذه المصاهرة وما ستأتي عليه من ربح معنوي او مادي أو وساطة ووصول لمنصب أو مكانة، أما علاقة الحب! …فستأتي بعد ..وإن افتقر إليها فيما بعد…فسيسمح لنفسه بمتعة خارج إطار الزوجية تسد حاجته..وتملأ عليه فراغاً كان المسبب الأول لوجوده في حياته وفي ظلمه لمن اختارها لتكون شريكة عمره وأم أولاده …هذه ستبقى مكانتها محفوظة للانجاب والبروزة الاجتماعية..
هذه لمحة عامة عن علاقة الشاب بالفتاة هذه الأيام وما ينطوي عليها من انتاج أسرة لاتملك أسس الصحة النفسية لبناء شخصية الفرد، وبالطبع ينعكس هذا الأمر على الفتاة وليس الشاب وحده، لكن قصدي الأهم ..وتساؤلي الأكبر…هو : لماذا نشعر أن التعبير عن العاطفة نوع من أنواع الضعف عند الرجل خاصة، أما الفتاة ، التي تستطيع الخروج من الشرنقة الاجتماعية والدينية والتغلب على التعقيد ـ خاصة حين تنشأ ضمن أسرة أكثر وعياً وتسامحاً وفهماً..وتملك مقدراتها وشيئاً من الحرية، فغالباً ماتكون نظرة الشاب لها باعتبارها منفتحة على الحياة وتفهمها بشكلها الطبيعي البسيط،، متحررة تؤمن بإنسانيتها ومساواتها وشراكتها للرجل في القرار الصغير داخل البيت والكبير في المجتمع وتسعى لرجل تحبه قبل الزواج وتعرفه دون وساطات ، فإنها بنظر الشاب تصلح كعشيقة لا كرفيقة درب وأم لأطفاله!.
لا أصدر تعميماً بكل تأكيد لكنها ملاحظات صدمتني ومفاجآت لقصص سمعتها وأسمعها كل يوم ترد على شفاه شباب وصبايا أصابهم اليأس والاحباط من انتشار هذه النسبة وازدياد حجمها…لدرجة أصبحت ظاهرة واضحة ومعضلة أمام الفتاة الواعية خاصة ، والتي تعف عن الزواج ، رغم ماتحمله من مؤهلات ورغم أنها منتجة، وإن كانت هذه الفتاة سافرة فالأمر يصبح أكثر تعقيداً وتشنجاً تجاهها، وإن حدث والتقت بأحدهم واقتنع بها ، فغالباً مايكون شرطه الأول أو نزولا عند رغبة أهله ، أن ترتدي حجاباً إسلامياً ..وبعضهم يصل به الأمر لحد مطالبتها بترك العمل خارج البيت ــ حين يكون ميسور الحال ــ أو يوافق على عملها ضمن شروط يرسمها لها ويؤطر حركاتها لتصب في النهاية في معنى الامتلاك وحق التقرير والسيادة والقوامة! وإن فعل فيعود السبب غالب الأحيان لحاجته المادية لعملها لالقناعته بها وبانتاجها، لأن عملها خارج البيت يظل مرادفاً لعملها داخله كزوجة وأم ومسؤولة عما يتعلق بشؤونه وماعليها سوى الاستعداد للتنفيذ والطاعة والالتزام” من أجل الستر ” وكي لاتنعت بالعانس!..وكم من فتاة تختار العنوسة …نعم تصبح العنوسة خياراً حين تصطدم بجدران تحجر العقل وتصلب العادات وتوقفها عن التطور ناهيك عن إلقاء العبء الأكبر على الدين وتأويل الرجل للدين وسماعه لفتاوى مشايخ تعمل على إزدياد حالات المجتمع إنغلاقاً وليصبح بالتالي موقفه من المرأة أكثر تطرفاً..
ما أستغربه في هذا الاستعراض السريع ويدهشني فعلاً، هو دور المثقف والسياسي وأخص بالذات اليساريين منهم..حتى هؤلاء..نعم حتى هؤلاء يضعون لأنفسهم قيوداً غير مرئية …هل هو الخجل؟ هل هي التربية وآثارها التي لم يتخلص منها؟ أم أن صرامته واختياره طريق السياسي المناضل تمنحه حق حصانة تجاه الحب؟ فيخجل حتى من البوح لزوجته بكلمات حب وتودد وغزل..هل يعتقد أن مظاهر الحب من الصغائر؟ ..بعضهم ذهب به الأمر لحد القول ــ وهذا نوع من التهرب برأيي ــأن الحب الكبير لاتؤطره الحروف بل تصغره …لأن الحب الكبير شعور أقوى من أن يترجم بكلمات!! ولا حاجة للمرء أن يتغزل وأن ينادي زوجته بألفاظ تنم عن حب ” على الطالعة والنازلة”!!..لكني أسأل، أليست الكلمة الجميلة أيضاً نوع من أنواع الغذاء للحب؟..وهل الحب فعل فقط ، تصرف ، هدية، سلوك، جنس…الخ؟! وهو كذلك كإنسان ألا يحتاج لسماع كلمات إطراء وحب وتدليل؟..بكل تأكيد يختلف الموقف بين فرد وآخر، كما تختلف الرؤيا والممارسة..لكني كنت أتمنى لو كان هذا اليساري صاحب الفكر العلماني أو الديمقراطي الليبرالي …أو القومي الديمقراطي …لاتهم التسمية السياسية …أن تجعله ثقافته قادراً على التخلص من آثار التربية الأسرية أو المجتمعية ، لكن يبدو أنه يتعب نفسه فقط ليتثقف سياسياً واقتصادياً، أما ثقافته عن كيفية بناء أسرته وعلاقته بشريكة حياته ، المُعَدة حُكماً لتكون مناضلة ضد العسف والاستبداد سواء كانت من نفس الخط السياسي أم بعيدة عن السياسة برمتها…لأن من ينهج طريقاً سياسياً مغايراً لنظام بلده يدرك سلفاً أنه سيكون ضحية من ضحايا عنف السلطة…فإما أن يهيء هذه الشريكة ويصدقها ويعوضها عما فاتها أوما سيفوتها من حب وتواصل حين افتقدته فجأة كرجل حياتها( السجن، ترك البلاد…)، أو يظل متمسكاً بقوقعة الخجل والارتباك والتلعثم حين تحصره المرأة في موقف يجب أن يخرج منه ” رجلاً حبيباً ، عاشقاً ” يستطيع التكلم في الحب والمناقشة في جوانبه العاطفية كما يتقن المناورة والمحاورة في شأن سياسي ما!.
باريس
خاص – صفحات سورية
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات