بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
المقاومة الوطنية حقٌ على الدولة
  18/09/2010


المقاومة الوطنية حقٌ على الدولة
نبيه عواضة/بيروت


يصادف يوم السادس عشر من أيلول ذكرى انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية. ففي ذلك اليوم من عام 1982، استفاقت بيروت، التي احتلها العدو الإسرائيلي، على بيانات مرمية في الطرقات، ومعلقة على جدران الأبنية، تدعو اللبنانيين إلى حمل السلاح لتحرير الأرض، والدفاع عن الوطن. وقد ذيل البيان بتوقيع «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية». صاغ البيان الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني آنذاك الشهيد جورج حاوي، والأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي محسن ابراهيم، حين اجتمعا خلسة في منزل الشهيد كمال جنبلاط في المصيطبة.
بعد أيام قليلة، بدأت العمليات العسكرية في أكثر من موقع في بيروت، ما اضطر الصهاينة إلى الطلب عبر مكبرات الصوت، وفي منشورات رمتها الطائرات الحربية، من أهالي بيروت عدم إطلاق النار «فنحن منسحبون». وحصل أن انسحبوا. فقد جر العدو أذيال الهزيمة وأذعن لإرادة مجموعة صغيرة من المقاتلين، لتلاحقه بنادقهم وتتسع رقعة العمليات فتشمل كافة المناطق اللبنانية عند أطراف بيروت وفي الجبل والجنوب والبقاع الغربي وراشيا.
لاحقاً، ارتقى الأداء إلى أعلى مستوياته مع دخول قوى أخرى في المواجهة، كلٌ ضمن إطاره الخاص وتسمياته الخاصة، من دون التمكن من توحيد عمل المقاومة ولو ضمن غرفة عمليات مشتركة بين الفصائل المعنية. ما أبقى الباب مفتوحا لتأثر جبهة المعركة مع العدو الإسرائيلي بالممارسات الميلشياوية وحساباتها الضيقة لناحية الهيمنة والاستئثار وإلغاء أطراف على حساب أطراف أخرى، وسط تقاطع مصالح بين الإقليمي والمحلي، توج بتفاهم على تقاسم سياسي وسلطوي بين أمراء الحرب والطوائف تحت مظلة اتفاق الطائف، فبقيت المقاومة الوطنية ومن خلفها خارجه.
كثير من اللبنانيين لا يعرفون شيئا عن 16 أيلول.. والذنب في ذلك ليس ذنبهم. ربما يتحمّل يساريو البلاد، وشيوعيوها بالتحديد، المسؤولية الأكبر، كونهم لم يستطيعوا تعميم تجربتهم الرائدة المتمثلة في إطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية. فقد جعلوها مناسبة حزبية وتعاملوا معها بنوع من الملكية الحصرية، كأنها حكر على مطلقيها، فحجبوا عن الآخرين (إن أرادوا) حق الاحتفال وحق التبني بالإضافة إلى عجز خطابهم، (الذي خضع لموجبات التحالفات في زواريب الحرب الأهلية) عن اختراق جدار الطائفية السياسية نظراً لتغلغل المنطق الطائفي في البنية السياسية والاجتماعية والثقافية للمواطن اللبناني.
وبالتالي، لا يبدو غريباً على من يدين بالولاء للوطن وقضاياه ألا يسوق فكرة أن هناك مجموعة صغيرة استطاعت أن تحرر عاصمة وطنها من المحتل.. العاصمة التي لا تخلو منابر سياسييها ورجال دينها على اختلاف انتماءاتهم من خطاباتهم المتشنجة، من تسجيل موقف سياسي أو إثارة نعرة أو التمهيد لفتنة ما، فيما لا ترد جملة أو كلمة أو تحية إلى تلك المجموعات المقاتلة التي صمدت قرابة ثلاثة أشهر وصنعت نصراً أولياً مهد لكافة الانتصارات اللاحقة. ألا يحق لبيروت العاصمة التي طردت الاحتلال من شوارعها، تحية، أم أن التحية قد تكبل وتحاصر ما اعتاد على سماعه اللبنانيون من خطاب طائفي ومذهبي؟
ألا تستحق التحية تلك الثلة من أبناء الوطن الذين أجبروا العدو على الانكفاء إلى عمق الجنوب، مكبدين إياه الخسائر تلو الخسائر؟ فالمناسبة حق شرعي لكل وطني لبناني يعتبر نفسه معنياً بخيار المقاومة بغض النظر عن لون رايتها، ما دام الهدف المشترك هو مقارعة العدو الصهيوني.
لماذا لا تستغل الإنجازات الوطنية الكبرى لتشكل القاعدة الأساس لترسيخ ثقافة وطنية موحدة بديلة عن الإطلالات القاصرة التي لا تريد الخروج من أخطائها السابقة، سواء من حيث الرهان أم التحالف أم الأداء، وصولاً إلى الشعارات المرفوعة؟ وتلك أزمة يعاني منها معظم الأحزاب اللبنانية التي لم تقدم قراءة نقدية موضوعية لمجمل سلوكها السياسي على امتداد تاريخها لنعرف أين أخطأت وأين أصابت، وجل ما قدم في هذا الإطار لا يتعدى كونه تهذيباً لشكل الحضور.
إن كانت الأحزاب أسيرة أزماتها المتعددة، من خياراتها السياسية إلى بنيتها الطائفية مروراً بغياب القدرة على طرح برامج إصلاحية جوهرية، فإن الإجابة عن السؤال التالي هي برسم الحكومة اللبنانية: ألا تعتبر الدولة اللبنانية (ممثلة برئاسات الجمهورية والحكومة والمجلس النيابي) الصمود الأسطوري لمدينة بيروت مناسبة يمكن إدراجها ضمن الفعاليات الوطنية الكبرى؟ ألا تعتبر الدولة نفسها معنية بحدث وطني أنجزه عدد من أبنائها، تمثل في إطلاق الرصاصات الأولى التي نتج عنها تحرير بيروت من الاحتلال الإسرائيلي؟ ألا يستدعي ذلك من الدولة التوقف قليلاً أمام أهمية هذا الحدث المشرف ليكون يوماً وطنياً بامتياز على اللبنانيين التلاقي فيه؟
هي مناسبة يمكن أن تكون جامعة، في مواجهة نهج التفرقة والانقسام، نهج الاستئثار بالمناسبات الوطنية وجعلها فئوية، في ظرف صارت فيه المجاهرة بالعمالة للعدو طرحاً سياسياً له من يحاول تبريره ويجادل فيه ضمن منطق المحاصصات.
هل فعلاً إسرائيل عدوة لبنان؟ هل هي كذلك بنظر الدولة اللبنانية؟ ربما لا يعرف الكثير من السياسيين اللبنانيين، ممن هم في موقع القرار أو دخلاء عليه، حكايات المقاتلين الذين صمدوا في بيروت إبان الاجتياح. بعض هؤلاء السياسيين كان «تحت السنّ» حينها، والبعض الأخر أمضى حياته خارج البلاد، لا يعرف شيئاً عن تاريخه.. وفي الحالتين، فهم لا يريدون الاستدارة نحو تلك المجموعات التي همشت نفسها، بعدما همشتها السياسات المتعاقبة للحكومة وقضت على حضورها. ولم تكن آخر تلك المحاولات، قيام البعض بسرقة شهداء اليسار: فعلى الطرق، يحضر ملصق إعلاني لـ«القوات اللبنانية» تبدو فيه صورة جورج حاوي وسمير قصير ضمن قوافل شهدائها.
لكن، إن ترجل أحد هؤلاء الساسة من سيارته الفخمة ومشى قليلاً على الإسفلت وتوجه نحو صيدلية «بسترس»، ومن ثم استدار باتجاه «محطة أيوب»، فسيرى آثار أقدام ما زالت محفورة، تعود لكل من مازن وأمين وفهد الذين تركوا سنيّتهم وشيعيّتهم ومسيحيّتهم (حسب ما هو مسجل في سجلات القيد المذهبي) ورسموا مسار التحرير والتغيير وبناء الدولة عبر طلقاتهم الأولى.


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات