بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
ارفع رأسك..." من ثورة يوليو إلى ثورة ينايرالشعبية
  21/02/2011

ارفع رأسك..." من ثورة يوليو إلى ثورة ينايرالشعبية

 *محمود عبد الرحيم:

"ارفع راسك فوق.. انت مصري"، هتاف ردده المصريون بانتشاء، بمجرد علمهم برحيل الديكتاتور الدموي مبارك، هتاف يحمل أكثر من دلالة يتقدمها الشعور بالفخر الذي فارقنا طويلا، والاعتزاز بالانتماء إلى هذا الوطن(مصر) دون تفرقة على أساس الدين أو العرق أو الطبقة الاجتماعية التي كرسها نظام مبارك عبر سنوات، وفق قاعدة "فرق تسد" المتوارثة من الحقبة الاستعمارية، حيث كان، فعلا، يتعامل مع الشعب المصري بالمنطق الاستعماري الذي لا هم له سوى نهب خيرات البلاد واذلال العباد، وبث الفرقة بين ابناء الوطن الواحد، حيث كان رهانه الرئيس على الخارج، كما سلفه السادات.وأهم ما في هذا الشعار العفوي والعميق الدلالة، الاحالة إلى الكرامة إلانسانية التى تستدعي إلى جوارها مبادئ الديمقراطية والعدالة الأجتماعية، والاحالة التاريخية إلى ثورة يوليو 1952، ومقولة الزعيم جمال عبد الناصر:"ارفع رأسك يا أخي، فقد مضى عهد الاستعباد".صحيح اننا كناصريين شاركنا مثل غيرنا من القوى الوطنية في هذه الثورة دون ابراز لهوية ايديولوجية، وبجوارنا الاخوان المسلمين والماركسيين والليبراليين و الالاف، وربما الملايين غير المنضوين تحت اي تيار سياسي،غير أن روح ثورة يوليو كانت حاضرة في الاغاني الحماسية لأم كلثوم وعبد الحليم المنتمية لهذه الحقبة الثورية، وبطريقة غير مباشرة في استدعاء لحظة تنحي ناصر، وامتلاكه الشجاعة لاتخاذ هذا القرار وتحمل مسئولية نكسة تحسب على عبد الحكيم عامر، والمؤامرة الدولية التى شارك فيها الاتحاد السوفيتي حليف مصر في ذلك التوقيت، إلى جانب الولايات المتحدة وقوى اقليمية، فيما كان الديكتاتور العجوز مبارك يرفض بصلف وعنجهية الرحيل ويصر على البقاء ولو على جثث خيرة ابناء شعبه، ويأبي الاعتراف بالمسئولية عن اخطاء جسام، إن لم تكن خطايا كبرى ارتكبها هو وعصابته.وربما الاستدعاء الآخر، يأتي من المقاربة بين نظام ناصر الذي تحالفت كل من واشنطن وتل ابيب وقوى رجعية تتقدمها السعودية لمعادته وتدميره، فيما هذه الاطراف كانت هي الداعمة لنظام مبارك حتى آخر لحظة، وتتباكى عليه باعتباره حليفا ذهبيا والأكثر ضمانة لأمن إسرائيل في المنطقة ولاستقرار اوضاع تنهض على التبعية والتخلف الحضاري.حتى صناعة هذه اللحظة التاريخية تبدو متشابهة مع اجواء ثورة يوليو، من حيث اشتراك كل من الشعب والجيش في حسم خيار التغيير، حين وصلت الاوضاع إلى الطريق المسدود، وتكاثف القمع فهيأ الاجواء للانفجار الحتمي، صحيح أن في 1952 المبادرة كانت لضباط الجيش الوطنيين، ثم لحقت بهم كل طوائف الأمة، وفي 2011، كانت الخطوة الأولى من نصيب الشعب الغاضب ، ثم كانت المؤازرة من الجيش، لكن في الحالتين كانت الثورة بيضاء، وتأثيراتها تتجاوز مصر إلى محيطها العربي والافريقي بل والعالم اجمع، وهدفها القطيعة مع الماضي الملوث، وميراث التبعية والافقار والمهانة، والرغبة في بناء مستقبل افضل للوطن والمواطن، وفي الحالتين كانت الثورة نتاج نضالات طويلة وتلاقي الظرف الذاتي مع الموضوعي، ولم تأت من عدم، أو بمحض الصدفة، دون تراث نضالي ممتد، وتضحيات متوالية، وهو ما يجب ان يستوعبه "شباب التحرير" الذي يدعي بعض منهم ممن لم تتجاوز تجربتهم السياسية الاسابيع أو الشهور، أنهم اصحاب الثورة، ومفجروها، والمستحقون وحدهم لحصاد ثمارها، متجاهلين أدوار أخرين سبقوهم أو كانوا بجوارهم في الميدان من أول يوم، تحت خطر الاعتقال أو الموت.وأود أن اتوقف قليلا، عند حديث النظام ورجاله وابواقه عن ضرورة الخروج المشرف لمبارك وتكريمه باعتباره رمزا وطنيا وقائدا عسكريا يستحق رحيلا لائقا، أو حديث مبارك نفسه حتى آخر خطاب له عن الاياد الاجنبية والاجندة الخارجية للثوار، والموقف الشعبي منهما، حيث كان الرد بليغا ومبدعا يأخذ تجليات عدة يوميا، وتنقله شاشات التليفزيون على الهواء يوميا. فالجماهير الذي تعالى عليها مبارك وتجبر، واصلت الضغط حتى النهاية، وابدت استعدادا للتضحية لآخر لحظة، ما جعل حلم الديكتاتور العجوز بالبقاء حتى يكمل فترته الرئاسية اضغاث احلام، والصوت الهادر في ميدان التحرير وميادين الاسكندرية والسويس ومدن مصرية اخرى في الدلتا والصعيد "ارحل..ارحل".."مش هنمشي.. هو يمشي" زلزالا يدك حصنه غير المنيع، والحصار الذي وصل إلى القصر الرئاسي، بمثابة الازميل الذي يكسر بصلابة وعزم الصنم الذي صنعه مبارك لنفسه وتصور بجهالة وغباء ان الشعب سيسجد له ويقدم له القرابين، لمجرد دغدغة العواطف بعبارات بلهاء وادعاءات كاذبة عن الوطنية والتاريخ المشرف والانجازات التى لاظل لها من الحقيقة.وقد استدعى المصريون الذاكرة الشعبية في العقاب، فقاموا ب"تجريس"مبارك ليل نهار طوال فترة صمودهم في الميدان، منهم من قام بوضع اسمه على حذائه أو من وضعه على لعبة على هيئة حمار، أو من بات ينادي عليه باعتباره مجرما هاربا مطلوبا للعدالة، ليردوا على دعاوى"هيبة الرئيس" ، ولأن الشعب فاض به الكيل واستفزه عناده واستعلائه قرر ليس فقط خلعه، وأنما محاكمته واعدامه، وعبر عن ذلك بتعليق دمية قماشية مشنوقة له ولنظامه، أو وضع صور له ولاركان نظامه لكل واحد منهم صفة "القواد" أو الحرامي" أو "المزور" وهو "كبير العصابة"، أو السير في جنازة رمزية له، وتشييعه باعتباره مات أو تم اعدامه شعبيا.اما ادعاء مبارك وجود اياد اجنبية واجندات خارجية تحرك "ثوار مصر"، فكان الرد عليه في الشعارات القوية المتكررة التى تسخر من اسقاط ارتباطه باسرائيل وامريكا على المحتجين"يا مبارك يا جبان.. يا عميل الامريكان" ، "كلموه بالعبري.. مبيفهمش عربي".فأين الخروج المشرف؟.. ولمن كان الانتصار للديكتاتورالعنيد وآلة قمعه الامنية واعلامه المضلل، أم لصمود هذا الشعب وتضحياته التى جعلت مبارك يخرج مذموما مدحورا، وجعلت الشعب يحصد الحرية والكرامة التى يستحقهما، وتبجيل كل العالم له.بقي أن نحذر من هؤلاء الانتهازيين من الاعلاميين والفنانين والرياضيين والساسة والقادمين من الخارج، الذين يتقافزون الآن كالقردة يريدون ان يسرقوا ثمار الثورة التى تتبرأ منهم، فمعظمهم قبل أيام كانوا يسبحون بحمد مبارك ويتباكون عليه ويهاجمون صناع الحرية والكرامة، ومثلهم هؤلاء الطامحين الذين يريدون احتكار ثورة شعب وخصخصتها لحساب افراد او جماعات يدعون فضلا ليس لهم.. في حين أن الفضل الأول والأخير للشهداء الذي يجب ان ننحني اجلالا لدمائهم الذكية التى كانت قربان هذه الثورة.وبقي ان نأمل الا يخيب الجيش املنا في تحول ديمقراطي حقيقي وتنفيذ عاجل لمطالب الجماهير التى دفعت الغالي والنفيس ثمنا لها، حتى لا نكون قدمنا تضحيات مقابل فقط ازاحة ديكتاتور، وابقاء النظام الفاسد المستبد القادر على خلق الف ديكتاتور.*كاتب صحفي مصري

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات