بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
أفضل الأعداء: هكذا اغتيل أبو جهاد
  02/12/2010

أفضل الأعداء: هكذا اغتيل أبو جهاد
«السلام آت بالتأكيد»! (رونين زفولون ــ رويترز)تعاون مستشار الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بسّام أبو شريف والصحافي الإسرائيلي عوزي محنايمي لرواية مذكراتهما في كتاب مشترك يحمل عنوان «أفضل الأعداء». الكتاب الصادر في 1995، تعيد دار الساقي نشره في نسخة عربية خلال معرض بيروت للكتاب. تنشر «الأخبار» الفصل الرابع والعشرين من الكتاب الذي يتناول عملية اغتيال «أبو جهاد»، التي نفّذها كوماندوس إسرائيلي في تونس في نيسان 1988
بسام أبو شريف وعوزي محنايمي
في أعالي السماء، فوق الفيلا، كانت تحلّق طائرتا «بوينغ 707» تابعتان لسلاح الجو الإسرائيلي، وتخلّفان وراءهما خطّاً طويلاً من الدخان في الفضاء الليلي. وكانت إحداهما تقل طاقم القيادة ووحدة الضبط والتحكم في العملية التي سيجري تنفيذها على الأرض، على انخفاض عشرة آلاف قدم. وعلى متن هذه الطائرة، قبع نائب رئيس هيئة الأركان إيهود باراك، وقائد سلاح الجو أفيهو بن ـــــ نون، ورئيس الاستخبارات العسكرية أمنون شاحاك. أما الأخرى، فكانت مليئة بالتجهيزات الإلكترونية، مثل أجهزة: الرادار، والاتصالات، والتشويش، والرقابة.
وعلى مسافة غير بعيدة منهما، كانت طائرتا «بوينغ 707» أخريان، تعملان كصهريجي تزويد بالوقود؛ فتونس بعيدة جداً عن إسرائيل. وفوق هذه الطائرات الأربع، كانت تحلق مقاتلات قاذفات من طراز «أف ـــــ 15»، لتأمين الحماية لهذا الحشد من المحمولين جواً. وهناك، في مقر القيادة المحصنة تحت الأرض في تل أبيب، كان كل من وزير الدفاع الإسرائيلي إسحق رابين، ورئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال شومرون، يشرفان مباشرةً على العملية كلّها. أما هدف العملية فهو القضاء على «أبو جهاد».
عاد القائد العسكري في «منظمة التحرير الفلسطينية» إلى منزله من اجتماع غير مُعَدٍّ أصلاً مع فاروق القدومي رئيس الدائرة السياسية للمنظمة، بعد منتصف الليل بقليل، من يوم 16 أبريل / نيسان 1988، وتوجه إلى الطبقة العلوية من المنزل، وحيا زوجته، وطبع قبلة على خد صغيره النائم، ثم دخل مكتبه.
كان سائق «أبو جهاد» قد استغرق في نومه في سيارة المرسيدس في الخارج، فاتحاً شبّاكها، وشاخراً. كان الجو حاراً نسبياً في تلك الساعة من الليل. وكانت مجموعة من كوماندوس «ساييريت ماتكال» تنتظر، متواريةً في الظلال عن سيارة «أبو جهاد» القادمة إلى بيته، فركض أحد أفرادها باتجاه السيارة وأيقظ السائق وأفرغ في رأسه رصاصة واحدة من مسدسه المكتوم من طراز «بيريتا» وعيار 0.22 ملم، فسقط ميتاً على المقعد الأمامي فوراً.
ثم ركض اثنان آخران من أفراد المجموعة إلى مدخل الفيلا الرئيس وبالسرعة المكتسبة عبر التدريب الطويل، وضعا عبوة ناسفة في قاعدة أبواب المدخل الحديدية الثقيلة. وبفضل المتفجرات البلاستيكية الجديدة التي استعملاها، وهي متفجرات صامتة، لم يحدث إلا صوت خفيف ضعيف عندما انفجرت ودمرت مفاصل الأبواب. وفي الداخل، كان يقف اثنان من حراس «أبو جهاد» في صالة الدخول، وقد صعقهما الانفجار، فأرداهما الكوماندوس الإسرائيليون قتيلين أيضاً.
محنايمي: قليلون في إسرائيل كانوا يشعرون بأنّ «أبو جهاد»، سواء بقيام الانتفاضة أو بدونها، كان يستحق رصاصة في الرأس
اندفع المكلف بقيادة مجموعة الاغتيال على الدرج، واقتحم مكتب «أبو جهاد» الذي كان جالساً «ببيجامته» أمام التلفزيون يشاهد شريط فيديو عن الانتفاضة. وما إن نهض «أبو جهاد» واقفاً حتى أطلق عليه العقيد الإسرائيلي رصاصتين في الصدر من مسدسه. وبعدما سقط «أبو جهاد» على الأرض مضرجاً بدمه، تقدم العقيد على الفور، وأطلق عليه رصاصتين أخريين في الرأس، هذه المرة، مباشرةً وعن قرب ليتأكد من تحقيق الهدف. وهكذا انتهى الساعد الأيمن لياسر عرفات.
راح أعضاء آخرون من مجموعة الكوماندوس يجمعون أيّة وثيقة تتعلق بمنظمة التحرير وقعت أيديهم عليها. وبينما هم يغادرون غرفة الجلوس، التقوا «أم جهاد» بالصدفة، التي كانت تنزل على الدرج، حاملةً ابنها الأصغر بين ذراعيها، لتعرف سبب الجلبة في المنزل. فقال لها العقيد بحدة وحزم، وباللغة العربية، «عودي إلى غرفتك، والزمي الصمت».
بإمكان رجال الكوماندوس أن ينعموا ويسعدوا بأدائهم المتقن. فقد استغرقت عملية الاغتيال الإرهابي 13 ثانية فقط، ابتداءً من نسف أقفال البوابات الرئيسة حتى مصرع «أبو جهاد»، بينما سجّلت هذه العملية 22 ثانية أثناء التدرب على تطبيقها.
بعد عملية الاغتيال التي قامت بها إسرائيل مباشرةً، شرعت «منظمة التحرير الفلسطينية»، بالتحقيق في كيفية وقوعها. صحيح أنّ رجال منظمة التحرير معتادون ومطلعون على التكتيكات الإسرائيلية الصاعقة، إلا أنّ نتائج التحقيق كانت مذهلة ومربكة حتى بالنسبة إليهم أنفسهم. فقد تجاوزت عملية اغتيال «أبو جهاد» في تعقيداتها، وحجمها، وكلفتها كلّ حدود التصديق، إذ انغمس فيها كلّ عنصر من عناصر جيش الدفاع الإسرائيلي. ولا بد أنّها كانت أضخم عملية اغتيال فردي تجري في العالم. وقد نفذها الإسرائيليون على النحو التالي: توصلت استخباراتهم إلى الرأي بأنّ تصفية «أبو جهاد» في منزله في تونس، هي الخيار الأفضل بالنسبة إليهم؛ ذلك أنّ «أبو جهاد» يعود إلى منزله بين الحين والآخر ليرى أسرته. ومع ذلك، فقد اعترضتهم مسألتان. الأولى: تحديد طريقة الاغتيال، والثانية: تحديد مكان وجود «أبو جهاد» في وقت معين. ولم يكن الأمر بهذه البساطة، لأنّ «أبو جهاد» كان يحرص على البقاء خارج دائرة التعقب من أي كان.
كان بإمكان نصف دزينة من طائرات «أف ــ 16» الحربية ضرب فيلا «أبو جهاد» بقنابل ذات الألف رطل وتدميرها عن بكرة أبيها، لكنْ في ذلك مجال واسع للحظ، إذ ربما سيدمرون نصف مدينة تونس من دون أن ينالوا الشخص المقصود. إذاً فإطلاق النار عليه عن قرب هو الطريقة الوحيدة المضمونة لتحقيق الهدف. كانت كل الدلائل تشير إلى تنفيذ الاغتيال بعملية كوماندوس.
استغرقت العملية شهرين من الإسرائيليين للإعداد لها. فبدأوا أولاً بإرسال مجموعة من عملاء الموساد إلى تونس، أمضوا فيها شهرين في جمع المعلومات الأساسية. وبإقامتهم هناك كسائحين أو رجال أعمال، وسفرهم إليها على رحلات طيران عادية قادمين من بلد ثالث، تمكنوا من مراقبة منزل «أبو جهاد» والحي المحيط به مراقبة دقيقة، مثل: الشوارع المؤدية إليه، والمداخل، وارتفاع السور ونوعه، وشبابيكه وأبوابه وأقفاله ودفاعاته، والنظام المتبع عند الحراس ومناوباتهم. وقد جرى التحقق من كلّ شيء والتدقيق فيه أكثر من مرة. فحسبوا المسافات والأبعاد، وتقصوا أخبار الجيران، وأعمالهم وأوقات وجودهم في البيوت، وتبينوا أنواع السيارات، وألوانها، وأرقامها، التي كانت تأتي إلى الحي وتغادره.
ثم ذهبت هذه المجموعة واستطلعت الشاطئ كلّه، بحثاً عن الموقع الملائم لهبوط الكوماندوس الذين سينفذون عملية الاغتيال، فوقع اختيارهم على مكان منعزل شرقي مدينة تونس، بالقرب من شاطئ مهمل تقريباً. وإذ غمرتهم السعادة بما تمكنوا منه وحصلوا عليه، بعثوا تقارير مفصلة بذلك إلى إسرائيل، مدعمة بعشرات الصور التي التقطوها.
تكوّنت مجموعة الاغتيال من ثمانية أفراد من كوماندوس «سايريت ماتكال». وقبل موعد الهجوم المحدد بوقت قصير، وصل إلى تونس شخصياً الكولونيل المسؤول عن قيادة العملية. ومثل الآخرين، سافر بجواز سفر مزور على رحلة طيران عادية قادمة من روما. وعلى غير ما هو مألوف بالنسبة إلى قائد عسكري لمجموعة من القوات الخاصة، جاء هذا الكولونيل واطّلع بنفسه على مسرح العملية في وضح النهار، الأمر الذي سجل رصيداً كبيراً لمصلحته. وقد أدهشه ما رأى: «أبو جهاد» يسكن في فيلا رائعة بمواجهة البحر في أفخم أحياء تونس (حي «سيدي بو سعيد»). فعاد الكولونيل الإسرائيلي إلى روما في اليوم ذاته، سعيداً برحلته تلك.
وهناك في إسرائيل، كان الكوماندوس يستظهرون عملية القتل بأدقّ تفاصيلها، ويعيدون التدرب عليها مرات ومرات. حتى إنّهم غدوا يحلمون بها في منامهم، وأجروا تجاربهم التطبيقية للهجوم على فيلا في حيفا، كانت عبارة عن أحد البيوت الآمنة التابعة للاستخبارات الإسرائيلية. وقد حرص الإسرائيليون على إجراء التدريبات هناك في الأوقات التي تكون فيها أقمار التجسس العسكرية الأميركية قد ابتعدت عن المنطقة. وبقوا ينتظرون انفتاح مثل تلك «النوافذ»، لأنّهم لم يرغبوا في أن يشاهدهم أحد أثناء أعمال التدريب تلك.
كانت العملية كلّها تستغرق معهم أثناء التدريب فترة اثنتين وعشرين ثانية فقط، ابتداءً من نسف أقفال البوابات حتى إرداء الدمية المقامة في الداخل قتيلة. وكان الإسرائيليون راضين عن ذلك تماماً، بل عدّوه في الواقع أمراً ممتازاً.
في تونس، استأجرت امرأتان ورجل يعملون لمصلحة الموساد السيارات التي ستُستخدم في الهجوم، وقد انتحلت المرأتان اسمَي «عواطف علام»، و«عائشة السوريدي». أما الرجل بينهما، فسمّى نفسه «جورج نجيب». وقبل أسبوع من وقوع العملية، سلّم الثلاثة جوازات سفرهم اللبنانية إلى مكتب تأجير السيارات، وكانوا يتحدثون مع موظفيه بالفرنسية. استأجروا سيارتين من ماركة «فولكسفاغن»، وثالثة من نوع «بيجو 305» صالون، وادّعوا أنّهم خارجون في رحلة.
عند هذا الحد، تكون الاستعدادات جميعها قد تمّت بالنسبة إلى عملية القتل، اللّهم إلا أمراً واحداً، وهو: كيف سيتأكد الإسرائيليون من وجود ضحيتهم في بيته عندما ينقضّون على الفيلا؟ ذلك أنّ «أبو جهاد»، مثله مثل باقي أعضاء القيادة في منظمة التحرير، كان في حركة دائمة، ولم يسبق له أن أمضى ليلتين متتاليتين في السرير نفسه. كان يعرف أنّ الإسرائيليين يريدون تصفيته، فكيف يمكن الإسرائيليين أن يستدرجوه إلى منزله في وقت بعينه من دون أن يثيروا فيه بواعث الحذر والحيطة؟ تلك كانت مشكلة عصيّة فعلاً. غير أنّ الإسرائيليين وجدوا حلاً بسيطاً لها. ففي صبيحة اليوم المحدد للهجوم، استنفرت وحدة من الشرطة الإسرائيلية بمدينة غزة، وبدون سابق إنذار، اعتقل أفرادها شخصاً يدعى فايز أبو رحمة. كان هذا ابن خال «أم جهاد». أما الاعتقال ذاته، فكان أمراً في غاية الأهمية، ذلك أنّ «أبو رحمة» محام مشهور، وله اعتباره في الأوساط الفلسطينية. وخلال ساعات من اعتقاله، انتشرت أخبار مداهمته في عموم أنحاء قطاع غزة، فاندلعت التظاهرات والاحتجاجات الغاضبة.
وكما توقّع الإسرائيليون، ذُعرت ابنة «أبو رحمة» من اعتقال والدها واعتراها الهياج. فماذا ستفعل؟ وعلى الفور أتاها الجواب بأن تتصل هاتفياً بـ«أبو جهاد»، زعيم الانتفاضة، والرجل الثاني في منظمة التحرير، وفي الوقت نفسه زوج خالتها. فهذا هو الشخص الذي يعرف كيف يعالج القضية.
أدارت قرص الهاتف واتصلت برقم «أبو جهاد» في بيته بتونس. واصلت الاتصال طوال اليوم دون أن يردّ أحد على الطرف الآخر. وأخيراً في المساء، رفعت زوجة «أبو جهاد» السماعة، وقالت: «سيعود قريباً ولا تقلقي، وسأخبره بما حدث، واتصلي مرة أخرى في ما بعد». كانت هذه المكالمة السريعة هي بالضبط ما كان يأمله الإسرائيليون المتنصتون عليها. فبهذا يمكنهم الاطمئنان تماماً إلى أنّ «أبو جهاد» في تونس، وأنّه سيعود إلى البيت في وقت لاحق من اليوم. وهذا جيد بما فيه الكفاية، فأعطى رابين الضوء الأخضر لتنفيذ عملية القتل. أقلعت طائرات البوينغ الأربع، ومعها المرافقات من المقاتلات للحماية.
عند منتصف الليل بتوقيت تونس، اتصلت ابنة «أبو رحمة» ببيت «أبو جهاد» مرة أخرى. ونظراً إلى عدم وجود خط مباشر للاتصال بين إسرائيل وتونس، فقد اتصلت عبر مقسم منظمة التحرير في قبرص، الذي يحمل عامله اسماً مستعاراً هو «كاسترو»، وحوّلها بدوره مباشرةً إلى منزل «أبو جهاد».
في هذه المرة، تناول «أبو جهاد» نفسه سماعة الهاتف. بذلك، حصل الإسرائيليون على مكان وجوده وهو القسم الأخير والأهم من عملية الاغتيال التي ستقوم بها إسرائيل. وهكذا تأكدوا من أنّه وقع بين أيديهم.
كانت مجموعة «سايريت ماتكال» تنتظر على ظهر سفينة شحن مدنية غير بعيدة عن الساحل التونسي، وهي سفينة غربية وصعب تشخيصها، لكنّها كانت تسير بانتظام على خط حيفا ـــــ برشلونة، (وربما كانت هذه المرة ترفع علماً يونانياً، رغم أنّنا لم نتأكد من هذا الأمر أبداً). كان القتلة الثمانية على متنها يرتدون ثياباً (أوفرهولات) سوداء مقاومة للحريق، وينتعلون أحذية طويلة مطاطية فرنسية، ويتسلحون بمسدسات كاتمة للصوت من عيار 0.22 ملم، ورشاشات «عوزي» من عيار 9 ملم. ومثل ملابسهم، لم تكن الذخيرة تحمل أية ماركة، وغير قابلة للتحقق منها. وكان كلّ واحد منهم يحمل جهاز راديو خاصاً به، مزوّداً بهوائي وميكروفون، أبقاه على اتصال دائم، وغير قابل للانقطاع، مع فريق القيادة المتقدم، ومع مركز القيادة تحت الأرض في تل أبيب. وإذا ما حدث وأُلقي القبض على أيّ واحد منهم، أو ضلّ طريقه، فهناك جهاز لاسلكي بحوزة كلّ فرد من المجموعة لتحديد موقعه.
وقبل أن يبدأ تنفيذ الهجوم، نزل «أسطول 13» من الضفادع البشرية ـــــ وهو الوحدة البحرية الموازية لـ«سايريت ماتكال» ـــــ على الشاطئ المحدد للتأكد من خلوّه. ثم انطلق القتلة الثمانية باتجاه الشاطئ من السفينة الأم بقوارب مطاطية من طراز «زودياك» بأقصى سرعة. وكان في استقبالهم عملاء الموساد، الذين سلّموهم مفاتيح السيارات الثلاث المستأجرة. فاتجه الكوماندوس بها على طول الساحل نحو فيلا «أبو جهاد». وعندما جرى اغتياله، عادوا على الطريق نفسه، وتركوا السيارات المستأجرة على الشاطئ، وركبوا القوارب عائدين إلى السفينة الأم نفسها الواقفة بانتظارهم.
إنّ السؤال الأهم في هذه القضية لا يتمثل في سبب اغتيال الإسرائيليين لـ«أبو جهاد»، بل في مسألة لماذا تجشّموا كل هذا العناء وهذه التكاليف لاغتياله في ذلك الوقت بالذات. وفي الحقيقة، كان عملاً نابعاً من اليأس. فبما أنّهم لم يتمكنوا من إيجاد رد على نضال الانتفاضة، عادوا ليلجأوا إلى طريقتهم القديمة، وهي الطريقة ذاتها التي كادت تقضي على بسّام، وهي: تصفية قيادة منظمة التحرير، لكنّ اغتيال «أبو جهاد» لم يكن ليوقف الانتفاضة. وإن كان لذلك أيّ رد فعل، فإنّه زاد التهاب المشاعر والتعاطف معها. وأضاف شهيداً فلسطينياً آخر. وهكذا، فإنّ اغتيال «أبو جهاد» رداً على الانتفاضة كان عملاً أحمق خسيساً.
عوزي حنايمي

قليلون في إسرائيل كانوا يشعرون بأنّ «أبو جهاد»، سواء بقيام الانتفاضة أو بدونها، كان يستحق رصاصة في الرأس. فعلى مدى سنوات كان مسؤولاً عن عمليات «فتح» العسكرية ضد إسرائيل. وكان شخصياً المسؤول عن قتل العديد من المدنيين الإسرائيليين الأبرياء. غير أنّ إسرائيل كانت تحاول خوض حرب جديدة بأساليب قديمة، فلم تتفهم الحكومة أنّ للانتفاضة حياتها التي هي ملكها وخاصيتها لها وحدها. وقد أراد رابين والآخرون معه أن يقتنعوا بأنّ الانتفاضة تدار من بعيد. وبالتالي فبإمكانهم إنهاؤها عن طريق قتل أولئك الذين يفترض أنّهم يمسكون بمقودها: «أبو جهاد» على سبيل المثال. لكن لم يكن أحد يحرك هذا اللجام.
لم يتعود الإسرائيليون أن يُمنوا بالهزيمة. لقد وقف الجيش الإسرائيلي الهائل في وجه الانتفاضة، وعلى ذلك أصيب بالعجز حيال نضالها، ولم يدرِ هذا الجيش الكبير ماذا سيفعل بكلّ تلك الأعداد الكبيرة من الأطفال رماة الحجارة. ولهذا اندفع بقوة في الطريق الوحيدة التي يعرفها.
كان «أبو جهاد» بمثابة جدول الانتفاضة الساري تحت الأرض، يبني كوادره بالتدريج في المناطق المحتلة، ويحاول دائماً تحريك شعلتها. لكن بسام أبو شريف كان تيار الانتفاضة الجاري على السطح، واستخدامه البارع لوسائل الإعلام أظهر عرفات على نحو لائق. كما أنه قدّم إلى منظمة التحرير طرقاً عظيمة للإفادة القصوى من الانتفاضة، فكان يظهر يومياً تقريباً على شبكات التلفزيون الأميركية في مقابلات كاسحة، مستغلاً حوادث إطلاق النار، ومحدثاً تدميراً هائلاً ونهائياً لصورة إسرائيل أمام العالم. فإذا كان للكوماندوس الإسرائيليين من أحد يصفّونه بهدف سحب فتيل «ثورة الحجارة»، فالأفضل لهم أن يكونوا قد قضوا عليه.
بسام أبو شريف
في نهاية عام 1988، ابتُليت الحكومة الإسرائيلية بمعضلة كبيرة، بينما لم يكن لديها غير حيل قليلة لمعالجتها. فقد جربت استخدام القوة والعنف، فلم تنجح، وقتلت أحد مهندسي الانتفاضة الأوائل، «أبو جهاد»، دون أن تحقق أي هدف على الإطلاق. وازداد تفاقم الأوضاع الاقتصادية في المناطق المحتلة، ما صبّ مزيداً ومزيداً من الزيت على النار الملتهبة. ومثّل جنود الجيش الإسرائيلي أنفسهم أكبر رصيد لنا لإبقاء الانتفاضة مستمرة. فكانوا يقتلون برصاصهم، في المعدل، متظاهراً فلسطينياً في اليوم. فكلّ حالة وفاة بعيار ناري، أبقت مرجل الغضب في حالة غليان متواصل، ومستمراً في الممارسة العملية، هذا ما كانت حقيقةً تعنيه سياستهم المعروفة بـ«القبضة الحديدية». ويوماً بعد يوم، كان الإسرائيليون يغرسون حرابهم في وكر الدبابير.
لقد أعطتنا الانتفاضة فرصة حلّ الأزمة. لكن لكي نحصل على السلام، علينا أن نسعى إليه. والسلام لا يتحقق لأنّ الشعب الفلسطيني كان يقذف الاحتلال بالحجارة. كان يجب علينا جعل الوضع الجديد يحدث تأثيره العميق على الجبهة الدبلوماسية. وعلينا كسب الأفئدة والعقول المتربعة في الردهات المستكينة للقوى الكبرى، وتمثَّل دوري في هذه المرحلة في كسر الجليد، أي طرق الأبواب الدبلوماسية الموصدة أمامنا في الغرب وفتحها.
قد تكون الانتفاضة مجرد كسب للحرب من طرفنا داخل المناطق المحتلة، لكن كان علينا أن نكسب السلام في العالم الخارجي.
وعلى الرغم من أنّ عملية السلام لم توافق عليها المنظمة رسمياً، وافق عرفات على أن أخرج إلى العالم وأعرض عليه السياسة الجديدة لمنظمة التحرير. فشرعت في هجوم دبلوماسي فاتن، استثمرت فيه كلّ العلاقات والاتصالات التي كنت قد بنيتها على مر السنين مع وسائل الإعلام في العالم، ومع الحكومات الأجنبية، وفي الأوساط العربية. وذلك لإيصال الرسالة بأنّ المنظمة تريد السلام، وأن تغيراً حقيقياً قد حصل فعلاً في سياستها.
كانت لدينا على الدوام بعض أشكال وقنوات الاتصال مع الولايات المتحدة، السمسار القوي الرئيس في المنطقة. لكن علاقاتنا مع أوروبا الغربية كانت ضعيفة، وحتى غير قائمة أصلاً. فكان لا بدّ من إصلاح هذه الحواجز أولاً. وقد بدأت بالإنكليز، فمع أنّهم لم يعودوا تلك القوة الكبيرة المعروفة عنهم، إلا أنّه لا يزال لهم بالتأكيد بعض النفوذ والتأثير.
كان لمنظمة التحرير ممثل دائم في لندن، لكنّه لم يكن يتمتع بأي اعتراف رسمي أو دبلوماسي به من السلطات البريطانية. قدمت طلباً للحصول على تأشيرة دخول إلى المملكة المتحدة. فوقع نظر السفير البريطاني في تونس، الذي كان جاري في السكن، على هذا الطلب، فدعاني لتناول الفطور معه، وسألني:
- «وما الهدف من زيارتك؟».
فقلت له مازحاً:
- «أنا ذاهب للتسوّق!».
فقال:
- «دعك من هذا، بسام أبو شريف لا يسافر في رحلات تسوّق».
فقلت:
- «حسناً، إن كان في لندن من يريد أن يتبادل معي الرأي بصراحة وانفتاح، فإنّه سيسرّني جداً أن ألتقيه. فهل سيفكر وزير الدولة بوزارة الخارجية والكومنولث لبلادكم، المستر وولدغريف، مثلاً في استقبالي؟».
سألني السفير:
- «وما هو بالضبط الذي تريد المناقشة فيه؟».
فقلت له:
- «رغبة منظمة التحرير في السير باتجاه جديد، ونريد مساعدتكم في ذلك. نريدكم أن تمدّوا يد العون لنا لتحقيق السلام».
همهَم السفير وهو يضع الزبدة على الخبز المحمّص، وقال:
- «أم... م... م... سأفكر في ما أستطيع القيام به».
بعد بضعة أيام، وصلتني رسالة صادرة من وزارة الخارجية البريطانية تقول: «إن كنت تستطيع إصدار بيان علني ـــــ بعد لقاء محتمل مع أحد أعضاء الوزارة البريطانية ـــــ ينسجم مع هذا الاقتراح... فإن لقاءً كهذا وارد جداً». إذاً، فالمسألة واضحة تماماً. ورحت أدقق نص الرسالة. فقد عكس جوهر البرنامج الجديد لمنظمة التحرير كما شرحته للسفير، والمتمثل في: الاعتراف بإسرائيل، وشجب الإرهاب، والإقرار لجميع دول المنطقة بحقّها في العيش بسلام وضمن حدود آمنة، وأن تعيد إسرائيل إلى منظمة التحرير الأراضي التي تحتلها. أخبرت السفير البريطاني بموافقتي على ذلك. ثم سافرت إلى لندن.
في اللقاء التمهيدي مع مسؤولين بوزارة الخارجية البريطانية، درسنا نصّين اثنين: أحدهما يقرأه السفير على رجال الصحافة، والآخر أُدلي به أنا. وكان بياني تقديماً صريحاً مباشراً للسياسة الجديدة لمنظمة التحرير. أما تصريح ويليام وولدغريف «فسيثمّن ـــــ بحكم ظروف معينة ـــــ سياسة «منظمة التحرير الفلسطينية»، وبالتالي... ستعمل المملكة المتحدة على إقامة قنوات اتصال رسمية مع منظمة التحرير...». وبعبارة أخرى، سيسمح لنا بالعودة إلى المسار الطبيعي في العلاقات إن نحن أحسنّا التصرف والتعامل.

استغرقت عملية الاغتيال الإرهابي 13 ثانية فقط، ابتداءً من نسف أقفال البوابات الرئيسة حتى مصرع «أبو جهاد» بعد انتهاء الاجتماع مع وولدغريف، كان الصحافيون بانتظارنا عند مدخل وزارة الخارجية. ولمّا أيقنت أنّ وولدغريف كان يراقبني، طويت بحذر البيان المعدّ سلفاً، ووضعته في جيب سترتي الداخلية، ولاحظت أنّ وولدغريف قد فوجئ، ولسان حاله يتساءل عما سأصرّح به، وإن كنت سأنقض ما اتفقنا عليه، وكيف سيتصرف هو نفسه إن وقع ذلك فعلاً. ولمّا فرغ من تصريحه، جاء دوري وأدليت ببياني من الذاكرة. وبدا الارتياح واضحاً على وولدغريف عندما تأكّد من أنّني كنت أمزح معه بعض الشيء، لكنّني غير متأكد من أنّه قد غفر لي ذلك.
كانت تلك أول مرة تقيم فيها منظمة التحرير علاقة مع حكومة المملكة المتحدة على المستوى الوزاري. وها نحن فتحنا القناة الإنكليزية.
بعد هذا النجاح الذي تحقق من اللقاء الأول، تحدثت مع وزير الخارجية دوغلاس هيرد. كانت مفاوضات السلام في الشرق الأوسط في غاية التعقيد في ذلك الوقت، ومشلولة عن الحركة. فقد كان وزير الخارجية الأميركية جيمس بيكر يواجه صعوبة جمّة في إقناع حكومة اسحاق شامير بالدخول في هذه العملية أصلاً. وتقدّم الوزير بيكر بخطته ذات النقاط الخمس، لكن الإسرائيليين ظلوا يتملصون ويراوغون في الموضوع، وقال لي الوزير هيرد:
- «لا شك لديّ في أنّ عملية السلام ستسير إلى الأمام، لكن ذلك يتطلب جهوداً أكبر مما تستطيع الولايات المتحدة بذله فيها. إنّها قضية كبيرة وتحتاج إلى جهود بحجمها. وأعتقد أنّ بإمكان المملكة المتحدة تقديم الكثير لمساعدة الأميركان على إقناع الإسرائيليين بالجلوس إلى طاولة المفاوضات».
ضحك هيرد، وقال:
- «السيد «أبو شريف» متفائل أكثر منا». وضحك معه كلّ المسؤولين الحاضرين.
فانضممت إليهم، وقلت:
- «أنا دائماً متفائل. والسلام آتٍ بالتأكيد».

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات