بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
هناك يوم للغضب في مصر
  25/01/2011

هناك يوم للغضب في مصر


 لا فرق بين ذهنية أولئك البسطاء الذين يشعلون النار في أجسادهم من أجل الخلاص بعد أن طحنهم الظلم، والحرمان من العيش الكريم، وبين ذهنية الاحتجاج السياسي في مصر؟
الإرتجال وسرعة التأثر والمراهنة على المحاكاة كطريق للتغيير السريع.
الفرق هو إن أولئك البسطاء جاهزون للتغيير بأجسادهم وهؤلاء المسيسون غير جاهزين لا بأجسادهم ولا بمنظمومات ممارساتهم القيمية. والفرق هو إن البسطاء قد يئسوا فطلبوا الخلاص، أما المسيسون فلم ييأسوا بعد لذلك لا يطلبون خلاصاً إنما "تغييراً".
الاحتجاج السياسي في مصر يقول بإن هدفه التغيير وليس إسقاط النظام. تغيير ماذا؟ تغيير على طريقة المنح والعطايا من "ولي الأمر". تونس النموذج الذي يلهب المصريين اليوم لم يرض بأقل من إسقاط رأس النظام وهاهو مستمر بقوافل الحرية من أجل اجتثاث كامل أركان نظام 7 نوفمبر.
الفكر التغييري النخبوي في مصر مختلف تماماً، والشارع مختلف، لذلك "مصر ليست تونس" بتعبير عمر الشوبكي.
لن يغير الساسة المصريون المعارضون شيئاً في مصر، ولا حتى الحركات الإحتجاجية الشبابية التي تحوز على التقدير والإعجاب بالمثابرة والتحدي الدائم وتقوم بإنجاز سيكولوجي في قهر الخوف وهذا ليس بالقليل، لن يغير أولئك "النجوم" في مانشيتات الصحف والفضائيات، ولا أولئك الذين يقضون نهارهم وليلهم على الفيس بوك وتويتر.
الأربعون في المائة الذين دخلهم أقل من دولار واحد في اليوم، والبقية العاملة التي تضرب وتحتج في أوضاع نقابية وحقوقية سيئة هم من سيغير مصر يوماً. وسيلحق بهم سكان العشوائيات المعطلين عن العمل وعن العقل فأحزمة الفقر حول المدن الكبرى يلفها السلفيون والإخوان المسلمين كمشنقة حول عنق مصر ويبالغ في حراستها الإجرام والجهل، وكذلك أطفال الشوارع الذين قارب عددهم المليونين، ونزلاء السجون والمصحات والمشردين بسبب انهيار مساكنهم.هؤلاء من سيقود مصر في ساعة الغضب المجهولة.
لن يحدث التغيير في مصر كما يحلم به الحالمون المصريون والعرب لإن نصف مصر ضد نصف مصر.
النصف الأول ليس هو الموالين للنظام القائم والمستفيدين من بقائه بل هم "الفاعلون" السياسيون الذين يتصدرون المشهد المصري.
والنصف الثاني هم أؤلئك المحرمون والفقراء والمعطلون عن الحياة والعقل والحرية.
يلعب النصف الأول باسمهم ويتحدث باسمهم وهو لم يقابلهم يوماً، لذلك النصف الثاني لا يعرفهم ولا يعنون له شيئاً.
النصف الأول يحفظ استمرار الأوضاع على ما هي عليه، وأزماته البنيوية تجعله عاجزاً عن القيادة.
النصف الثاني سيغضب ذات ساعة، لكن هل ستثور مصر؟
فرق كبير بين طلب "التغيير" وبين "الثورة" وسنهمل "الإصلاح"؛ إن شعباً يتوسل "قادته" و "رموزه" النزول إلى الشارع للاحتجاج لن يثور. بإمكانك أن ترى المفارقة وتتأمل إن لم تتألم عندما يطلب زميلي الصحافي خالد البلشي رئيس تحرير البديل من الرموز المصرية أن تكون في الشارع يوم 25 يناير، فأي "استجداء" لسخرية الأقدار! أناس يحرقون أنفسهم، وشباب مخلصون معرضون لأقصى الممكن القمعي يطلبون قادة ورموزاً.
هل محمد البرادعي الذي تعرض بالأمس، واليوم بسبب عدم مشاركته في "يوم الغضب" أو "يوم الثورة" لأقسى أنواع الشتائم والاتهامات "المصرية" على حق عندما يعامل النخبة السياسية المعارضة بمنطق : اثبتوا جديتكم وإخلاصكم. وهو المنطق الذي يفهمه أصحاب الآمال الكبار، بينما يجعل صاحبه عرضة للاعتداءات اللفظية من كل "شوارعجي" و مزايد.
البرادعي أحدث فرقاً منذ أن أطل على الحياة السياسية في مصر، لكنه واجه تلك التركيبة الذهنية والقيمية التي تريده شهيداً أو مخلصاً. تريده قرباناً –غير مضمون القبول- بالنيابة. ولم يقل الرجل يوماً أنه بصدد هذا أو ذاك. قال بصوته العالي بأني أدعو للتغيير وأساهم فيه، لكن أؤلئك أتوا لاقتسام المناصب والرتب والغنائم الرخيصة على حسابه فانقسموا وتشتتوا عندما رأوا الرجل مختلفا،ً ولم يسعف أحدهم في شيء فأصبح هدفاً لرصاصهم المطاطي، وربما للرصاص الحي ذات يوم من آخرين.
متى ما استطاع المصريون خلع عباءة "التراتبية" و"البطريركية" سينتصرون سريعاً بالبرادعي أو من دونه، فتلك العباءة -النسق- هي سبب الاستكانة و التخلف والانهزام.
ماذا لو كان أكبر فعل ثوري يمكن أن يحدث في مصر اليوم هو الذي يمكن أن يقوده علماء النفس والإجتماع والإقتصاد لتثقيف النخب القائدة والطافية بنفسها ومجتمعها!
لن يقود التغيير الأحزاب الديكورية سواء كانت معارضة أو في "هز الوسط"، ولا "الديموقراطيون" منظمين أو متحالفين، ولا الإخوان المسلمين الذين لا "دين" لهم، ولا "اليساريون" الذين ينتظرون الثورة الشعبية بينما هم لا يقربون اعتصامات العمال واحتجاجاتهم، ولا هواة الإنشقاق اليومي تحت أية تسمية كانوا، ولا "الحقوقيون" أصحاب الدكاكين العائلية، ولا جميع أولئك الذين ألهبتهم تونس فاستخدموا براجماتيتهم السياسية لمزيد من الظهور والمكاسب والمساومات، لن يقودوا تغييراً في مصر فضلاً عن إشعالها انتفاضة أو ثورة. هؤلاء جميعاً يحجبون مصر الشجاعة والكريمة بنفس الوسائل التي تحجب بها السلطات آراء معارضيها.
ليس هناك تغيير في مصر لإن الخراب المصري هو بحجم مصر الكبيرة، ولإن مصر التي صنعها الكبار أصبحت صغيرة على يد صغار اليوم موالين أو معارضين، حكاماً أو مجاورين.. للحكام.
أما عموم الشعب المصري فله طوائفه. لكن ليس له الله، بمعنى الأمل المتحد النافذ، فالله في مصر مختطف في أحسن الأحوال من المتطرفين المسلمين والمسيحين، وفي أسوأها هو دمية ممزقة يحتفظ كل طرف سياسي أو طائفي أو نخبوي بجزء منها ويدعي أنه الكل. لذلك ليس هناك تغيير في مصر إلا إذا غضبت مصر حقاً.
لا أحد يعرف متى ستغضب مصر. ستغضب في ساعة غير محددة سلفاً، ويوم 25 يناير ليس يوماً للغضب، هو يوم لتكرار جميع السيناريوهات "الغاضبة" السابقة.
على مصر الحالية أن تذهب من غير رجعة، وعلى المصريين استعادة مصر المستقبل
مصدر جدار الالكترونية

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات