بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
سقوط الأحزاب ونشوء تيار النضال الالكتروني
  22/02/2011

سقوط الأحزاب ونشوء تيار النضال الالكتروني

عطا الله السليم


كتب الكثير من المحللين السياسيين عن انتفاضتي شعبي تونس ومصر بما هي حركة انطلقت من واقع اجتماعي مرير تعانيه أغلبية ساحقة من فئات المجتمع فثارت ضد دكتاتوريات قمعية، الا ان ما يميز هاتين الانتفاضتين هو ظاهرة تتمثل في دخول الثورات حيز التنظيم الفردي العفوي بعيداً عن أطنان المجلدات التي تزخر بها الاحزاب العربية والتي أصبحت أحزاب مكتبية ـ بيروقراطية. وفي حقيقة الأمر، تمثل هذه الظاهرة نموا لتيار شبابي عصري أدخل تقنيات العصر في صلب النضال السياسي والمطلبي كاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي كفايسبوك وتويتر وغيرها. ولا بد لنا في هذا المجال من تسجيل ملاحظات عدة.
أولا: إن تحرك 25 كانون الثاني/ يناير والذي يعتبر شرارة الانتفاضة المصرية كان دعا إليه مجموعة من الناشطين المستقلين والمدونين وهذا ما يجهله الكثير من المتابعين اليوم للحالة المصرية. وبعد نجاح التحرك المذكور، دعت قوى المعارضة إلى التظاهرة الشعبية الحاشدة والتي سموها «جمعة الغضب» وكان هذا يوم الجمعة 28 كانون الثاني.
ثانيا: أتت التظاهرات المليونية في القاهرة استجابة لنجاح التحرك ـ الشرارة. فبخلاف معظم الثورات الشعبية، لم تكن انتفاضتا تونس ومصر مرتبطة بأجندة مطلبية لقوى سياسية معينة، بل أكملت الأحزاب السياسية ما بدأته جموع الناس. واللافت للانتباه مثلا ان رئيس الجمعية الوطنية للتغيير، محمد البرادعي، لم ينزل ميدان التحرير إلى حين اكتملت صورة المشهد الشعبي وكان هذا في الأول من فبراير. يشكل هذا الأمر موجة جديدة ومختلفة من الثورات الجامدة والمركزية التي خاضتها الشعوب في القرون الماضية ولم يكن أصلا مطلب «إسقاط النظام» أو «إسقاط الرئيس» في أجندة القوى السياسية المصرية بل جل ما كانت تطالب به هو إشراكها في العملية السياسية بشكل واسع.
ثالثا: تعتبر قوى المعارضة التونسية والمصرية على حد سواء قوى مدجنة لصالح النظام الرسمي. وتعتبر عدم مقدرة الاحزاب السياسية على اللحاق بوتيرة التحركات دلالة هامة على البون الواسع الذي وضعت فيه الاحزاب بينها وبين المواطنين. فقوى التغيير (وأقصد هنا بالاضافة إلى الاحزاب السياسية، النقابات ووسائل الاعلام والمنظمات غير الحكومية) هي قوى مفرغة من أي محتوى وطني ـ نقابي ـ مطلبي. وفي الواقع، عملت السلطات الحاكمة ومن خلال إغداقها المال على قوى التغيير هذه على تحويلها إلى أبواق للنظام الحاكم وهذه حال معظم وسائل الاعلام في العالم العربي، أو أصبحت ديكوراً إضافياً في مسرحيات الديموقراطيات العربية وهذه حال معظم القوى السياسية والنقابية في العالم العربي حيث يضفي وجودها ـ ولو الرمزي ـ شرعية للطاقم الحاكم. أما المنظمات غير الحكومية في العالم العربي، فنراها تتخبط في مشاكلها الداخلية ذلك ان التمويل الاجنبي الواضح والسخي أحيانا لتلك المنظمات يحولها إلى شاهد زور أمام المعضلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويبعدها عن الحيز الاستقلالي والموضوعي الذي يجب ان تعمل في إطاره.
رابعا: ظهور تيار بات يسمى بتيار «النضال الالكتروني» حيث أطلق المئات من الشباب في العالم أجمع كما العالم العربي الكثير من التحركات والمبادرات المطلبية وكان للفايسبوك الدور الأساس في عملية الدعوة والتعبئة والتنظيم. وفي هذا السياق، فإن الاعلام العربي شهد إقبالا واسعاً في الآونة الأخيرة على التدوين فنما تيار من الشباب العربي المثقف الناشط سياسيا ولكنه غير مؤطر في أحزاب وتنظيمات حتى إن جيل الشباب الجديد فقد ثقته بمعظم أطياف اللون السياسي بما فيها أحزاب اليسار التي من المفترض ان تحمل هموم الشباب وتطلعاته نحو مستقبل أفضل وهذا ما يحتم على هذه القوى إيجاد وسائل استقطاب جديدة.
إن حركة «شباب 6 أبريل» المشاركة اليوم في الانتفاضة المصرية هي نفسها كانت وليدة الحراك المطلبي الالكتروني حيث دعت مجموعة من الناشطين السياسيين المستقلين إلى إضراب عمالي في السادس من نيسان عام 2008 أثمر استجابة كبيرة من قبل عموم الناس ثم ما لبثت أن انتقلت الاضرابات العمالية الى قطاعات اقتصادية عديدة نذكر منها عمال غزل النسيج.
يجمع الكثير من المتابعين على أهمية الانتفاضات المطلبية التي تشهدها مصر وتونس وأجزاء من العالم العربي. ومما لا شك فيه أننا أمام اختبار جديد.. اختبار أنواع فريدة من الثورات يختلط فيها النضال المطلبي الذي تسببه الرأسمالية الوطنية (الملحقة طبعاً بالرأسمالية العالمية) بوسائل تعبوية حديثة تعتبر أحد إفرازات العولمة والتطور التكنولوجي الهائل. ويلفتني في هذا المجال سقوط الاحزاب السياسية وعجزها عن اللحاق بمتغيرات الصراع وفهم أسبابه وتحديد وسائل تحقيقه. أمام كل هذا، أين أحزاب اليسار.. أين الاحزاب الشيوعية..؟ إلا إذا كانت لا زالت تؤمن بأن التغيير يكتب على سطور بيانات رثة.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات