بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
تحليل أداء القطاع العام الصناعي السوري بين عامي 2000-2010
  03/02/2011

تحليل أداء القطاع العام الصناعي السوري بين عامي 2000-2010

٢ شباط/فبراير ٢٠١١

إن التوجهات الإشتراكية للحكومة السورية منذ تسلم حزب البعث العربي الإشتراكي عام 1963 كانت باتجاه دعم القطاع العام، وقد بني معظم القطاع العام على أشلاء التأميم الحكومي الصادر بأربع مراسيم تشريعية 1965/1/2 والذي شمل 106 شركات، والذي طال معظم المصانع الكبيرة وحتى المتوسطة، حينها من مثل الشركة الخماسية وغيرها. وقد حظي القطاع العام بكل الدعم الحكومي والمالي، حتى شكّل 70 بالمائة من الاقتصاد السوري عام 1980، ولقد ظل الضخّ المالي بلاحدود للقطاع العام، وخاصة الصناعي منه، وشكلت نسبة مساهمة الصناعة والتعدين بكل أشكالها وللقطاعين حوالي 34٪ من ناتج الدخل المحلي السوري عام 2008

المصدر: تقرير 2009، المكتب المركزي للإحصاء

لقد أغدقت الحكومة السورية ولاتزال أموالاً طائلة من أجل دعم القطاع العام وتنميته، فلقد بلغ تكوين رأس المال الثابت فقط، دون أية مصاريف جارية أخرى، في القطاع العام 1041 مليار ليرة سورية مابين عامي 2000 و2008

يتألف القطاع الصناعي العام والخاص في سورية من ثلاثة صناعات رئيسية

أولاً - الصناعة التحويلية: وتشمل المواد الغذائية والمشروبات، والتبغ، والغزول والنسيج والجلود، والخشب والموبيليا والأثاث، والورق ومنتجاته والطباعة والصناعات الكيماوية ومنتجاتها وتكرير البترول، والمنتجات المعدنية المصنعة، والمنتجات غيرالمعدنية، إن القيمة المضافة للصناعة التحويلية السورية للقطاعين الخاص والعام لا تشكل سوى 18٪ من القيمة المضافة للصناعة عام 2008، بينما تمثل الصناعات الإستخراجية أكثر من 80٪ من تلك القيمة، وبسبب تسهيلات استقدام المواد الأولية، وتطور الصناعة المصرفية التي قدمت بعض التسهيلات للصناعيين فإن القيمة المضافة للصناعة التحويلية ارتفعت مليار دولار مابين عامي 2004 و2008
القيمة المضافة للقطاع الصناعي السوري 2004-2008 بمليارات الدولارات


المصدر: تقرير الصناعة العربية 2009-2010، الصادر عن المنظمة العربية للصناعة والتعدين
لقد شهدت سورية نمواً في انتاج الصناعة التحويلية من 6772 إلى 19503 مليون ليرة سورية ما بين عامي 2000 و2008، وهذا يعود لاقتحام الصناعيين السوريين مجال الصناعة التحويلية بقوة أكبر مدفوعين بالتشريعات المحفزة للنشاط الصناعي، فلقد زاد عدد المنشآت الصناعية 12349 منشأة ما بين نفس العامين
ثانياً - الصناعات الاستخراجية: حققت الصناعة السورية الاستخراجية، التي تعود ملكيتها للقطاع العام، ارتفاعاً ملحوظاً في قيمة الانتاج، حوالي ثلاثة أضعاف من 5.4 إلى 14.4 مليار دولار، مابين عامي 2000 و2008 وذلك بسبب ارتفاع أسعار النفط عالمياً أكثر من ثلاثة أضعاف، حسب التقرير الإحصائي للأوبيك 2009، من 27 دولار عام 2000 إلى 94 دولار عام 2008، ولم تعد تستطع الاعتماد على النفط والصناعات الاستخراجية بسبب قرب نضوب منابع النفط السورية. ارتفع حجم القيمة المضافة للصناعة لكلا القطاعين العام والخاص من 7 مليار دولار عام 2004 إلى 16.8 مليار دولار عام 2008، ولكن 81٪ من هذه القيمة المضافة هي مساهمة الصناعة الاستخراجية، وأغلب الظن أن سورية لن تستطيع انتاج نصف هذه القيمة في السنوات الخمس القادمة، وخاصة أن الإنتاج النفطي السوري انخفض من 600 ألف برميل يوميا عام 1996 إلى 400 ألف برميل يوميا عام 2010، (حسب تقرير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية)، ويستهلك السوريون 252 ألف برميل من ذلك الإنتاج، يمعنى أن النفط لم يعد مصدراً مهماً للقطع الأجنبي لدعم المشاريع الحكومية، فنسبة 28٪ من النفط السوري فقط هي الباقية للتصدير، بعد سد الحاجة النفطية للسوق المحلية
ثالثاً - قطاع الماء والكهرباء، تعود ملكيته للقطاع العام، والذي بالكاد يفي بحاجات السوق المحلية، ويعاني من ضعف الخدمات المقدمة، وهي من القطاعات التي تدرس الحكومة دفعها للقطاع الخاص لتوليها، وقيمة الإنتاج من الماء والكهرباء بلغ عام 2004 بلغت أكثر من 86 مليار ليرة سورية، وارتفع عام 2008 إلى 152 مليار، يستهلك السوريون حوالي 29 مليار من أصل 38 مليار كيلو واط في الساعة، وطرأ ارتفاع هائل على انتاج الكهرباء من حوالي 5 مليار كيلو واط/ساعة عام 1980 إلى 38 مليار كيلو واط عام 2007، ولكن في ظل الطلب الهائل على الكهرباء، بسبب زيادة عدد المنشآت الصناعية (في عام 2008 لوحده مُنحت رخص لأكثر من 2300 مشروع للقطاع الخاص) وزيادة عدد السكان، وقدوم المهجّرين العراقيين، وارتفاع درجات الحرارة وعدم ضبط التسريب الكهربائي، فإن سورية تحتاج للبحث عن مصادر طاقة بديلة لتزويد سورية بما تحتاجه من الطاقة الكهربائية في السنوات المقبلة

لقد انخفض الإنتاج الصناعي السوري للقطاع العام 15٪ منذ عام 2000 إلى عام 2008 (حسب الأرقام القياسية للصناعة السورية الواردة في المجموعة الإحصائية لعام 2009) وكذلك انخفضت الصناعة الاستخراجية النفطية بمعدل 33٪، كما انعكس الانفتاح الاقتصادي، والتشريعات المتدفقة التي تشجع الصناعة، وتحرير التجارة، على زيادة الصناعة التحويلية خلال السنوات الثماني وذلك بمعدل 6٪، ولكنها نمت بمعدل أقل من معدل النمو السكاني، فالمفترض أن تنمو خلال تلك السنوات الثماني بمعدل 20٪ على الأقل، والجدير بالذكر أن انتاج الصناعة التحويلية انخفض 5٪ عن عام 2006 أسوة ببقية الصناعات، وأما صناعة الماء والكهرباء فقد شهدت ازدياد بمعدل 52٪ خلال نفس الفترة.


المصدر: المجموعة الإحصائية السورية 2008
إن إلقاء نظرة فاحصة على الصناعة التحويلية السورية تبّين أن القطاع العام الصناعي في وضع صعب جداً، وأنه لا يقوى على المنافسة، ولا على العمل بكفاءة، فلقد دخل القطاع العام الصناعي في 93 نوع من أنواع الصناعة التحويلية، انخفض انتاج 54 صناعة منها مابين عامي 2004 و2008، بدليل عدم إمكانيتها على التنافس وخسارتها للسوق المحلية فضلا عن العالمية لصالح القطاع الخاص، فلقد انخفض على سبيل المثال انتاج القطاع العام في مجال الكونسروة أكثر من النصف من 8841 طن سنوياً إلى 3509 طن مابين نفس العامين، والحليب المبستر من 13402 طن إلى 6800 طن، والمشروبات الغازية من 2412 ألف ليتر عام 2004 إلى توقف الإنتاج عام 2008
انخفاض انتاج القطاع الصناعي العام ليس هو المشكلة الوحيدة، ولكن المشكلة الأكبر هو المخزون غير المسوّق (مثل أن نصف انتاج الغزول البالغ 120 ألف طن)، والذي يكدس في المخازن حتى ينتهي به المطاف للإتلاف، وللأسف في حالات الفساد في بعض شركات القطاع العام يحدث بشكل شبه دوري حريق يُعزى لأسباب واهية (ماس كهربائي) ويُسَجّل الحادث "ضد مجهول"، ولا يمكن بذلك معرفة المخزون الحقيقي وحجم المباع منه، أو المسروق! مثال حريق معمل غزل اللاذقية عام 2008 الذي قضى على 3000 طن من الغزول إضافة لاحتراق آلات باهظة الثمن. كما يعاني القطاع الصناعي العام من مشكلة العمالة الفائضة كشركة الساحل للغزل التي فيها 3800 عامل ولاتحتاج لأكثر من 2800
يعمل 1.38 مليون عامل - من أصل خمسة ملايين - في القطاع العام، لكن عدد العاملين في القطاع العام الصناعي لايتجاوز 100 ألف عامل، وواقع عمالة القطاع العام يُظهرالكفاءة المتواضعة للغاية لتلك العمالة، حيث يحمل أكثر من ربعها الشهادة الإبتدائية وحسب، أما 14٪ منهم فهم من حملة الشهادة الإعدادية، الأمر الذي يعد غير مقبول في عصر التكنولوجيا وشيوع استخدام الحواسيب الآلية، وكل تقنيات التواصل، وأما حملة المعاهد والجامعات فنسبتهم 44٪ من مجموع العمالة السورية في القطاع العام بكل نشاطاته بما فيها الصناعي
ينبغي بعد تجديد خطوط الانتاج، أن يخضع عمال القطاع العام الخاص لدورات تأهيلية تحاكي التطور التكنولوجي الصناعي، إضافة إلى حاجة القطاع العام إلى حزمة من الإصلاحات العاجلة، من مثل اللجوء إلى إعطاء محفزات لشركات إدارية لتدير الخاسر من القطاع العام، ضمن خطة توزيع فائض العمالة وتأهيلها، بشكل لايربك سوق العمل، ويضمن حياة كريمة للعامل، ضمن إطار الشفافية التامة، بحيث لايكون بيع القطاع العام مختصاً ببعض المقربين وأصحاب الولاءات، وهذا يتطلب أدوات إعلامية جريئة مفقودة حالياً للأسف، كما تحتاج هذه الدوات لقوى قضائية مستقلة وحازمة وعادلة، كي تكشف عن هذه الأخطاء الإدارية الفاحشة، وتحاسب مرتكبيها، وتعين على ضبط الفساد المستشري في أوصال القطاع العام، كذلك ينبغي أن يتاح لمدراء القطاع العام المزيد من الحرية في اتخاذ القرارات، بعد إعطائهم المحفزات الإدارية الكافية للنهوض من واقع القطاع العام المؤسف، فالتشريعات الجديدة ستعامل القطاع العام كأي مشروع خاص، لكنها لا تضمن وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، لأن الحكومة والحزب الذين فشلافي إدارة هذا القطاع لعقود هم أنفسهم المسؤولون عن تعيين المدراء الجدد
إن إدارة القطاع العام الصناعي دون شفافية سيؤذن بخروج القطاع العام من أكثر من 50 صناعة في حلول 2015، لذا ينبغي على الحكومة تشكيل لجنة مشتركة من غرف الصناعة، وممثلي العمال المنتخبين حقيقياً ومن التجار والخبراء المحليين والدوليين وذلك للاستفادة من خبرات دول العالم في هذه المسألة وتحاشي سلبيات تصفية القطاع العام ومايترتب عليها من تكاليف اجتماعية، وبإشراف حكومي، وتدار هذه اللجنة على أعلى درجة من الشفافية الإعلامية، لإيجاد حل عملي وواقعي ومنصف لوضع القطاع العام الصناعي

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات