بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
الماركسية ماتت لكنها لم تدفن
  26/08/2010

الماركسية ماتت لكنها لم تدفن

عبد الامير الركابي


لعبة ألفاظ يمكن ان تمارس طويلاً، بمناسبة الحديث المستجد مؤخراً، بخصوص موت «الماركسية». فالذين يبشرون بموتها يصرون على ما يعتقدون، والذين يرفـضون مثل هذا المآل يناكفون، متبجحين احــياناً، «هه لم تمت» وهاكم الأدلة. هـذه المرة سمــعنا شيئاً عن «حيوان الخلد» حسب ما جاء في مقال للأستاذ فواز طرابلسي في «السفير»، يوم 14 /8 / 2010 ـ لم يكن ممــكناً لنا ان نعــلم ان المكتوب هو مقــدمة لكتاب ـ، الى ان ظهـر الجزء الثاني في «السفير» 19/8/2010. والمقال لا يخلو من حديث عن النشور من بين الأموات قبل مرور الأيام الثلاثة: «المسيح قام... حقاً قام».
وكل هذا يمكن نسبته الى بحر سجالات، ما قبل انتهاء الظاهرة. لقد ملأت الماركسية العالم احلاماً على مدى زمن طويل وقريب. وكانت من دون أدنى شــك، أعظم ظاهــرة عــرفها العصر الحديث، وأكثرها تأثيراً وفعلاً أيضاً. وكل هذا الأثر لم يتأت، لا عن صوابية هذه الظاهرة، ولا عن عظـمتها الفلــسفية بالذات. بل عن راهنيتها واحتماليتها الواقــعية كمشروع قابل للتطبيق على مستوى العالم. هذا هو سر خطورتها وأهميتها، حتى لو ان لينين تسبب في موت ثمانية ملايين انسان. أو لو أن بول بوت قتل الملايين، وستالين تسبب في اكبر الجرائم التي عرفها عصرنا بحق الانسانية، بعد الفاشية. والأمر هنا لا يتعلق بالتضييق على الحريات الفردية، بل على الوجــود الفردي نفسه. لقد كان صعود الماركسية خلال القرن الماضي، وتحولها الى منظومة دولية وفكرة طاغية، من أسوأ القرون. قتل خلاله اكثر من ثمانين مليون انسان، كانت حصة الانظمة التي تتبنى الماركسية منهـا مهولة، ومن دون شك فإن نظماً كهذه ليست هي ما يحلم به البشر.
ليس مما يستحسن عادة، المناقشة على «تقديم» كتاب، وقد لا يكون لمثل هذا التعرض من سوابق كثيرة. لكن فواز طرابلسي ، ينشر مقدمته /لا مقدمة ابن خلدون/ مستقلة كمقال. ليبشرنا بانتصار قوى شعبوية، متأثرة بالماركسية، من منطلقات وشروط وتجارب خاصة. الا ان الملاحظ مع ذلك، ان احداً هناك ـ بالتحديد في أميركا اللاتينية ـ، لا يريد ان يعلن عن تبنيه نمط، او نموذج الانظمة التي عرفت في الماضي بارتكازها الى الماركسية. والاهمية التي ميزت الماركسية، لا تتصل إطلاقا بالبعد الفلسفي او النظرية الاقتصادية، بل بالجانب الذي تم تطويره منها على الطريق نحو الرأسمالية، لا على طريق الاشتراكية. والأمانة والصدق تقتضيان ان نحاكم تلك التجربة حسب منطق التاريخ، لا وفقاً لما تقوله الكتب. وللتاريخ ويا للأسف قوانينه التي لا يمكن مجادلتها بالخطابات. فالصلة واهية، وتكاد تكون تلفيقية بين ماركس وفلسفته، وتطويرات لينين النخبوية البيروقراطية، والمصممة إرادوياً لأغراض تسريع وتائر التطور البرجوازي الروسي، بأدوات كلاسيكية، في بلاد متأخرة. ويعني هذا ان الماركسية يمكن ان تولد الأوهام والتناقضات، وهنا يكمن مرضها وعلتها.
فما هي الفائدة من نظرية توحي بشيء، بينما هي مؤهلة في تضاعيفها للاستعمال في مشاريع ليست متطابقة مع ما قد هدفت اليه او أوحت به. فالماركسية فلسفة للتطبيق، وما ينبغي التركيز عليه من تاريخها هو «الماركسية المتحققة في الواقع». فهل هي نظرية قابلة للتحريف؟ الذي خـبرناه حـتى الآن، يقول إنها لا تطـبق من دون ان تحرف. اي انها نظــرية غير قابلة للتطبيق. ومن هنا يتأتى التناقض الجــميل، فانتفـاء صلة المطـبق بالمفـتكر، تولد دائماً كشفاً للفارق بين الجانبين، الى ان يصبح من صلب الماركسية، كونها تسقط حين تتحول الى حقيقة معيشة، لتعود وتحاكم نفسـها تكراراً، على قاعدة كـونها مثالاً ونموذجاً.
ولا يمكن القول إن الامر يبتعد كثيراً عن الإيحاء بتحقق العدالة. وهذه مسألة قديمة قدم وجود الاجتماع البشري. والماركسية هي الصيغة العصرية التي ولدتها الفلـسفة والتطور الاوروبي الحديث ، لتبدو هي الاخرى مختلفة، ومتقدمة، ومستندة الى «العلم» وتنمو في قلب الرأسمالية وآلامها ، حيث جاء من يقول «كانوا يفسرون العالم وجئنا لكي نغيره». هاهي اليوتوبيا وقد تحولت الى «قوانين وحتميات»، تنم عن الجهل لا عن العلم. فاختصار حركة التاريخ بالنموذج الاوروبي، وتصور مسارات العالم والتاريخ، وفقاً لمثل هذا المنظور، قد نمت في القرنين المنصرمين عن أخطاء لا تحصى ولدها تعبد المثال الاوروبي، وتصديق موضوعة كونه الممكن الوحيد المتاح، والطريق الإجباري الواجب اتباعه من المعمورة كلها.
وأسوأ ما يمكن ان يمارس دفاعا عن الماركسية اليوم، ميل البعض الى الخلط ما بين النظري وصوابياته، وبين التجربة العملية المرافقة، او المناقبية التي خلفتها الماركسية إجمالا. من دون فاصل طويل، نشرت «السفير» يوم 21/8 مقالا بعنوان «عالم بلا يسار عالم بلا قلب» كتبه احمد برقاوي. وهو ينتمي الى جنس الآداب نفسه، الماركسية ضرورية، الماركسية صائبة. وفي القسم الثاني من مقال الاستاذ فواز طرابلسي، نطرب اذا اردنا، لمحاججات توحي بأن الصوابية في الماركسية، ومرة اخرى، ممكنة. كما يمكن ان نجادل مثلا حول نظريات «اخوان الصفا»، او اي مذهب انتهى مكانه في التاريخ، لكنه ما يزال يراود أذهان أناس، لا شك في إخلاصهم لقيم العدالة، وضياعهم في لحظة زوال احتمالات تحققها.
هل يمكن بالنسبة لهولاء، اعتماد فرضية تقول إن تراجع الماركسـية، وخروجها من الحياة هو دليل تقدم؟ هذا مســتحيل. فمنظومة الوعي التي تأسس عليها هؤلاء، لا تستطيع فهم التقدم الا من خلال ترسيمات برجوازية وماركسية اوروبية، الأستاذ فواز يجادل بخصوص الرأسمالية والبرجوازية خارج اوروبا بثقة يحسد عليها، وهو يصوب بعض افكار الدكتور فؤاد خليل، مقـدماً لنا مؤلفه الصادر عن «دار الفارابي» بعنوان «الماركسية في البحث النقدي»، وفي أمثلتنا العراقية يقولون: «عرس عيادة له ولأولاده». فالأرجح ان مثل هذه المحاججـات لن تكون مبعث اهتمام غير الكاتبين، او دائرة ضيقة من القراء. ولست اعرف لماذا الإصرار على فرض مفهوم «الرأسمالية» على العالم كـقدر وحتمية، مع ان مظاهر عديدة اليوم، صارت توحي بقوة، بأن الامر الاهم والاساس، هو الصناعة التي ترافقت مع دور البرجوازية القيادي والثورة على الإقطاع في اوروبا بالذات، الامر الذي لم يثبت انه تكرر او سيكون قابلا للتكرار في بقية ارجاء المعمورة. وفي الآونه الاخيرة كتب احد المفكرين المختصين بالصين وشؤونها مقالا في اللوموند الفرنسية بعنوان «كونفوشيوس بعد ماو»، يلفت الانتباه فية، الى ان التجربة الصينية بدأت باعتماد خصوصية في الممارسة «الديموقراطية»، تقوم على الاجتماعات الدورية حيث تجري ممارسة «إعادة التقييم»، التي يزاح على اساسها المنتخبون او يشاد بهم على ضوء مجهوداتهم. وهذا النمط من الديموقراطية ، يتجاوز علل وقصور النموذج الديموقراطي المعروف في الغرب، حيث الانتخابات تأتي بأناس يمارسون المسؤولية من دون رقابة، طيلة فترة انتخابهم. وهو ما يؤدي مع الوقت الى تدني الكفاءة. وبهذا يكون الباب قد فتح عمليا على عالم جديد من تعدد التجارب، ومن الابتكارية في نطاق ما بعد الاحادية الاوروبية.
ومشكلتنا، لكي لا نطيل، قد تكمن في ان هؤلاء بالذات، بما يملكونه من اقتراب من مفاهيم العصر الحية، لا يريدون ان يجترحوا الطرق التي تحيي الروح، وتعطي للعــدالة ما تستحقه من انبعاث، بقدر ما تجعل بالامكان مقاربة النهـضة. وذلك بناء على تدبــر مناسب لحالة العـالم، وحالة منطــقتنا، التي لا شيء يقول إنها خاضـعة للتخــطيط الحداثي البرجوازي المعاصر. مع انها تكاد تكون مخزنا حضاريا لمفهوم ومشـروع اليـوتوبيا، على الاقل حسب تاريخ «النبوة» التي لعبت الدور الحاسم في تاريخ وتشكل خصائص حضارة المنطقة. كما وفقاً للقراءات الإبراهيمية الكبرى بالذات، وصولا الى القراءة الخاتمة. وهذا أمر اذ ينسحب منه هؤلاء، فإنهم يتركون الساحة مفتوحة فعليا، يتحكم بها وبالوعي العربي السلفيون والاصلاحيون. فلماذا يقتصر التعامل الراهن مع العصر في منطقتنا على السلفية او الاصلاحية؟ ولماذا لا يدخـل على ميدان الوعي عنصر «تثوير النـبوة»، مما يؤسس للبحث عن القوانين الخاصة والبحث عنها وعن زوايا فعلها الحي الباقي. وسيراً مع السياق، لماذا لا يبحث الأمر الــجدير بالمعالجة، بما يخص قضية العـدالة الأبدي، فينظر في حلم العـدالة المطلق ككيـنونة أصــلية، لا كنظام ناتج عن، ومحكوم الى قوانين لاحقة»، برجوازية «أوروبية حصرا. وعموما فإن مجتمعات اللادولة، قد تصلح أساساً لمنظور مختلف، ولمدخل لدراسة تاريخ مجتمعات العدالة التوحيدية وانتكاستها في منطقتنا، الأمر الذي يتطلب ثورة تنويرية جديدة، ومن نوع آخر.
ماتت الماركسية، الا انها لم تدفن بعد. وقد يكون لدى الماركسيين حنين، يترجم نمط محاججات من بقايا ترسانة الماضي السجالي المعروف. فهم في حالة دفاع «مشروع»، وثمة ابتذال واستسلام وتحوير يعلن النهايات ويبرر منطق الهزيمة. وهذا ليس مجالنا، ولا هو من معتقدنا. الثورة برأينا موجودة هناك، قريبة وراهنة ما تزال، من دون الماركسية وصوابيتها المستحيلة، التي تليق بعصر مضى. لا بل بالضد منها، فالرأسمالية والماركسية معاً يغادرهما العالم حثيثاً، نحو ما لا عين رأت ولا أذن سمعت.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات