بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
سوريا.. من الشهادة إلى الإعاقة
  03/12/2010

سوريا.. من الشهادة إلى الإعاقة

خولة غازي - موقع جدار


هل ترغب بالإلتحاق بالفدائيين؟ أو هل ترغب بالذهاب الى الحرب؟.. لو سألنا هذين السؤالين لمجموعة من السوريين في فترة حكم الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد، لكان الجواب نعم بإصرار وتأكيد.
أما لماذا نعم، فهذه لا علاقة مباشرة للرئيس الراحل بها، بل انتجتها مجموعة من الظروف التي كانت مسيطرة في تلك الفترة، حيث كانت الافكار الايديولوجية في أوجها، كان كل شيئ معداً لذلك، الاناشيد اليومية في المدارس، لون اللباس العسكري للمرحلة الثانوية، دورات المظليين والصاعقة، خريطة الوطن العربي الكبير تزين لباس طلائع البعث، نشرات الاخبار؛ التي يتهدج صوت مذيعييها عند ذكر مأثر حرب تشرين التحريرية، أغنية سوريا يا حبيبتي شعاراً لتلك المرحلة، برنامج حماة الديار يتصدر برامج التلفزيون السوري، الإعلان عن بدء الانتساب إلى الكلية الحربية والجوية والبحرية بالنداء على أحفاد خولة.. ولإعادة أمجاد ذات الصواري.. وكي يبقى وطننا منيعاً... كان أشبه بعيد سنوي .
بالمجمل كانت تعيش سورياعلى إيقاع الحرب، ثلاثة ارباع ميزانيتها تذهب للجيش، الاسلحة والعتاد الروسي يتدفق، الجيش السوري في لبنان، اجتياح بيروت، العمليات الاستشهادية ضد اسرائيل في جنوب لبنان، الحرب على الاخوان، الاناشيد الصباحية المنددة بـ (عصابة الاخوان المسلمين)، كل هذا لا يمكن أن يخلق إلا جواً مشحوناً لا يليق به إلا خطاب الشهادة والحرب.
لم يكن المثل الاعلى يخرج عن حدود غيفارا، وصوت صلاح قصاص معلناُ: ألف حبل مشنقة ولا يقولو بو عمر خاين يا خديجة. في السهرات التلفزيونية عن الشهيد والحرب..
أما بالنسبة الى خارج سوريا، فحالة العداء مع العراق، وصلت بالحكومة وبقرار سياسي: أن تضع على كل جوازات السفر السورية "عدا العراق" للدول التي يحق للسوري السفر إليها..
في فترة التسعينات بدأت مرحلة جديدة في الذهنية السورية مرحلة (الشيزوفرينيا )، فبعد غزو العراق للكويت، ودخول سوريا ضمن قوات التحالف، ومن ثم دخولها في عملية السلام من خلال مؤتمر مدريد برعاية أمريكية، إلا انها كانت في الوقت ذاته تدعم المقاومة اللبنانية وحزب الله، وتعلن زوال اسرائيل، والكثير ممن تربوا على الخطاب القومي والعروبي لم يرق لهم مشهد لقاء فاروق الشرع مع ايهود باراك في منتجع شيبردزتاون الامريكي، وكانت قمة الرعب؛ السؤال: ماذا سيكون شعورك لو رأيت الاسرائيليين يتجولون في الشوارع بيننا؟
كان الرئيس الراحل حافظ الاسد، يعطي الشهادة في خطاباته قيمة كبرى، لذا كان يهتم بعائلات الشهداء، فكانت الامتيازات كبرى، كيف لا وهو ابن المدرسة العسكرية وخاض حربين انهزم في احداها، فافتتح مدارس ابناء الشهداء وخصص لهم مفاضلة خاصة بهم في الجامعات، بالإضافة إلى إمتيازات السكن وتسهيلات التوظيف، ويحكى أنه في السنوات الاخيرة من حياته اقترحوا عليه إغلاق مدارس ابناء الشهداء فبعد حرب تشرين واجتياح بيروت لم يعد هناك اعداداً كبيرة من الشهداء، فمن يستشهدون اثناء تأديتهم الواجب العسكري، عددهم لا يسمح بإفتتاح مدارس، فرفض الامر بشدة، واعتبر أن الحروب لم تنتهي.
والآن لوسألنا نفس السؤال في هذا الوقت: هل ترغب بالذهاب الى الحرب؟ أو هل ترغب بالإلتحاق بالفدائيين؟ (رغم عدم بقاء فدائيين) على مجموعة من السوريين لن تجد نفس الحماس، قد تجد بعض فلول التعبئة الوطنية، ولكن الحال تغيرت، وخاصة الجيل الجديد، الذي لم تعد ترق له فكرة الحرب و الشهادة، وأصبحت الخدمة العسكرية هماً ثقيلاً، مما دفع الكثير من الشباب إما إلى السفر من أجل تجميع البدل العسكري، أو استخدام عشرات الواسطات للإعفاء من الخدمة العسكرية، فأصبحت بالتالي الهمة الوطنية موسمية: حرب تموز، الحرب على غزة، الحرب على العراق.
فابتعد اللون العسكري عن اللباس المدرسي،، اصبح اللون الزهري والازرق الفاتح عنوان المرحلة الجديدة في سوريا، إذا أنه ومنذ تسلم الرئيس بشار الاسد مقاليد الحكم في سوريا، بدأت تتغير ملامح سوريا، وبات يأخذ المجتمع شكلاً جديداً، انفتاحاً اقتصادياً مترافقاً مع استلام الجيل الثاني من الفاسدين، فما لهفه لصوص القطاع العام، وفرت لهم المرحلة الجديدة ميداناً مريحاً لغسله كـ "استثمارات"، فطفى على السطح اولادهم وأمسكوا البلد خلفاً لآبائهم، فلا تجد مشروعاً غير تابع إلى ابن فلان الفلاني، واذا جاء مستثمر الى البلاد عليه أن يشارك أحد هوامير الاقتصاد السوري الجديد.
وعلى المستوى الأخر: ظلت مباحثات السلام ترواح في مكانها، بين الفترة والفترة تعاود المفاوضات غير المباشرة، وتخبو، فخلت ساحات المعارك، وأصبح الحديث عن السلاح كلام فارغ.. ولكن بقي الدعم للمقاومة..!
مقابل تضاؤل الإهتمام بالشهادة، ازاد الاهتمام بالمعوقين، وتوفرت لديهم امتيازات خاصة في التوظيف والإسكان، وتخصيص ساعات درامية، مؤتمرات خاصة، فانزاحت الشهادة والبطولة لصالح الإعاقة، في عهد الاسد الأب كانت الاسر السورية تفخر بأن لديها شهيد، أما الآن فتفخر بأن لديها معوق تهتم به السيدة الإولى.
ولعل الشيئ الوحيد الباقي من أثر تلك الحقبة هو مقرات مدارس ابناء الشهداء، و المؤتمرات التي تقيمها الدكتورة نجاح العطار للحفاظ على اللغة العربية وأشياء أخرى ذات صلة بالعروبة..

--------------------------------------------------------------------------------


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات