بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
عالم بلا يسار.. عالم بلا قلب
  22/08/2010

عالم بلا يسار.. عالم بلا قلب
احمد برقاوي

احتفل الرأسماليون وكلاب حراستهم من المثقفين، كما العدد الأكبر من رعاع العالم بهزيمة اليسار، بمأزقه أو بأزمته، وأعلنوا انتصارهم بأنه انتصار للتاريخ على الأوتوبيا، وللحقيقة على الأيديولوجيا.
كما عبر حكام الكيان العنصري الصهيوني عن تقديرهم لغورباتشوف بتسمية نوع من البطاطا باسمه، تقديراً منهم على دوره في زوال المنظومة الاشتراكية الأوروبية بكاملها.
والحق: أنه مـا أن أعلن غرباتــشوف عن حركة البيرستـريويكا والغلاسنوست (إعادة البناء والشفافية) حتى ساندها أغلب يساريي العالم.
ولقد ساندناها نحن في ندوة البيرستريويكا عربياً ظناً منا أن غورباتشوف يسعى لإعادة الحياة إلى الاشتراكية بمدها بأسباب الحرية والديموقراطية والإصلاح السياسي والاقتصادي، وللحق أيضاً فإن الروائي الكبير غالب هلسا، كان الوحيد من بين المثقفين المتنورين، الذي عارض البيرستريويكا.
وهذا لا يعني أنه كان على حق في حينه. ثم حصل ما حصل، لم يعد الاتحاد السوفياتي موجوداً، ولا أنظمة الحكم الاشتراكية في أوروبا الشرقية، وضعف تأثير الحركة الشيوعية وأحزابها على مستوى العالم، ورفعت الرأسمالية راية نصرها تجد السير نحو الرأسمالية المتعولمة (العولمة).
لقد انتصرت الريغانية و التاتشرية، ثم صار بوش الأب زعيم العالم بلا منازع. خاض الأب الحرب على العراق واحتل الابن العراق.
الدول الثماني تجتمع لتقرير مصير لقمة عيش البشر، والعالم مشاع لفعل الأميركيين وأدواتهم من الأوربيين، الحانين إلى مرحلة الاستعمار والإمبريالية.
وصار العالم في ظل العولمة وغياب قوة لجم يسارية للرأسمالية خراباً اجتماعياً وأخلاقياً وسياسياً.
عالم بلا يسار عالم بلا صراخ ضد الظلم والعدوانية واستغلال الإنسان.
عالم بلا يسار، فقراء بلا محامين، بلا أشباح تخيف الرأسمالية.
عالم بلا يسار، عالم بلا قلب، عالم حملان وذئاب فقط.
عالم بلا يسار، عالم بلا قيمة أخلاقية إيجابية.
حين ننظر إلى البنيوية على أنها فلسفة موت الإنسان كان ذلك بسب إهمالها الإرادة في الحياة.
الآن والعولمة الرأسمالية، أو الرأسمالية المتعولمة تحرق الحياة وتسعى لأن تحطم الإرادة الإنسانية، تعلن موت الإنسان حقاً.
اليسار وحده يعلن مرة أخرى ولادة الإنسان، ويجب أن يعلن ولادة الإنسان.
الرأسمالية المتعولمة ظاهرة عالمية ويجب أن يكون اليسار عالمياً، يجب أن نعود الى وحدة اليسار في العالم، التظاهرات التي تقوم الآن ضد الأكباش الثمانية حيث تتداعى جماهير التمرد من كل أنحاء العالم شكل من وحدة اليسار، شكل من ولادة اليسار.
نكوص بعض قادة اليسار في بلداننا، وتوبة آخرين، وسقوط ثلة من يساريي العرب في المستنقع الأميركي يجب أن لا يحملنا على الاعتراف بأن هزيمة اليسار هزيمة مطلقة.
نعم انهزم اليسار العالمي، انهزم اليسار العربي، ويجب أن نعود لقراءة تجربة اليسار ناقدين من موقع إعادة الحياة لليسار، لا من موقع قراءة الفاتحة عليه.
لكن كم هو بشع هذا العالم بلا يسار.
عالم بلا يسار عالم لصوص كبار وأصولية. لا صراع حقيقياً بين لصوص العالم والحركة الأصولية، سواء كانت أصولية مسيحية أو أصولية إسلامية أو أصولية يهودية. لصوص العالم فرحون بصراع كهذا، لأنه لن يثمر تقدماً إنسانياً، واكتساباً لحق الإنسان في الحياة الكريمة الحرة.
اليسار وحده يعطي للصراع مع لصوص العالم معنى حقيقياً، لأنه يحمل هموم البشر، هموم الفقراء، هموم المضطهدين، هموم المغتربين، الذين غربتهم همجية الرأسمال.
أي فجيعة إنسانية هذه أن نترك الرأسمالية من دون ردع، أي كوميديا بشرية هذه أن يكون العالم بلا يسار.
لست داع لعودة الدولة التسلطية في الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية الأخرى، لا أدعو إلى سلطة أبوية متخلفة كالسلطة في كوريا الشمالية، بل لا أدعو إلى أي سلطة تحكم بالعصا باسم الشيوعية والاشتراكية.
أدعو إلى دولة ديموقراطية، يشكل اليسار فيها شبحاً دائماً يخيف زعماء اقتصاد السوق، وبالتالي زعماء الحروب من أجل السوق.
وكما أعلن البيان الشيوعي عن خوف الرأسمالية من شبح الشيوعية، علينا أن نخلق أشباحنا.
سيقول بعض الواقعيين الجدد، العقلانيين الجدد جداً، ها هو واحد يطل من زمان ولى، طوباوي أيديولوجي حالم، يحن إلى الماضي، نكوصي..الخ.
أما إني طوباوي حالم فنعم. ومن قال إن للحياة قيمة بلا أوتوبيا؟ من قال إن الأوتوبيا غير قابلة للتحقق؟ قالها لينين مرة: إن الطوباوي في هذه اللحظة من التاريخ قد يصبح واقعياً في لحظة أخرى.
وأعترف أيضاً إني أيديولوجي بامتياز. أن أكون أيديولوجياً يسارياً، لهو شرف الدفاع عن البشر، على عكس الأيديولوجيين اليمنيين الذين لا يدافعون إلا عن مصالحهم الضيقة.
لا ليس عندي حنين إلى الماضي. اليساري يدافع عن المستقبل، مستقبل الإنسان في الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.
فالتاريخ لا يعيد نفسه، إنه كما قال ماركس في الثامن عشر من برومير بونــابرت : التاريخ يجري مرة على نحـو تراجــيدي ومرة أخرى على نحو مسخرة، فالتاريخ لا يعيد نفسه.
بل إن النكوصيين الحـقيقيين هم الذين يعيدون الرأسمالية إلى بداياتــها المتوحشة جداً، بعد أن تحولت إلى متوحـشة فقـط في عصر الامبريالية والصراع بين القطـبين الكبيرين.
أجل: الدفاع عن اليسار دفاع عن الإنسان، عن بعد ضروري لإخافة أعداء الإنسان
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات