بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
عن ثورة أكتوبر برغم انهيار الاشتراكية
  06/11/2010

عن ثورة أكتوبر برغم انهيار الاشتراكية

سلامة كيلة

كما نعلم كان انهيار الدولة السوفياتية، ومن ثم انهيار المنظومة الاشتراكية، مدخلاً للتأكيد على خطأ ثورة أكتوبر، وخطيئة زعيمها فلاديمير إليتش لينين. من منطلق أن الانهيار قد أوضح أن التــسارع من أجل تحقيق الاشتراكية كان مجافياً لـ «التـطور التاريخي» من زاوية التعجل في خطوة سابقة لأوانها. لأن وضع روسيا كان يتسم بســيادة العلاقات الإقطـاعية، وهو الأمر الذي يفرض انتشار الرأسـمالية، بالضبط كما جرى في أوروبا، حيث ان التاريخ يمــشي الهوينا من الرق إلى الإقطاع إلى الرأسمالية ثــم إلى الاشتراكية، وأي قفز عن مرحلة سوف يؤدي إلى كارثة، تتمثل في «عقاب الرب». فأوروبا هي المسار الذي فرضه التاريخ، وليس من الممكن إلا أن يسير التطــور وفقه. هذا المنطق هو الذي كان يحكم «الماركسية الكلاسيكية» آنئذ، من الأممية الثانية إلى بليخانوف والمناشفة، وهو منطق تطوري لم يفهم من الماركسية إلا مبدأ التراكم الكمي والتغيّر النوعي، الذي سيصبح منطقاً داروينياً في التطور الاجتماعي.
لهذا كانت ثورة أكتوبر «انحرافاً» عن مسار التاريخ. انحراف قسري حققه فرد إسمه لينين. لكن كما هو معلوم أن الواقع لا يحقق إلا ما يحمل هو بالذات في ثناياه ممكناته. وبالتالي ليس في مقدور فرد أو حزب أو طبقة أن يفرض على الواقع مسار غير المسار الممكن، وإلا كان هؤلاء قوة فوق الطبيعة، وهذا ما يعبّر عن تصور مثالي مفرط، يرى الإرادة وكأنها قادرة على كل شيء.
نقول ذلك الآن لأن هناك من لا يزال يعتـقد بهـذا المعتـقد، ولا يـزال يحمّل ثـورة أكتوبر ولينـين وزر «تجربة فاشلة» لأنها جاءت خارج المسـار التخطـيطي لما يجري الاعتقاد أنه تطور التاريخ. وهناك من لا يزال يحلم بالتطور الرأسمـالي، ولهذا يشدد الهجوم على لينين وثورة أكتوبر لأن الخيار هنا مناقض لمصالحه الطبقية. ولا شك في أن المدقق في موقف هؤلاء يلمس الرعب الليبرالي من اللينينية، ما دامت ثورة أكتوبر تنسب إلى لينين بالأساس، نتيجة أنها أعلنت نهاية إمكانية التطور الرأسمالي، والسير في طريق آخر يعبّر عن مصالح طبقية مختلفة هي مصالح العمال والفلاحين الفقراء.
إنه ليس من الممكن أن تنتصر ثورة دون أن يكون الواقع يحمل من الممكنات ما يجعلها تنتصر، ولهذا يجب أن نتلمس مدى التصاعد في الصراع الطبقي من قبل طبقات متعددة الذي أوصل إلى أن يصبح ممكناً الانتصار، خصوصاً أن الحزب البلشفي بات يحظى بدعم هذه الطبقات. هذا الدعم هو الذي مكّن من انتصار الثورة وليس إرادوية لينين، التي لم تكن سوى التعبير عن هذا الميل الجارف لتحقيق التغيير. لكن الأساس هنا هو أن تناقضات المجتمع، التي كانت تتمثل في الصراع مع الإقطاع القيصري والبرجوازية الملحقة به، من قبل العمال والفلاحين، كانت تفرض الحسم، ولقد كانت الجبهات واضحة: الإقطاع والبرجوازية من جهة والعمال والفلاحين من جهة أخرى.
السؤال الأساس هنا هو: لماذا كانت البرجوازية في تواشج مع الإقطاع؟ وبالتالي باتت غير معنية بالتغيير الرأسمالي؟
إن هذا التواشج ـ وبالتالي العزوف عن تحقيق انتصار الرأسمالية ـ هو الذي طرح السؤال حول: من يحقق المهمات الديموقراطية؟ ولأن البقاء في إطار نمط مهلهل، في ظل السلطة القيصرية، بات مستحيلاً، كانت الطبقات المفقرة تعمل على تحقيق التغيير، وكان الحزب البلشفي يلاقي هذا الطموح، ليس من أجل تحقيق الاشتراكية بل من أجل تحقيق مطالب هذه الطبقات في سياق الانتقال إلى الاشتراكية. هنا لم يكن ممكناً القول ان لينين حرف المسار، بل لقد عبّر عن تصاعد الصراع الطبقي، وعن ميل العمال والفلاحين لتحقيق التغيير.
السؤال الأساس هو: لماذا سار الواقع في هذا المسار؟ لماذا كان ضرورياً أن يصبح الحزب الشيوعي هو السلطة التي تأخذ على عاتقها تصفية الإقطاع وبناء الصناعة وتحديث التعليم، وتطوير الاقتصاد إجمالاً، وتحقيق الحداثة على العموم، أي كل ما حققته الرأسمالية خلال قرن ونصف من تطورها؟
سأقول الآن ان كل ذلك قد تحــقق، وإن كانت الاشتراكية قد انهارت بعـد تحققه. وهــو ما لم يتحقق إلا من خلال دور الحزب الشيوعي، حيث لم يتحقق أي تطور رأسمالي في أي من البلـدان التي لم تكن قد أصبحت صناعية بداية الـقرن العـشرين (سوى استثناء النمور لأسباب سياسية، والهند جزئيـاً بالتعاون مع السوفيات). إن فهم مسـار التـطور يفرض أن يدرس وضع العالم على ضوء تحوّل الرأسمالية إلى نمط عالمي، أي إلى رأسمالية في المراكز تهيمن على السوق العالمي. فهذا ما فرض نشوء وضع جديد لم يكن زمن ماركس، وافضى إلى تجاوز العديد من أفكاره، وهو أمر طبيعي في الماركسية التي تنطلق من أن الواقع في صيرورة. وعلى ضوئه غدت البرجوازيات المحلية تميل للتوظيف في قطاعات غير منتجة، مثل التجارة والخدمات والمال، وبالتالي باتت كومبرادور لبرجوازية المراكز. وهو الأمر الذي جعلها غير معنية لا ببناء الصناعة ولا بتحديث المجتمعات، ولا بالقطع مع البنى التقليدية السائدة.
إن الإجابة عن سؤال: من يحقق التطور؟ هو الذي حكم ثورة أكتوبر، ولقد أفضى إلى تحقيق التطور الضروري كي تكون روسيا بلداً حديثاً. ربما لا يكفي ذلك بالنسبة لطموح يهدف إلى تحقيق الاشتراكية الحقة، لكنه خطوة مهمة من أجل الوصول إلى ذلك، حيث ليس من الممكن أن يجري تجاوز الرأسمالية وهي لا تزال تنهب الأطراف، وبالتالي تمتلك كل المرونة من أجل تكييف بنى المراكز والأطراف معاً.
ثورة أكتوبر، بالتالي، فتحت طريق تطور في وضع لم يعد ممكناً فيه التطور الصناعي والحداثي عموماً على ضوء سيطرة الرأسمالية، ونفعيتها التي فرضت أن تبقي بقية العالم في وضع متخلّف. وهو طريق يتجاوز الرأسمالية وإن كان يحقق ما أنجزته، وأيضاً برغم أن انهيار الاشتراكية يبقى ممكناً.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات