بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
الأيام الأخيرة لنظام الاستبداد الرسمي العربي: إنـه «أوهـن مـن بيـت الع
  28/02/2011

الأيام الأخيرة لنظام الاستبداد الرسمي العربي: إنـه «أوهـن مـن بيـت العنكبـوت»!

نصري الصايغ


I ـ الطاغوت المؤبد والمقدس!

لوحظ أن أنظمة الاستبداد العربية، ليست متفقة مع الصورة التي رسمتها أدبيات السياسة. حرصت الأقلام، على تصوير النظام العربي، على أنه نظام قوي، تحميه أدوات أمنية قمعية ساحقة، وشبكات مخابرات تحصي الأنفاس وتكشف عن الأفعال قبل وقوعها، وتتنبأ بالنوايا فور ورودها إلى العقل، عقل «المواطن». وأقنعت هذه الأقلام ـ وقلمي من هذه الطغمة التي استفحلت أخطاؤها ـ أن عقيدة النظام العربي الاستبدادي، من القوة الفعلية القادرة على إجهاض أي إصلاح جزئي، لأن أدوات النظام الإعلامية، (الخاصة والقومية والرسمية). تبث كذباً مقنعاً وتدليساً مرتباً وتبعد كل حقيقة تدلّ على مكمن وجع أو موطئ فساد، أو معتقل تعذيب. وقد حصلت أنظمة الاستبداد العربية على براءة ذمة سياسية (ريال بولتيك) وأخلاقية (قيم السوق) وحداثية (ليبرالية متوحشة) كما تم تنظيف السجل الإجرامي اليومي لهذا النظام العام الفاسد، بواسطة اعلام وثقافة ومهرجانات، شارك فيها عدد واسع من نخب مجتمعات «أهل الكتاب»، و«أهل الفن»، و«أهل المال»، و«أهل الدين».
ولوحظ أن قناعة ترسخت في أذهان الناس، ان نظام الاستبداد العربي، نظام دائم، مقيم، مخلّد، مستقر، تلزم حمايته خوفاً من الفوضى، والجهاد الاسلامي المتطرف، والحروب القبلية، والفتن الطائفية، والنزاعات الجهوية، والمطالب الأقوامية لأقليات مسحوقة ومضطهدة.
واكتمل نصاب صورة نظام الاستبداد العربي، الملكي والأميري والجمهوري، عبر تصوير الدولة وأجهزتها، بأنها خاتم في يد النظام، حيث تدار الوزارات من قبل طغمة، قليل عددها، تملي بما يشاء صاحب القرار وأعوانه، وأن لا رد لهذا الإملاء، في القضاء، الذي تمّ إفساده وإلحاقه بالقرار الاعتباطي الاستبدادي، ولا قدرة لوزارات، غير محصنة كالقضاء، نصاً وأخلاقاً، على عصيان أي أمر يرد من الأعلى. فالأعلى، هو بمثابة ألوهة، فائقة العقاب.
وتم تحصين هذه الصورة، عندما رسمت الأقلام. صورة شديدة الواقعية، للنظام الرسمي الاستبدادي العربي، حيث زوّجت السياسة للمال، واستضافت المال لينام سفاحاً في مخدع السياسة. ثم تم تطوير هذا النظام، عبر جعل السلطة السياسية الاستبدادية، هي صاحبة القرار المالي المطلق، في قطاع «المال العام» (بيت المال، وزارة المالية، صناديق المؤسسات) وفي قطاع الخصخصة (المال الخاص المأخوذ من المال العام). وباتت السلطة شركة قابضة، تتضخم أموالها من العمولات والسرقات والعقارات والصفقات والكومسيونات والمضاربة والبورصة، إضافة إلى حصص محترمة من تجارة السلاح والمخدرات وأموال العصابات المحلية والدولية، المدعوة احتراماً لمكانتها الدولية، المساعدات المقدّمة للتنمية ومكافحة الأمراض والأمية والفقر.
وظهرت سلطة النظام العربي، وكأنها السلطة الإلهية العظمى، فلا حسيب ولا رقيب. لا تخضع لمساءلة (عقوبة المساءلة، اختفاء السائل برمّته، إما سجناً أو نفياً أو انتفاء لوجوده) ولا تخضع لـ«من أين لك هذا»؟ إذ من أنت يا مواطن، لتسأل صاحب العزة السياسية، أي سؤال، عن النعمة التي جاءت «من فضل ربي وفضل جهدي». «وكيف تكفر بما أنعم الله عليّ؟».
ولوحظ بعد كل ذلك، بل وأثناء كل ذلك، أن سكوناً رهيباً على مستوى الشارع العربي، أقنع عدداً كبيراً من الكتاب والمثقفين، بأن العرب استثناء، ولعل مشكلتهم في دينهم (يا عيب الشوم!) وان مشكلتهم في قوميتهم (ايها المنافقون!) وأن مصيبتهم في ثقافتهم (يا للعار!) وأن العرب أعراب، أهل دمار وخراب، يدمرون الأمصار ليدكوا وتداً، على قول ابن خلدون، (ما هذا الدجل؟).. باختصار، حذف النظام الاستبدادي كمسؤول، وحُمّل المواطن العربي، مسؤولية تردي أحواله، وانهالت عليه صفات مخجلة: تبعي، رجعي، متخلف، متديّن، متعصب، كسول، يبوس اليد بدل كسرها، نفعي، ارتزاقي، منافق، سمسار. وفي السياسة هو مرتزق ومتسلق وأبوي (بطريركي) وغير ديموقراطي، و... وهكذا بات النظام العربي الاستبدادي، هو الوجه الأنيق، برغم بشاعته، والمواطن، هو الوجه البشع، برغم نصاعة آلامه وأوجاعه وإحباطاته ومآسيه ومذلات فرضت عليه.
وعليه، فلقد بدا النظام العربي حصناً منيعاً، والشعب العربي، من المحيط إلى الخليج، مشاعاً مهملاً في كل حساب سياسي.
وكان صاحب هذا القلم، واحداً من مئات، (ولا ينفع حسن النوايا هنا، بادعاء أنني كنت صادقاً مع نفسي.. «تشرَّفنا»!) بصموا بحبرهم على العجز العربي، وموت الشارع العربي، وفقدان الحيوية الإنسانية، وأن التعامل مع نظام الاستبداد العربي، شرّ لا بدّ منه.
أقول الآن لي: «ليتكِ لم تزني ولم تتصدقي». ونستحق أكثر من ذلك. والاعتذار لا يكفي. يلزم تعرية ما أقدمنا عليه، لنصبح قادرين على النظر إلى أنفسنا باحترام نسبي.
II ـ نظام أوهن من بيت العنكبوت
غريب. لقد سقطت هذه الحصون التي بناها الاستبداد العربي، بسرعة مذهلة. في الأصل، من تنبأ بحصول انفجار عربي ما، في مكان ما، كان على حق نظرياً. ولكنه لم يكن يدرك أن اللحظة ستكون بهذه السهولة، وبهذه الضخامة، وأن عود ثقاب بوعزيزي سيشعل تونس، ويسقط دكتاتورها الفاسد، ومصر الكبرى، ويطيح بنظام أفسد، ويتوغل في ليبيا ليكشف هزال دكتاتور دموي سخيف برسم الانتحار، ويصل إلى البحرين، ليفضح نظاماً تأبد فيه الفساد، مع حكومة يرأسها رئيس منذ 40 عاماً، وملك يتسلّى بإضافة أعداد مجنّسة إلى حظيرته المذهبية. والحبل على الجرار، من موريتانيا إلى عدن، والغد الآتي سيفصح عن المزيد من حضور الشارع، وكسوف النظام الاستبدادي العربي.
غريب... لماذا هَرَّ هذا النظام الاستبدادي (القومي!)؟ كيف حصل ذلك؟ ما هذه السرعة؟ أسرع ثورتين في العالم، بدون ضربة كفّ، هما ثورة مصر وثورة تونس. والأولى، ستغير العالم. (عنوان مجلة تايم الأميركية).
لوحظ أن هذا النظام الاستبدادي العربي، المرسوم إعلامياً وسياسياً ونخبوياً، هو «أوهن من بيت العنكبوت». أوهن من قصور مبنية على رمل. أوهن من لعب أطفال كرتونية. لوحظ أننا كنا نخلُق خوفنا من النظام، ونمارس هذا الخوف. هذه الأنظمة التي خفنا منها، وكتبنا عن مقدار إخافتها، هي أنظمة هشّة، حتى إذا استعملت السلاح، والنموذج الليبي برهان على ذلك.
لمـــاذا؟
قليل من تفكيك الصورة، يظهر أن أنظمة الاستبداد العربي، كانت فزاعة بساتين، تخافها عصافير، تظن أنها من جنس العمالقة.
هذا النظام الاستبدادي العربي لا مقومات مقاومة لديه. من يعتمد عليهم، ليسوا أصحاب قضية ولا أصحاب إيمان ولا أصحاب عقيدة. الرابط الأساسي هو الخوف: الخوف على الجسد، فتباع الروح، الخوف على المنصب، فتباع الكرامة، الخوف على الصفقة، فتباع الأعراض، الخوف على الربح فتصرَف القيم، الخوف على المكانة و...
يحيط النظام العربي الفاسد نفسه بمنظومة أمنية مدرّبة على القمع والحقارة والسفالة والنصب والاحتيال وحماية الفاسدين والمفسدين. ويتربّع على عرش هذه المنظومة الأمنية، مستفيدون كبار، يوزعون الفتات على من هم أدنى منهم مرتبة، وأظهرت التحقيقات، مع أرباب الفساد في مصر، أنهم يتقاضون الملايين إلى جانب رواتبهم، عدا ما تناوله أرباب النظام، العائلة الصغرى الخاصة، والعائلة الصغرى العامة، من حصص فلكية على كل عمل أو صفقة أو عقار أو شراء سلاح أو مساعدات إنسانية.
هؤلاء، لا يحمون سلطة إذا تعرضت لانتفاضة. هؤلاء، ينفذون أمراً بالقمع. يقمعون، ثم يقمعون، ثم... يهربون، عندما يواجَهون بأول مقاومة، تطال رأس النظام وحاشيته. من لا قضية له، لا يدافع عن سلطة بلا قضية ومن كان الفساد قضيته، والربح مسألته، والعيش (مجرد العيش) فلسفته، يترك بندقيته ويهرب. لم يصمد الأمن التونسي برغم بطشه. هزمته سيدي بوزيد. لم يصمد نظام البلطجة الأمني في مصر، هزمته الأيادي البيض في ميدان التحرير، لم يصمد أمن القذافي المسعور، سقط عند أول شهيد، أجهزة الأمن الحامية للفساد، لا تحمي سلطة ولا تحمي وطناً. أجهزة الإدارة الفاسدة، لا تحمي مصالح أحد. أجهزة الإعلام الفاجرة، تخرس، وتنقل البندقية، أسرع من النصابين حثالة الكلام وحثالة الأخلاق.
III ـ أوراق القوة المحروقة
وماذا عن الجيوش؟
على الرغم من الاختلاف، بين الجيوش العربية، فلقد ظهر حتى الآن، أنها أعقل من ساسة النظام العربي الاستبدادي. تمنّع الجيش في تونس. وقف على ناصية الحياد الايجابي في مصر، انقسم في معظمه منذ اللحظات الأولى وانحاز إلى الثوار في ليبيا. الجيش ليس مرشحاً ليمارس الجريمة أبداً. على الرغم من أنه جيش النظام كما قيل، انه لم يسلك حتى الآن، لحماية النظام، بل شعر ان مهمته، حماية الدولة وحماية الشعب.
لماذا حصل ذلك؟
لأن سلطة الاستبداد العربي، رغبت في توظيف الجيش، بدون أن يكون للجيش قضية. ليس الجيش في مصر، حامي اسرائيل، هذا غير معقول وغير مقبول، عند أبسط جندي. ليس الجيش في أي دولة، حماية الفساد، برغم انخراط بعض كوادره العليا في عمليات فساد... الجيش في معظمه، من الشعب الكادح، وهو كادح في ثكناته أيضاَ.. نِعَمُ الفساد لا تصل إليه، تصل إلى قلة، تنتقى لخدمة النظام، وتكون شبه مستقلة عن قيادة الجيش. تكون تابعة مباشرة، لصاحب القرار أو أحد أعوانه أو أفراد أسرته.
وماذا عن الأوراق الأخرى التي يهدد بها النظام.
النظام الاستبدادي العربي يطرح ما يلي: إما أنا أو الفوضى. حيث لا بديل للنظام إلا الفوضى. إذ لا مؤسسات دستورية أبداً، قادرة على ملء الفراغ. وهو عمل على تجويعها وتهزيلها. النظام يقول: إما أنا وإما الحركات الإسلامية. وتبين ان الاخوان المسلمين في مصر على مستوى من التعقل المدني، ولولا تدخل القرضاوي خطابة وتجييشاً، لظننا أن «الاخوان» علمانيون، يقترضون من قاموس السياسة لفظ الدولة المدنية، بمداليل علمانية. وماذا عن إسلاميي تونس، وإسلاميي ليبيا. الإسلام ليس بعبعاً لأحد. لقد صنعت أميركا إسلاماً قاعدياً في أفغانستان، ارتد علينا كثيراً وعليها قليلاً.
ويقول النظام أيضاً، إما أنا، أو الحروب الطائفية، المذهبية، الجهوية، العرقية إلى آخره.
كذاب فاجر هذا النظام. ما حصل في البحرين، برغم لهجته المذهبية، هو ضمن الخط السياسي الإصلاحي: مملكة دستورية، وحكومة منتخبة. مطالب وطنية، حتى الآن... والحرب المذهبية في البحرين، موؤدة. يريدها النظام ولا يستجيب لها الشعب.
كذاب وفاجر هذا النظام في اليمن، برغم استفحال القبلية، نلاحظ ان اليمنيين لا تختلف مطالبهم عن شعارات أهل تونس ومصر والبحرين: الديموقراطية، والحرية، والعمل، والمكاشفة، ومحاربة الفساد، والمشاركة في السلطة، ورفض للاحتكار والتوريث والقمع والاستبداد. الشعب في كل مكان، في دنيا العرب، يريد إسقاط النظام، وقيام الدولة الديموقراطية المدنية.
لقد انكشف هذا النظام الاستبدادي... وليس لديه قوى تحافظ عليه، ولو تجرأت على استعمال السلاح...
IV ـ الأيام الأخيرة
إنها الأيام الأخيرة لهذا النظام العربي الاستبدادي.
انها اللحظات المجيدة، لعالم، في القارات الخمس، ليشهد أعظم ثورة ديموقراطية، بلا عنف، بلا كبرياء، بلا ادعاء، بلا زيف، بلا نفاق، بلا غرب أصيب بالهلع، لأن نموذج الثورة الديموقراطية العربية، لا يرقى إليه نموذج ثوري سابق. فهو نموذج انساني، سلمي، قيمي، اخلاقي، حقوق إنساني، واقعي، نظيف، وليس هدفه السلطة، بل الدولة الديموقراطية العادلة الشفافة.
ماذا عن لبنان؟
هل دقت ساعة التغيير؟
ساعة لبنان، ليست حتى اللحظة، وفق التوقيت الثوري الديموقراطي.
لعل وعسى ألا يطول هذا الزمن اللبناني الرث!


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات