بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
اهلاً بكم في ميدان التحرير... جمهوريّة الأحلام الممكنة
  10/02/2011

أهلاً بكم في ميدان التحرير... جمهوريّة الأحلام الممكنة

في هذا الجزء المحرّر من مصر، يختبر المعتصمون الحكم الذاتي، ويخترعون أشكال الصمود. شيوعيون قدامى، ونقّاد وكتّاب، أزهريّون وقساوسة... لكلّ حصّته من تلك الثورة التي يقودها الشباب. أما المذيعة على تلفزيون النظام، فحائرة في كيفيّة التعامل مع حقيقة بات يصعب إنكارها

دينا حشمت

«لا بد من الصمود»، يقول لي شريف حتاتة، الذي يسير سعيداً في وسط الميدان. المناضل الشيوعي الذي تجاوز الثمانين وقضى سنوات في سجون عبد الناصر، مبتهج بأنّه يشهد هذا اليوم. تشكيليون وممثّلون وكتّاب... وأزهريون وقساوسة وعمّال وموظّفون، وحتى لاعبون من «الزمالك»: الكل متّحد في التعبير عن الفرحة بهذا الجيل.
6 شباط (فبراير) يوم حافل في الميدان. تحلّ لحظات غضب عندما يتحدّث والد أحد الشهداء، بعد القداس الذي نظّم إثر صلاة الظهر مباشرةً. لحظات احتفالية أيضاً تأتي بعد ألم مذبحة الأربعاء الدامي. تتردّد في الميدان أغاني المقاومة في السويس وأولاد وبنات يرقصون، وعائلات توافدت بأطفالها. رجل أزهري يحمل طفلاً برفع لافتة «ارحل بقى علشان أنا عندي حضانة».
أنا بمفردي لكني أشعر باطمئنان وسط الزحمة، لا أثر للتحرش في التحرير. وفي الأماكن التي يحدث فيها احتكاك، أكتشف أن رجلاً اخترع درعاً بذراعيه لـ «حمايتي». ناحية عبد المنعم رياض، ينام الشباب أمام الدبّابات بعدما حاول الجيش تضييق مساحة الاعتصام. يغضب رجل من ناس يصوّرون الموقف: «أنا بايت هنا بقالي أربع ليالٍ، مفروض تيجي تقعد مكاني عشان أروّح أشوف عيالي، بدل ما تصورني».
العديد من الشباب يقضون ليلتهم في الميدان في ظروف صعبة. اتُّخذت الاستعدادات لمواجهة البرد والمطر بخيم بلاستيكية وبطانيات. قرب ميدان عبد المنعم رياض «نقطة طبية»، فيها أطباء متطوعون يحاولون معالجة الجرحى. هناك «مستشفى ميداني» أيضاً يهز أرجاءه أنين المرضى بسبب عدم توافر المسكّنات بكميات كافية.
في «دار ميريت» لا مكان خالياً. في كلّ شبر، يجلس أو ينام شخص، وآخرون يشاهدون التلفزيون. نمزح ونحلم بما سيكون عليه الأمر بعد انتصار الثورة، بالطريق التي لا تزال طويلة أمامنا، بإصلاح التعليم والصحة. شارع قصر النيل في دمار شامل. جو سريالي، حجر الرصيف مخلوع وأسلاك شائكة تغلق الشارع. لجان من المتظاهرين تفتّشنا مرّات عدة، طابور للسيدات وآخر للرجال.
قد تكون هناك فجوة بين المعتصمين والناس الذين يمضون معهم ساعتين تضامناً، لكن ما يوحّد الجميع هو الشعور بإمكان حياة أفضل، واكتشاف أن المصريين، في هذا المكان الذي لا تحكمه السلطات، قادرون على تنظيم حياتهم بطريقة فعّالة متجاوزين الطبقية والطائفية.
الدليل على قوة هذه الحركة أن النظام لم يعد يعرف كيف يتعامل مع روّاد ميدان التحرير المحرّر. أستمع إلى إذاعة الأغاني: لم تعد تذيع سوى أغانٍ وطنية، وأخبار ينقلها مراسل التلفزيون المصري «من قلب التحرير» رغم استحالة دخوله إليه. عنوان سبقه الصحافي: «آلاف المتظاهرين يتدفّقون على الميدان ليندّدوا بالتدخّل الإيراني في الشؤون الداخلية». تسأل المذيعة: «لكن كم العدد؟» فيرد المراسل بعد تردّد «يقرب من المليون». «مليون؟» تكرّر المذيعة حائرة في مشهد معبّر عن تخبّط النظام في مواجهة ثورة... لم يعد ممكناً إنكارها.
(القاهرة)


عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات