بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
المثقفون والمنظرون والأحزاب... أنبياء كذبة
  31/01/2011

المثقفون والمنظرون والأحزاب... أنبياء كذبة
«ارفـع رأسـك يـا أخـي»... فارتفعـت مصـر


نصري الصايغ

Iـ هذا هو بلدي

وقف متظاهر مصري في الشارع، وأعلن انتماءه، وهو يبكي: «هذه أول مرة اشعر فيها ان هذا البلد بلدي». لعله كان فعل انتماء جديد، للذين غادروا غربتهم في مصر، وقرروا ان مصر، هي لهم، بعدما سرقت منهم.
إذاً، ماذا تفعل الآن يا مبارك؟ لقد أخذت مصر منهم، وها هم قد استعادوها منك، ومن سلالتك. لم يعد لك مكان فيها. صك ملكيتها انتقل الى «بهية» بصيغة الجموع الحقيقية، الناصعة في ما ملكته أيديها من عري وقوة وبسالة.
ماذا تفعل الآن؟ لماذا لم تحزم حقائبك وترحل؟ لم يعد مجدياً اللعب بأوراق مقروءة سلفاً. أم انك تراهن على جيش تستأجر منه قيادة موقتة، لتعيد الأمور الى نصاب الحريق.
واحد فقط سبقك. واحد فقط قبلك. شاهد بلده يحترق، فجلس على شرفة استبداده. ليتمتع بخراب روما. ها هي القاهرة تحترق، وأنت تتفرج على رمادها، لتقنع الناس بـ: إما أنا او النار.
لكن ذلك فات أوانه. فالمصري، استعاد مصر، بدون إذن منك، ورغماً عنك. استعادها من دون أحزاب تلكأت في مواجهتك، من دون تيارات صبت مياهاً في أنهارك، من دون يسار تحول معك الى يمين، من دون نقابات حوّلها قمعك الى معتقلات. استعاد المصري بلده، وصار يليق به ان يسير، «واثق الخطوة يمشي ملكاً»... وهو ينشد: بلادي بلادي.
الرجل الذي بكى في الشارع وهو يقول: لأول مرة اشعر ان مصر بلدي، لم يقل شيئاً عابراً، لأن هنا لب المسألة كلها. هنا تحديداً، معقل التحول والتغيير. مصر التاريخ استبدلت في زمن حسني مبارك، بمصر الغياب. لا حضور لها ولا وزن ولا فعل. أقالها مبارك من مخزونها، وجعلها اقرب الى أوراق البنكنوت... مصر العروبة، (يا حرام!) ممنوعة بالقوة من الحضور. لا عروبة لمصر، وهي التي خاضت معارك العروبة، وكانت قاطرة شعوب المنطقة الى الاستقلال والسيادة والحرية... مصر الريادة في محيطها، تحوّلت الى مقطورة مطيعة، تسير وفق أوامر البنك الدولي الانتحارية، وإرشادات «الولي الدولي» الأميركي المنحرفة، وضرورات «الولي الإقليمي» الإسرائيلي المذلة... مصر مبارك، لا علاقة لها بمصر النهضة، ومصر الكلمة، ومصر التراث، ومصر القومية، ومصر الاشتراكية ومصر التي صرخت: «إرفع رأسك يا أخي».
الرجل الذي قال للجموع باكياً: هذه بلدي، كان يعني ان حقبة رثة ستزول، وان منعطفاً تاريخياً سيبدأ يستعيد فيه شعب مصر حقوقه في بلده.
مصر الناس، كانت مؤجرة، للعائلة المالكة وزبانيتها وفروعها المنتشرة في الشركات والأعلام والأمن لـ«الحزب الحاكم». مصر الناس، سلبت منها الحرية. القمع واجب يومي، الاضطهاد، برنامج سياسي. السرقة، حلال حكومي. الانتخابات، تهريج ديموقراطي. الاقتصاد، أرقام تدور في فلك طبقة العشرة بالمئة. الاستبداد، محفوظ ومدعوم، من قبل أوصياء مصر الدوليين.
أما زلت تأمل بحكم مصر يا رئيس؟ أما زلت تسعى لتولية من يتشبه بك بلباس عسكري؟ أما عرفت ان مصر استعادت مصريتها، ولا تقبل ان تكون ضعيفة إزاء اعدائها وخصومها، وقوية فقط على شعبها. مصر المصرية، ترفض ان تكون حارساً إسرائيلياً بتوصية أميركية. وترفض أن تكون خادمة تأكل من فتات مائدة العولمة.
أنور السادات، خرج من المعركة أبان كامب ديفيد، وروج لمقولة: «أريد ان أطعم شعبي». فلا قاتل ولا أطعم شعبه. قال للمصريين: «الانفتاح باب الحرية». ولم تعرف غير الانتهاك. وحدها حرية الرساميل والشركات كانت محفوفة بالرعاية والاحترام. وحدها حرية السرقة «المشروعة»، كانت مدعومة من السلطة. وحدها هذه الحرية التي جعلت من مصر سلعة كبيرة، كانت محروسة ومباركة... كل الحريات الاخرى، كانت محرومة... وليس غريباً، ان غض الغرب الطرف عن ارتكابات السلطة وانتهاكها لحقوق الإنسان، لأنه معني فقط، بحرية السوق وقدسية السلعة، وايديولوجية تسييل الأموال، واعتبار الخصخصة مفتاح النجاح الاقتصادي.
لا خوف على مصر من المصريين الذين استعادوا بلدهم، وهم الآن في الشارع يعلنون فعل انتماء لبلدهم. وفعل رفض لمن أخذها منهم.
كل الخوف، ان يظل مبارك، لفترة ما، تصيح فيها مصر المحترقة، «وامباركاه». وبهذا، يكون التاريخ قد استضاف الريس الى شرفة نيرون.
IIـ اعتذار عن إهانة
«إنهم لا يفكرون مثلنا. إنهم يفكرون أحسن منا».
هل يمكن التحقق من هذه النتيجة التي توصل إليها مثقف تونسي مخضرم، لدى مقارنته بين جيله وجيل محمد بو عزيزي؟ ويمكن التأكد من ذلك، بعدما ظهر أنهم في مصر لا يفكرون مثلنا، وإنهم يفكرون أفضل منا».
لم يعد بوسع المثقفين والنخب وأصحاب الأفكار وأتباع المناهج ومتخرجي النظريات ومهندسي الثورات في المناشير والكتب، ومن تبقى من أجيال المستحثات الحزبية، إلا الاعتذار من جيل جديد تربى على يديه هو، وتعرف على نفسه بأدواته، وقاد ذاته بإرادته، وبحث عن أفقه بعينيه، وراوده الأمل كإنجاز ممكن...
بل يجب ان نعتذر جميعاً، من جيل بو عزيزي، في المدن التونسية من أطراف حمراء «الجريد» في الجنوب، ومطاطه وجرجيس، في الشريط الرملي الاجرد، ومن قلاع قرطاج الى صفاقس، ومن حنايا سيدي بوسعيد الى شارع الحبيب بورقيبة، بل يجب ان نرفع صوتنا ونكفر عن ذنوبنا، من كل مصري أذقناه من حبرنا طعم المهانة والنكران، فأنكرنا عليه غضبه الكامن، وإنسانيته المنتهكة، وصورناه على انه تابع وخانع وصابر، ولن يتحرك من مطرح إقامته المهني، إلا بعد عودة الحياة المستحيلة لأبي الهول... وفراعنة الأزمنة المحنطة.
لقد أهنا شعبنا الذي لا نشبهه، لأنه يشبه ذاته بحواسه الخمس، بأفكاره الملموسة، بحياته المعيوشة، بهمومه الباهظة، بيأسه الموقت، بأحزانه المقيمة، بتعبه الايجابي... لقد أهنّا أهلنا، من المحيط الى الخليج، حين ظلمناهم بأستذتنا، لانهم لا يتلاءمون مع قنوطنا النضالي، وتجاربنا الفاشلة وأفكارنا المغسولة بنقاء المنطق، وكتبنا المهترئة نظرياً، ومقالاتنا المتأرجحة بين تبرير وتفسير. ومواقفنا المجترة لنبرة الهزيمة بلغة انتصارية لا تقارن من حيث خفتها، بوزن «البوشار».
IIIـ استدعينا الثورة... فلم تسمعنا
صدقونا أحياناً. قلنا لهم: هذا قدر. نحن جنس عاطل عن التطور. نحن نقبّل الأيدي ولا ندعو عليها بالكسر. نحن متخلفون جينياً، أعراب لا عرب، ندخل الأمصار ونهدمها لندك وتداً. نحن نحتاج الى آلهة تأكلنا ولا تطعمنا، نحن من صنف بشري متمرّس بالقعود، مثقفة بالاتكالية، متحصن بالآية، متشبث بالمقدس والمنزه، يتبع رجال دينه، لا دينه، وقيادات «شعبه»، لا شعبه، وزعامات «قضاياه»، لا قضاياه... صدّقونا مراراً. وأقنعوا أنفسهم بـ«لا حول ولا قوة»، و«العين لا تقاوم المخرز»، والسياسة شر فاجتنبوها، وعاشوا حياتهم كقطعان، ترعى إذا أذن لها في مراعي الاقطاعات الدينية والمالية والسياسية، أكانت عربية أم أميركية أم صهيونية مستترة.
المؤسف، انهم صدّقونا كثيراً، عندما قلنا: الاستبداد العربي عقيدة مزمنة. لا مفرّ من الهروب او الخضوع... القبيلة، أرومتنا السياسية، ولأننا لا نريد ان نكون أيتاماً، فقد اخترنا القبيلة وعشيرتنا، آمالنا. نحن اجسام ولدت من الرحم الديني ولا مفر من استمرار حبل الصرة. نحن كل ما لا يمت الى الجماعة والوطن والأمة والدولة. نحن كائنات بيولوجية، الرغيف واجبنا اليومي، فلنقم بتخميره وعجنه بعرق الجبين.
الديون، واجبنا المالي. فلنسدد ما علينا من فقرنا وتعبنا، لدين كنا فائدة له ولم يكن مفيداً لنا. نحن، هذا قدرنا، ان نكون مقهورين ومسحوقين وممتنعين عن الفعل والإبداع... لا نفعل إلا ما يؤذن به لنا.
هكذا كنا نقول عن شعبنا. أطعمناهم من يأسنا، ومنعنا عنهم الحلم بالأمل.
المؤسف، اننا فكرنا عنهم، وأسبغنا عليهم ما عندنا من عجز وجبن، وأضفينا على أفكارنا وقناعاتنا، عبقرية الثبات والرسوخ والدقة والصحة وقلنا: نحن الاستثناء في هذا العالم. ومن يفكر مثلنا، مغامر او مشبوه. ولقد صدقونا بألم عندما ضخمنا من حجم السلطة، وصوّرنا الاستبداد العربي، كأنه أبد جاثم بلا زمن، أي، لا مفر منه، أي، نحن سكان هذا الجحيم، المؤسف اننا رفضنا الاستبداد لفظاً، وطوّبناه، عندما اعتبرناه راسخاً وهائلاً ومنتشراً ومنظماً و... لا مفر منه.
فظيع ما ارتكبه المثقفون من يأس. ما كتبوه من أمور معقدة، وما استعادوه من كتب الآخرين. استعادوا ماركسية معقدة ولينينية بائدة، وقوميات محتضرة، وتجارب مخزية، ليبرهنوا أن المسألة فكرية أولا، حزبية أولا، نقابية أولا، اقتصادية أولا، اجتماعية أولا... وضعوا كل ما هو نظري أولاً، ولم يشعروا أن العالم ليس عقلاً، وأن العالم ليس نظاماً أو أنظمة، لقد أصرّوا على أن الخط النضالي، هو خط معرفي مستقيم، وهو أقصر طريق بين نقطتي الانطلاق والوصول. صدّقوا أن اقليدس كان على حق. لو عرفوا برتولت بريشت، لأدركوا، ان أقرب خط بين نقطتين، هو الخط المتعرج. (وفق شهادة غاليليو غاليلي لتلميذه أندريا).
أفظع ما ارتكبناه، ما يشبه الشتيمة واللعنة، عندما اتهمنا شعوبنا بالقصور والعجز، وهو ما لم يتجرأ عليه عنصري أجنبي، في عز أزمنة الاستشراق الغربي.
كنا ننتظر الثورة. استدعيناها ولم تحضر. بينما غيرنا كان ينسج خيوطها من آلامه وأوجاعه وكرامته المهدورة وصمته البليغ... لقد كان شعبنا حياً يرزق. وبحاجة إلى لحظة التعبير عن حياته.
IV ـ كانوا أحياء وكنا أمواتاً
يقول كزافييه بيتا: «اننا نبحث دائماً في التفكير المجرد عن تعريف للحياة. لن نجد تعريفاً نظرياً أفضل من اعتبار كون الحياة، مجموعة الأفعال التي تقاوم الموت».
كان شعبنا حياً، لأنه يقاوم الموت، وكان في ذلك طبيعياً جداً. لم يتبع نصاً عن كيفية مقاومته الموت. العامل قاوم موته برفضه المبطن لاستغلاله. الفقراء، قاوموا موتهم، بإدراكهم لحقوقهم الطبيعية والبديهية، (الطعام والمسكن والصحة والتعليم). وما كانوا بحاجة إلى عبقرية الفكر الإنساني التي أنجبت بعد حروبها المدمرة، الشرعة الدولية لحقوق الإنساني.
ما كانوا بحاجة إلى فلاسفة، يعقدون عليهم وسائل مواجهتهم لموتهم الخاص، وهم أحياء. كانوا على وعي بأن الديموقراطية، هي حاضنتهم الممتنعة عنهم. كانوا يشعرون أن العدالة حقهم المهضوم أو المختصر، وأن الحرية فضاؤهم المخنوق، وأن الفرح فرصتهم المستباحة... كانوا بشراً حقيقيين يحبون الحياة، ويقاومون على طريقتهم، بأحاسيسهم ومشاعرهم وغضبهم وصحتهم، كل ما يمكن ان يسلب إنسانيتهم، وكل ما يحوّلهم إلى قطعان، تقودها الدكتاتوريات إلى حتفها الحياتي.
كانوا أحياء يرزقون. فهل كنا نحن الأموات؟
V ـ السلطة.. نمر من كرتون!
وجاءت اللحظة، حيث لم تكن في توقيت أحد.
السلطات كانت تسير وفق توقيت الفساد والسرقة والقمع والاستبداد والإهمال والاحتقار والتبعية. السلطات كانت مطمئنة إلى كلاب حراستها، من رجال أعمال، ورجال إعلام، وكتاب خطابات، وموزعي نشرات أنباء ومعلومات. كانت مطمئنة إلى جهازها الأمني الذي أنفقت عليه، رعاية وتدريباً وتوحّشاً وافتراساً، مليارات كثيرة. كانت السلطات مطمئنة، إلى تقارير البنك الدولي، ومشاريع التنمية أو الأصحّ، الإفقار المستدام. كانت محصنة بأرقام وثروات وشركات وأنشطة، مربوطة ببطون العائلة المالكة. وكانت... يا للغباء، مطمئنة إلى أن شعبها خائف وجبان ولا آلهة تساعده، بعدما صادرت الدين والملائكة، في خدمة أهدافها، وباعت الغرب بضاعة فاسدة: نحن هنا لنساعدهم على محاربة التطرف الإسلامي.
وفي لحظة بدت السلطة نمراً من كرتون. يا لسرعة الانهيار. هذا الركام السلطوي كان يحكم شعباً ممتلئاً بالحياة.. أجهزة الأمن انهارت بساعات. السلطة اختفت. الدكتاتور جثا على ركبتيه متوسلاً. العائلة هربت. الإعلام خرس. وكما فوجئت السلطة، فوجئ العالم وفوجئ المثقفون. وحدهم الذين صنعوا الثورة، كانوا يقومون بوظيفتهم اليومية، عبر استعمال الوسائل والأفعال جميعها لمقاومة موتهم... ولو بالموت. إذ، حياة تخشى الموت، ليست إلا موتاً مؤجلاً. أما الحياة التي توظف الموت في خدمتها، فهي حياة مستدامة.
لذلك، عذراً يا شعب مصر. اغسل خطايانا بانتصارك القريب.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات